إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم السبت 18 نيسان/أبريل 2026 بوقف إطلاق النار في لبنان مع التركيز على مسألة الضغط الإيراني لتحقيق هذا الأمر وما ترافق معه من فتح مشروط لمضيق هرمز، كما اهتمت بمسار الحرب الأميركية الايرانية والضغوط المستمرة قبل المحادثات القادمة.
معادلة حصار الحصار
كتبت صحيفة وطن أمروز: "في صراعات الطاقة الكبرى، قد يصبح موقع ضيق على الخريطة أكثر أهمية من عشرات الجيوش. ومضيق هرمز خير مثال على ذلك؛ ممر مائي صغير ذو تأثير هائل على سوق النفط العالمي. فأي مؤشر على انعدام الأمن في هذا الممر، من ارتفاع أسعار التأمين إلى حذر المشترين وتغيير مسارات السفن، ينعكس فورًا على الأسعار. هذه السمة هي التي حوّلت مضيق هرمز إلى أداة استراتيجية، وفي الوقت نفسه، دفعت الدول المجاورة إلى التفكير في إنشاء طرق بديلة. ما يحدث في المنطقة اليوم ليس مجرد صراع عسكري أو سياسي، بل هو تنافس بين الطرق والقدرات والقدرة على فرض تكاليف باهظة على الطرف الآخر.
فمن جهة، تحاول قوى خارجية الحدّ من تأثير إيران الرادع باستخدام التهديدات البحرية والضغط على حركة السفن، وإيصال رسالة مفادها أن إمكانية استخدام مضيق هرمز أصبحت محدودة أو مكلفة. ومن جهة أخرى، تُظهر إيران، مستندةً إلى موقعها الجيوسياسي، أنه إذا ما تعرض مضيق هرمز للضغط، فلن يكون هذا الممر المائي وسيلتها الوحيدة للنفوذ. منطق اللعبة في مثل هذه الظروف واضح. يسعى كل طرف لإثبات قدرته على جعل سلسلة تصدير الطاقة أكثر هشاشة وبطئًا وتكلفة بالنسبة للطرف الآخر. في هذا السياق، لا تكمن المسألة الرئيسية في إمكانية مرور ناقلات النفط فحسب، بل في من يستطيع رفع تكلفة المرور إلى حد يدفع الطرف الآخر للتخلي عن مواصلة الطريق.
[...] في غضون ذلك، يحتل باب المندب موقعًا يضاهي، بل ويتجاوز في بعض جوانبه، أهمية مضيق هرمز. يربط هذا المضيق الضيق البحر الأحمر بخليج عدن، ومن ثم بالمحيط الهندي، ويُعد شريانًا حيويًا لصادرات النفط والسلع في المنطقة. فإذا كان مضيق هرمز هو الطريق السريع الرئيسي لشرق الخليج، يُعتبر باب المندب نقطة اختناق لعبور النفط من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى الأسواق العالمية. تزداد أهمية باب المندب بشكل كبير، فبعد حصار مضيق هرمز خلال حرب رمضان، نُقل جزء كبير من نفط السعودية ودول عربية أخرى إلى ساحل البحر الأحمر عبر بنية تحتية بديلة، وذلك للحد من الاعتماد المباشر على مضيق هرمز. ولهذا السبب، فإن أي حالة من عدم الاستقرار في باب المندب لا تُعد أزمة محلية فحسب، بل لها أيضاً سلسلة من التداعيات على أسعار النفط والنقل البحري وثقة السوق.
ومن هنا ينطلق منطق الدول العربية في إنشاء طرق بديلة حول مضيق هرمز. ويُعد خط أنابيب شرق-غرب السعودية وخط أنابيب الحبشة-الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة مثالين هامين على الاستجابة لمشكلة هشاشة مضيق هرمز. تسمح هذه الطرق للدول بتصدير جزء من نفطها دون عبور الممر المائي الرئيسي، وتبدو ظاهريًا محصنة ضد خطر الحصار. إلا أن الواقع يُشير إلى أن هذه الأنابيب، رغم كونها تبدو حلًا، تُصبح في الواقع مصدرًا جديدًا للهشاشة. إن طول هذه الخطوط، وتشتت محطاتها، وتكاليف صيانتها، والحاجة إلى أمن دائم، وصعوبة حماية جميع نقاطها بشكل كامل، كلها عوامل جعلتها بنية تحتية حساسة ومكلفة. وكلما زاد الاعتماد على هذه الخطوط، ازدادت الحاجة إلى حمايتها عبئًا وإرهاقًا.
من منظور اقتصادي، لا يحل كل مسار بديل سوى جزء من المشكلة. فبناء خطوط جديدة، وزيادة قدرة النقل، وإنشاء محطات ضخ، وتوسيع الموانئ، وتعزيز الشبكة الأمنية، كلها تتطلب استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات. هذه التكاليف ليست بالهينة بالنسبة للدول التي تسعى إلى تقليل مخاطر مضيق هرمز. فعندما يُبنى مسار بديل بهذا المستوى من الاستثمار، تُرسل الحكومات في جوهرها رسالة إلى السوق مفادها: نحن على استعداد لدفع مبالغ طائلة لتجاوز هذا التهديد. لكن هذه الرسالة نفسها تعني أيضًا ضعفًا على مستوى آخر، إذ إنها تقبلت بأن المضيق الرئيسي بالغ الأهمية لدرجة أنه يجب إنفاق مليارات الدولارات لمجرد النأي بنفسها عن تأثيره.
[...] في مواجهة هذه الجهود، باتت إيران في وضع يسمح لها بأن تصبح ليس مجرد مستهلك في معادلة النفط، بل لاعبًا مؤثرًا في تحديد التكاليف. فكلما طُرح الحديث عن حصار بحري أو تقييد للملاحة، يفكر السوق فورًا في الأثر المتبادل. إذا تعطلت صادرات أو عمليات نقل أحد الجانبين، فهل يستطيع الجانب الآخر الرد؟ هذا السؤال يدفع الأسعار إلى الارتفاع. سوق النفط ليس سوقًا هادئًا أو قابلًا للتنبؤ تمامًا، بل يتفاعل مع أدنى إشارة إلى عدم اليقين. يكفي مجرد الخوف من تعطل بضعة ملايين من براميل الإمدادات العالمية اليومية لرفع الأسعار بشكل حاد، حتى لو لم يحدث التعطل بالكامل بعد.
من هذا المنظور، لا يُعدّ خط باب المندب وخطوط الأنابيب البديلة إلى مضيق هرمز مجرد طرق مادية، بل أدوات نفسية مؤثرة في السوق. عندما يشعر المستثمر أو شركة التكرير أو شركة الشحن بأن المنطقة على وشك أزمة متعددة الأوجه، فإن قرارهم لم يعد مبنيًا فقط على سعر النفط الحالي، بل على الخوف من المستقبل.
يصبح التأمين أكثر تكلفة، وتُجرى المفاوضات على العقود بحذر أكبر، ويصبح الشحن أكثر تكلفة ويتأخر.
في مثل هذه الحالة، حتى لو لم يُسحب النفط تمامًا من السوق، فإن التأثير النفسي لانعدام الأمن قد يلعب الدور نفسه، دافعًا الأسعار إلى الارتفاع".
بنت جبيل مدينة في السماء
كتبت صحيفة رسالت: "بنت جبيل مدينة، رغم موقعها الظاهري على شريط حدودي ضيق بين لبنان وفلسطين المحتلة، إلا أنها في الواقع مركز صراع متعدد الأوجه بين الروايات والإرادات ومعادلات القوة. ما يدور حول هذه المدينة اليوم ليس مجرد عملية عسكرية، بل محاولة لإعادة صياغة المعنى؛ معنى ترسخ بقوة ضد "إسرائيل" منذ عام 2000.
تدرك "إسرائيل" جيدًا أن بنت جبيل لا يمكن الاستيلاء عليها بالدبابات والنيران فحسب. القضية ليست المدينة نفسها، بل هي العبارة التي نطق بها السيد حسن نصر الله، الأمين العام الراحل لحزب الله، بعد النصر على "إسرائيل" في هذه المدينة، والتي أصبحت جزءًا من الذاكرة الاستراتيجية للمنطقة: "إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت".
كانت هذه العبارة إطارًا تحليليًا لطبيعة القوة "الإسرائيلية"، تم اختباره مرارًا وتكرارًا على أرض الواقع على مدى عقدين من الزمن. لهذا السبب، فإن تركيز الجيش "الإسرائيلي" على بنت جبيل اليوم هو محاولة لجبر هزيمة رمزية أكثر من كونه محاولة لتحقيق نصر ميداني.
إن النموذج العملياتي الذي اتبعه "إسرائيل" في الأسابيع الأخيرة، والمتمثل في الحصار التدريجي بدلًا من الهجوم المباشر، ليس إلا اعترافًا ضمنيًا بهذه الحقيقة. لا تزال تجربة عام 2006 حاضرة في الذاكرة العسكرية لـ"تل أبيب"، حين تحول الدخول المباشر إلى بنت جبيل إلى مستنقع تكتيكي، وكلف الجيش "الإسرائيلي" خسائر غير متوقعة.
ويتكرر النمط نفسه الآن: قطع خطوط الاتصال، والضغط من المحيط، ومحاولة إفراغ المدينة من قدرتها على المقاومة. لكن بيت جبيل ليست مجرد مساحة يمكن إخلاؤها، بل هي شبكة حية من الإرادة الإنسانية والتجربة التاريخية.
من جهة أخرى، أدركت المقاومة جيدًا أن الدفاع عن بنت جبيل ليس مجرد دفاع عن خط تماس، بل هو دفاع عن سردية.
هنا، يصبح كل زقاق خط دفاع، وكل مبنى جزءًا من ذاكرة جماعية تشكلت على مدى عقود. إن تفوق المقاومة في مثل هذه البيئة لا ينبع من الأسلحة أو التحصينات فحسب؛ ينبع ذلك من معرفة عميقة بالمجال وارتباط وثيق به. وهذا هو العامل نفسه الذي جعل محاولة إقامة وجود "إسرائيلي" مشروعًا مكلفًا وغير مستدام في كل مرة.
[...] ربما يكون الجانب الأهم في هذه القصة هو ما يُمكن تسميته معركة الروايات. تحاول "إسرائيل" إيصال رسالة مفادها أن المعادلة تتغير من خلال صور تُظهر تقدمًا، أو حتى مجرد وجود على مشارف بنت جبيل. في المقابل، تتحدى المقاومة هذه الرواية بتأكيدها على استمرار وجودها وقدرتها العملياتية داخل المدينة. في غضون ذلك، وبغض النظر عن الواقع على الأرض، فإن ما يُرسخ على مستوى الرأي العام يكتسب أهمية استراتيجية أكبر. ولهذا السبب، يمكن تصوير أي تقدم محدود أو تراجع تكتيكي في وسائل الإعلام على أنه نصر أو هزيمة. لكن التجربة أثبتت أن هذه التصورات في بنت جبيل لا تدوم طويلاً؛ لأن الواقع على الأرض، عاجلاً أم آجلاً، يفرض نفسه. وكما حدث في عام 2006، ورغم التصريحات المتكررة، فشلت "إسرائيل" في فرض سيطرة مستدامة على المدينة، فإن المؤشرات اليوم تُنذر بتكرار النمط نفسه.
في نهاية المطاف، لا بد من القول إن بنت جبيل هي اختبار أكثر منها هدف؛ اختبار لقياس قدرة "إسرائيل" على تغيير المعادلات التي تشكلت على مدى العقدين الماضيين. لكن لهذا الاختبار قواعده الخاصة. هنا، لا تكفي القوة العسكرية وحدها؛ بل يجب أن تكون قادرة على إعادة تعريف المعنى. وهنا تحديدًا تواجه إسرائيل صعوبة بالغة".
أصبح المضيق أضيق!
كتبت صحيفة جوان: "مساء أمس، غرد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قائلاً: بعد وقف إطلاق النار في لبنان، سيُعلن فتح مضيق هرمز حتى نهاية وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة (بعد خمسة أيام). وتضمنت تغريدته بندًا آخر لم يحظَ بنفس القدر من الاهتمام، ثم أُضيف إليه توضيح من مسؤول عسكري. وكتب عراقجي أن هذه الحركة يجب أن تتم عبر مسار منسق ومُعلن مسبقًا من قبل منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية. وبعد ساعة، نقل التلفزيون الإيراني عن مسؤول رفيع قوله إن حركة السفن العسكرية عبر مضيق هرمز لا تزال محظورة، وحركة السفن المدنية فيه غير ممكنة دون تنسيق مع البحرية الإيرانية.
هذا يعني أنه لم يحدث شيء سوى بنود اتفاق وقف إطلاق النار المتعلقة بالفتح المؤقت للمضيق. ومع ذلك، سارع ترامب إلى نشر عدة تغريدات متتالية بحماس شديد، وهذا التسرع بحد ذاته دليل على صحة ما ورد في الخبر. يحاول ترامب ترسيخ رواية انتصار عظيم، لكن الواقع على الأرض، وتصريحات المسؤولين الإيرانيين، وتقارير مصادر الشحن، وتحليلات وسائل الإعلام الدولية، كلها تروي قصة مختلفة تمامًا؛ فلم تُحسم أي حرب، ولم يُوقع أي اتفاق، ولم يطرأ أي تغيير على موازين القوى. ما نراه هو محاولة يائسة لإظهار النصر بالمقامرة على خسارة في الفضاء الإلكتروني!
كتب ترامب مرارًا وتكرارًا أن "هذا يوم عظيم ومبهج للعالم"! أجل! لأن أميركا لم تعد هي نفسها، وهي الآن في تفاهم رجاء مع إيران.
[...] على أي حال، ما شهدناه في الأيام الأخيرة ليس نهاية للأزمة، ولا انتصارًا لأميركا، ولا قبولًا من إيران باتفاق هش؛ إنما هو مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار في لبنان، مصحوبًا بإعادة فتح مضيق هرمز بشكل مشروط ومؤقت أمام السفن التجارية مع احتفاظ إيران بالسيطرة الكاملة عليها، ومن جهة أخرى، سيل من التصريحات المثيرة للجدل من رئيس خاسر في الواقع ويريد الظهور بمظهر المنتصر في وسائل الإعلام.
لقد نقل العالم وأميركا حقيقة الحرب والاتفاق مع إيران إلى الفضاء الإلكتروني لخلق سردية نصر لأنفسهم بقلب الرواية رأسًا على عقب. هذه هي القوة المطلقة لأميركا في عصر جديد يتغير فيه التاريخ العالمي".