اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حصار أميركا "غير الشفاف": إيران مستمرّة في بيع نفطها

مقالات مختارة

تحولات ما بعد هرمز: عقيدة الحسم الإسرائيلية تتداعى
مقالات مختارة

تحولات ما بعد هرمز: عقيدة الحسم الإسرائيلية تتداعى

81

علي حيدر - صحيفة الأخبار
تتّجه الولايات المتحدة وإيران نحو صياغة اتفاق إطار لإنهاء الحرب، مع تضاؤل الفجوة بينهما بفعل تسارع الوساطات. ويأتي هذا في ظلّ إدراك متبادل لكلفة التصعيد، مقابل بروز مؤشرات مرونة نسبية في الملفات الخلافية، ولا سيما النووي وأمن مضيق هرمز.

لا يمكن تقييم التحولات التي طرأت على العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد «طوفان الأقصى»، إلا عبر النظر في نتائج اختبارها في بيئة صراع فعلية كفيلة بتظهير حدود القوة وإمكاناتها. ومن زاوية النظر تلك، يتّضح أن هذه العقيدة التي سعت إسرائيل إلى ترسيخها ما بعد «الطوفان»، وقوامها النهج الاستباقي وتوسيع نطاق الضربات ليشمل الساحات كافة، ونقل المعركة إلى أرض الخصم وفق ما جرى في إيران ولبنان، أفرزت متغيرات بنيوية قيّدت منطقها، إن لم تَقلبه. وخلافاً لما تستهدفه من الانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه بالقوة، عبر الافتراض بأن المبادرة الاستباقية كفيلة بإعادة إنتاج الردع وفرض واقع أمني جديد، اصطدمت هذه الفرضية سريعاً بواقع مغاير.
هكذا، تبيّن أن النهج الاستباقي، رغم كثافته، لم يعُد أداة حاسمة لمنع التهديد الذي يشكّله خصوم "إسرائيل"، إنما أنتج وسيلة بأيديهم لإدارة وتيرة ذلك النهج، من دون أن تتمكّن تل أبيب في المقابل من التحكّم بإيقاع المواجهة، بل ومع تحوّل الكيان إلى جزء من منظومة تفاعلية مفتوحة تتداخل فيها الجبهات وتترابط فيها النتائج. وتجلّى هذا بوضوح في لبنان وإيران، حيث نجح أعداء إسرائيل في مواءمة تكتيكاتهم وأدواتهم مع التحولات الحاصلة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، معمّقين الترابط العضوي في ما بينهم، والذي تعدّى التنسيق العسكري إلى ما يمكن القول إنه تحوّل استراتيجي وسّع نطاق الكلفة والثمن. ومن هنا، دخلت على الخطّ أدوات ضغط إضافية، أبرزها ممرّات الطاقة والملاحة، والتي وسّع استخدامها نطاق الكلفة ليطاول الاقتصاد العالمي، وقوّض عامل الدعم المطلق الذي تقدّمه الولايات المتحدة إلى "إسرائيل"، وحوّله إلى مصدر قيود سياسية وعملياتية تضبط إيقاع العقيدة "الإسرائيلية".
وأمام هذا الترابط العضوي الفاعل بين أطراف محور المقاومة، لم يعُد بإمكان "إسرائيل" عزل أيّ جبهة؛ فأيّ تصعيد في ساحة معيّنة بات يولّد تداعيات في ساحات أخرى بشكل شبه تلقائي. وإلى جانب ذلك، عكس بقاء القدرات الصاروخية والبنى العملياتية لخصوم إسرائيل حدودَ قدرة الأخيرة على اجتثاث التهديد من جذوره. ومع امتداد المواجهة، تحوّلت محاولة تحقيق «حسم تراكمي» إلى واقع استنزافي، حيث بات عامل الوقت عنصر ضغط تتراكم عبره الكلفة عسكرياً واقتصادياً.

قوّضت محدودية القدرة على الحسم الركيزة النفسية للعقيدة "الإسرائيلية"


فعندما هدّدت الحرب تدفقات الطاقة واستقرار الأسواق، تحولت الولايات المتحدة، باعتبارها الأكثر ارتباطاً بهذه المنظومة، من داعم مطلق إلى طرف يسعى إلى ضبط التصعيد. وبذلك، لم تعُد القيود على "إسرائيل" ناتجة من قدرات الخصوم فحسب، إنما أيضاً عن اعتبارات الحليف الاستراتيجي الذي سعى إلى منع انزلاق المواجهة إلى مستوى يهدّد النظام الاقتصادي الدولي.
وفي ضوء ذلك، ولّد التداخل بين الميدان والاقتصاد والسياسة ما يمكن وصفه بـ«الردع المركّب»، الذي حدّ من القدرة "الإسرائيلية" على توسيع الحرب، وأدّى إلى تراجع فاعلية مبدأ «نقل المعركة إلى أرض الخصم»، خصوصاً أن "إسرائيل" لم تتمكّن من تحييد جبهتها الداخلية، كما لم تستطع، في الوقت نفسه، تجاهل التداعيات الأوسع لأيّ تصعيد إضافي. وإذ أدى هذا التحول إلى تقويض العقيدة "الإسرائيلية"، فهو أتاح في المقابل تبلور عقيدة مضادّة لدى «محور المقاومة»، لا تقوم على تحقيق حسم عسكري مباشر، إنما على منع الخصم من تحقيق أهدافه عبر إدارة استنزاف طويل، وتوسيع نطاق الكلفة، والحفاظ على القدرة رغم الضربات.

وإلى جانب ما تقدّم، تميزت هذه الحرب بطابعها المفاجئ، لا سيما على مستوى الأداء العملياتي لـ«حزب الله»، والذي كشف عن قدرة على إنتاج مفاجآت ميدانية أقرّ بها قادة في الجيش الإسرائيلي أنفسهم. وفي الوقت عينه، انتقلت إيران إلى توسيع نطاق الردّ أفقياً، بما يتجاوز الجغرافيا المباشرة للمواجهة. وبدل منع الاختراق الذي يعيقه التفوق العسكري والتكنولوجي الأميركي و"الإسرائيلي"، جرى التركيز على امتصاص هذا الاختراق، وسط مواصلة المواجهة، بما يقوّض جوهر الاستباق "الإسرائيلي".
أمّا على المستوى الإدراكي، فأسهم هذا الواقع في إعادة تشكيل صورة القوة نفسها؛ إذ قوّضت محدودية القدرة على الحسم، رغم التفوق العسكري، الركيزة النفسية للعقيدة "الإسرائيلية"، وأظهرت أن القوة باتت تُقاس بالقدرة على فرض شروط الصراع أو تعطيل شروط الخصم. وبذلك، لم تعُد المعادلة تُحسم في الميدان فقط، بل ربطاً أيضاً بقابلية كلّ طرف لإدارة الكلفة الشاملة للحرب، وتوزيعها، وتوسيع نطاقها بما يفرض توازناً جديداً.

في المحصلة، نحن أمام تصادم بين عقيدتَين: الأولى تسعى إلى السيطرة على مسار الصراع عبر المبادرة والتصعيد، والثانية إلى نزع هذه القدرة عبر التشابك والاستنزاف وتوسيع الكلفة. ورغم أن هذا التصادم لم يفضِ إلى حسم للمعركة، لكنّه أنتج توازناً ديناميكياً، يمتلك فيه كلّ طرف أدوات تأثير، وتواجهه في الوقت نفسه قيود بنيوية تحدّ من إمكانية استيلاد نتائج نهائية من استخدام تلك الأدوات.
وعليه، يمكن القول إن العقيدة "الإسرائيلية" لم تسقط بالكامل، لكنها فقدت زخمها وقدرتها على فرض نتيجة أحادية في معادلة الميدان، فيما نجحت العقيدة المضادة، رغم أنها لا تزال في طور التشكل، في منع الحسم وتقييد الهامش العملياتي وفرض واقع يدفع الطرف المقابل إلى التكيّف معه. وعلى أيّ حال، يبدو أننا أمام مسار مفتوح لم تتبلور فيه بعد قواعد نهائية؛ إذ إن هذه القواعد تتشكل تدريجياً عبر التفاعل بين المفاجأة والردّ، وبين القوة والقيود، وذلك في سياق صراع يؤسس لعقائد أمنية جديدة لدى مختلف الأطراف.

الكلمات المفتاحية
مشاركة