اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي زلزال "نيو ستيتسمان": انتهاء العصر الأميركي وبروز دول قادرة

مقالات

إغلاق مضيق هرمز: الورقة الأقوى في يد إيران
🎧 إستمع للمقال
مقالات

إغلاق مضيق هرمز: الورقة الأقوى في يد إيران

170

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  


يُعد مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الحيوية في الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره ما يقارب ٢٠% من إمدادات النفط العالمية، إلى جانب نسبة كبيرة من صادرات الغاز المسال، خصوصًا من دول الخليج. لذلك، فإن أي تعطيل لحركة الملاحة فيه لا يُعتبر مجرد خطوة عسكرية، بل هو حدث استراتيجي يضرب مباشرة قلب النظام الاقتصادي الدولي.

عندما تُقدم إيران على إغلاق المضيق، فهي لا تستهدف الولايات المتحدة فقط، بل تمارس ضغطًا على العالم بأسره، بما في ذلك حلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا، مثل اليابان وكوريا الجنوبية. هذه الخاصية تحديدًا تجعل من هذه الخطوة "سلاحًا غير متماثل"، حيث تستطيع دولة إقليمية أن تُحدث تأثيرًا عالميًا يفوق بكثير حجمها العسكري التقليدي.

تكمن قوة هذه الورقة في عدة عناصر:
الجغرافيا: إيران تُشرف فعليًا على الضفة الشمالية للمضيق، وتمتلك قدرات صاروخية وبحرية قادرة على تعطيل الملاحة حتى دون إغلاق كامل.
الكلفة المنخفضة نسبيًا: لا تحتاج إيران إلى مواجهة بحرية شاملة، بل يكفي التهديد وزرع الألغام واستخدام الزوارق السريعة والطائرات المسيَّرة.
التأثير النفسي والاقتصادي: مجرد إعلان الإغلاق يرفع أسعار النفط فورًا، ويخلق حالة ذعر في الأسواق.

بمعنى آخر، إيران لا تحتاج إلى كسب الحرب عسكريًا لتنجح، يكفيها أن ترفع كلفة الصراع على خصومها إلى مستويات غير محتملة.

الرد الأميركي: من خيار القوة إلى خيار الاحتواء
الرد الأميركي المفترض باحتلال جزر إيرانية وفتح المضيق بالقوة يعكس التفكير الكلاسيكي للقوة العسكرية المباشرة. لكن التراجع عن هذا الخيار، سواء بسبب الخلافات داخل المؤسسة العسكرية أو تقدير المخاطر، يشير إلى إدراك عميق لتعقيدات المشهد.

السبب الرئيسي لذلك هو أن أي عملية عسكرية لفتح المضيق بالقوة ستواجه تحديات كبيرة:
حرب غير متكافئة: إيران لن تواجه الأسطول الأميركي بشكل تقليدي، بل ستلجأ إلى تكتيكات الاستنزاف، بحيث لن تستطيع القوى الغازية أن تثبّت أقدامها على الجزر، كونها ستبقى عرضة للصواريخ والطائرات المسيَّرة الإيرانية بشكل مستمر، وبكل الأحوال لن يؤدي ذلك إلى فتح مضيق هرمز، كون إيران ستستهدف السفن التجارية بالصواريخ والمسيَّرات، كما حصل في باب المندب من قبل الحوثيين.

خطر التوسع: أي اشتباك في هرمز قد يتحول بسرعة إلى حرب إقليمية تشمل الخليج والعراق وربما لبنان واليمن.

الكلفة الاقتصادية العالمية: حتى لو نجحت العملية عسكريًا، فإن الأسواق تكون قد دخلت بالفعل في حالة انهيار.

لذلك، فإن خيار "الحصار من بعيد" باستخدام قطع بحرية على مسافات آمنة يعكس تحوّلًا نحو إدارة الأزمة بدل حسمها. هذا الأسلوب يقوم على:
منع إيران من توسيع نطاق عملياتها.
حماية طرق بديلة جزئيًا.
فرض ضغط تدريجي دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة.

لكن هذا الخيار يطرح مفارقة لافتة: الولايات المتحدة عمليًا لا تفتح المضيق، بل "تحتوي" إغلاقه، فهي تُغلق المُغلَق. أي أنها لا تعيد الأمور إلى طبيعتها، بل تمنع تفاقمها فقط.

هل أغلقت أميركا المُغلَق؟
يمكن القول إن الحصار البحري الأميركي في هذا السيناريو لا يُبطل مفعول الورقة الإيرانية بالكامل، بل يعيد تشكيلها. فإيران حققت هدفها الأساسي: تعطيل التدفق الطبيعي للطاقة وفرض معادلة جديدة.

أما الولايات المتحدة، فبدلًا من إعادة الوضع إلى ما كان عليه، أصبحت تدير أزمة مفتوحة. وهذا بحد ذاته يعكس نجاحًا نسبيًا لإيران في نقل الصراع من ساحة عسكرية إلى ساحة اقتصادية استراتيجية.

بعبارة أدق: إيران تلعب على تعطيل النظام بينما أميركا تحاول إدارة التعطيل. وهذا فرق جوهري في ميزان المبادرة.

باب المندب: توسيع ساحة الضغط
إذا انتقلت إيران أو حلفاؤها إلى استخدام ورقة مضيق باب المندب، فإن المعادلة ستصبح أكثر تعقيدًا. هذا المضيق يُعتبر بوابة البحر الأحمر، ويمر عبره جزء مهم من التجارة العالمية، خاصة تلك المتجهة نحو قناة السويس.

استخدام هذه الورقة يعني:
تهديد مسارين حيويين في آن واحد (هرمز وباب المندب).
مضاعفة الضغط على أوروبا بشكل خاص.
رفع تكاليف الشحن والتأمين بشكل كبير.

لكن هذه الخطوة تحمل أيضًا مخاطر:
تدويل الصراع بشكل أكبر: قد تدخل قوى إضافية بشكل مباشر لحماية الملاحة.
استنزاف الحلفاء: استخدام أوراق متعددة في وقت واحد قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على وتيرة التصعيد.
توحيد الخصوم: كلما توسع التهديد، زادت احتمالات تشكّل تحالف واسع ضد إيران.

الخلاصة: معركة الإرادات لا معركة الجيوش

ما يكشفه هذا السيناريو هو أن الصراع لم يعد يُحسم فقط بالقوة العسكرية المباشرة، بل بقدرة كل طرف على استخدام أدوات الضغط الاستراتيجي.

إيران تمتلك أوراق ضغط جغرافية تجعلها قادرة على التأثير العالمي رغم محدودية قدراتها التقليدية. فلا يمكن إغفال تمكن إيران من فرض شرط شمول الساحة اللبنانية على اتفاق وقف إطلاق النار بواسطة هذا المضيق.

الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا عسكريًا هائلًا، لكنها مقيّدة بحسابات الكلفة والتداعيات.
إغلاق مضيق هرمز ليس مجرد خطوة تكتيكية، بل هو إعلان عن انتقال الحرب إلى مستوى "الاختناق الاقتصادي العالمي". أما الرد الأميركي بالحصر والاحتواء، فيعكس إدراكًا بأن كلفة كسر هذه الورقة بالقوة قد تكون أعلى من كلفة التعايش معها مؤقتًا.

وفي حال إدخال باب المندب إلى المعادلة، فإن الصراع يتحول من أزمة إقليمية إلى أزمة نظام دولي، حيث تصبح الممرات البحرية ساحة المواجهة الأساسية، وتصبح التجارة العالمية هي الرهينة.

في النهاية، الطرف الذي ينجح ليس من يطلق النار أكثر، بل من يتحكم بتوقيت الضغط وحدوده، ويُجبر خصمه على اللعب ضمن قواعده.

الكلمات المفتاحية
مشاركة