مقالات
إعلامي وباحث في الشأن السياسي
بدأت مرحلة ما بعد هدنة الحرب في لبنان تفرز جملة من الطروحات السياسية التي تتفيأ خطاب تأسيس ما يسمى بـ"الجمهورية الجديدة"، وتنطلق من لحظة توهّم انكسار ميداني أو ضغوط دولية مكثفة. وعلى الرغم من محاولات تغليف هذا الخطاب بلغة سيادية عاطفية تدغدغ مشاعر الاستقلال، إلا أن القراءة المتأنية في مضامينه تكشف عن تحوّلات جوهرية تمسّ جوهر العقد الاجتماعي اللبناني المتمثل في "اتفاق الطائف"، وتؤسس لمرحلة من الإذعان لموازين القوى الخارجية تحت مسميات "الواقعية السياسية".
تقوم هذه الطروحات على استراتيجية الفصل الحاد بين الماضي والحاضر، مدّعية استعادة القرار الوطني للمرة الأولى منذ نصف قرن. هذا الادّعاء، في جوهره، يغفل حقائق جيوسياسية وقانونية دامغة، فبينما يتحدث الطرح عن استعادة السيادة، يشير الواقع الميداني إلى أن مصادرة قرار "وقف إطلاق النار" الذي جاء بفعل الشروط الإيرانية في مفاوضات إسلام أباد، وإلصاق الفضل في ذلك زورًا بجهود لبنانية مضنية ليلًا ونهارًا، هدفت إلى وضع لبنان تحت نوع من "الوصاية المقنّنة" والترتيبات اللاحقة بها من خلال لجان مراقبة دولية بقيادة قوى لا يمكن اعتبارها وسيطًا نزيهًا.
علاوة على ذلك، يروج هذا الفكر لثنائية تبسيطية وخطيرة تختزل الصراع الوجودي في خيارات اقتصادية، وهي ثنائية "الانتحار أو الازدهار". هذا الطرح يفرغ القضية اللبنانية من أبعادها التاريخية في الصراع مع الاحتلال الصهيوني ومشروعه التوسّعي في لبنان والمنطقة، ويصوّر الدفاع عن الأرض كفعل عبثي أو انتحاري، وهو ما يضرب في العمق مفهوم المواطنة الدستورية التي تفرض الدفاع عن الأرض كواجب وطني مقدس، وليس مجرد "مغامرة" يمكن المقايضة عليها بمشاريع اقتصادية واهية.
تجاوزات دستورية ومخالفات ميثاقية
يواجه طرح ما يسمّى "الجمهورية الجديدة" إشكاليات قانونية تضرب روح "وثيقة الوفاق الوطني"، أولها الالتفاف على الميثاق الذي يشكّل عصب وجود الكيان اللبناني؛ إذ تنص مقدمة الدستور صراحة على أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، وعليه فإن المضي في اجتراح قرارات مصيرية واستعجال اتفاقات دائمة في ظل انقسام وطني حاد، وتعمّد تغييب مكوّنات أساسية قدمت تضحيات كبيرة في سبيل بقاء الوطن واستمراره، يمثّل طعنة للعيش المشترك ويحوّل السلطة إلى أداة لفرض إرادة طرف واحد برعاية خارجية.
هذا عدا عن وجود نزعة للالتفاف على القرار الدولي ١٧٠١، بالانتقال منه نحو "اتفاقات إطارية" جديدة تمنح جهات خارجية حق التدخل أو الرقابة القهرية، ما يسلب الدولة استقلالها المبدئي. ويضاف إلى ذلك مخالفة صريحة للمادة ٥٢ من الدستور اللبناني؛ إذ يظهر الطرح نزعة نحو "الحكم الفردي" من خلال تجاوز آليات التفاوض الرسمية التي تفرض التنسيق بين الرئاسات الثلاث واحترام آليات محدّدة، ما يوحي بمحاولة تكريس نظام "رئاسي مقنّع" يتجاوز توازنات الطائف التي منعت استئثار أي فرد بالقرارات المصيرية.
التبعية الاستراتيجية وتبني رواية الخصم
يظهر في هذه الطروحات استسلام واضح لموازين القوى التي سعى العدوان الصهيوني إلى فرضها، وتجلّى ذلك بالإفراط في شكر الوسطاء الدوليين بوصفهم شركاء في "الإنجاز"، بما يتجاهل حقيقة أن هذه الأدوار تهدف أولًا إلى تأمين المصالح "الإسرائيلية" وتجريد لبنان من أوراق قوته. بل إن الأخطر هو تبني "سردية الخصم" التي تصف الدفاع عن النفس بأنه ارتهان لنفوذ خارجي، وهو ما يسعى لتجريد اللبنانيين من حقهم المشروع في المقاومة وتصوير سلاحهم عبئًا، وإغفال أن هذا السلاح كان وما يزال حاجة وطنية أفرزتها عقود من الاعتداءات الصهيونية المتكررة.
في هذا السياق، يغيب تمامًا تعبير "العدو" مفهومًا واصطلاحًا من خطاب "الجمهورية الجديدة"، ويتم التركيز بدلًا من ذلك على "بسط السلطة" في الداخل، ما يوحي بأن الوظيفة الجديدة لهذه السلطة هي توجيه البندقية إلى الداخل لتنفيذ التزامات أمنية تجاه الخارج، وهذا بحد ذاته يشكّل مقتلاً في صميم الكيان اللبناني.
تجريد الدولة من الردع
تستخدم الطروحات مصطلح "الحماية" شعارًا عاطفيًا، لكنها تتجنب الإجابة عن السؤال الجوهري: بأي أدوات ستحمي السلطة سيادتها؟ إن بسط سلطة الدولة في ظل تجريدها من عناصر القوة الميدانية (المقاومة)، ودون تأمين سلاح نوعي للجيش اللبناني يمكنه التصدي للطيران أو البوارج "الإسرائيلية" وصد العدوان، يضع الدولة في موقف "المراقب السلبي" للانتهاكات. إن الحماية الموعودة، في ظل هذه الظروف، ليست سوى "إدارة مدنية للتبعية"، فالتفاوض دون قوة تسنده يتحول إلى صك إذعان، ومن هنا فإن تجريم المقاومة يفرغ الدولة من أي أوراق ضغط، ما يجعل السيادة مجرد نص ورقي لا يستطيع أن يمنع خرقًا حدوديًا، فكيف به وهو المسؤول عن حماية البلد كله بأرضه وحدوده وشعبه ومؤسساته؟!
لعلّ الخطورة الكبرى تتجلّى في محاولة دفع الجيش نحو الداخل وتحييده عن مواجهة العدو، ولذا فإن سياسة "النأي بالنفس" العسكري التي تسعى بعض القوى الدولية لفرضها تهدف إلى إضعاف العقيدة الوطنية للجيش حاميًا للبلد وصائنًا سيادته، كما أن محاولة تحوير مهمة الجيش ليصبح أداة "لضبط" المعترضين على الاتفاقات المذعنة هي وصفة للحرب الأهلية وتفتيت للمؤسسة العسكرية نفسها، فالجيش يستمدّ قوته من الإجماع الوطني حوله، وإذا أُقحم في تنفيذ بنود تمس كرامة فئة واسعة من اللبنانيين أو تمنعهم من حقهم في استرجاع أرضهم، فإنه سيتعرض لخطر الانقسام الداخلي، وتتحول السلطة من "دولة رعاية" إلى "سلطة بوليسية" تفتقد للمشروعية الأخلاقية.
نحو رؤية وطنية جامعة
إن أي اتجاه لبناء رؤية وطنية لا تفرق بين اللبنانيين وتحترم التعددية، يوجب على أي طرح سياسي أن يقام على ست ركائز أساسية تدمج السيادة بالواقعية الوطنية:
١- المرجعية الدستورية الموحدة: يجب التأكيد على أن أي اتفاق دولي يجب أن يمر عبر القنوات الدستورية (مجلسي الوزراء والنواب) لضمان الشرعية الشعبية ومنع الاستفراد بالقرار الوطني من قبل أي سلطة أمر واقع.
٢- الاستراتيجية الدفاعية المتكاملة: بدلًا من الصدام، يجب الدعوة فورًا إلى طاولة حوار لصياغة استراتيجية دفاعية تستفيد من كفاءة المقاومة الميدانية ومن مشروعية الجيش الوطني، لتحويل القوة العسكرية إلى ورقة ضغط سياسية بيد الدولة.
٣- التمسك الصارم بالاتفاقات المبرمة: المطالبة بتنفيذ القرار ١٧٠١ بكافة مندرجاته، مع التركيز على إلزام "إسرائيل" بالانسحاب الكامل ووقف الخروقات، ورفض أي ملحقات سرية تمس بالسيادة، فضلًا عن تحرير الأسرى.
٤- ترميم النسيج الاجتماعي: يجب مخاطبة اللبنانيين ككتلة واحدة، والاعتراف بأن تضحيات أهل الجنوب والبقاع والضاحية هي التي حمت سائر المناطق، ورفض لغة الإقصاء أو "المنّ" السياسي، وترسيخ المسؤولية الجماعية.
٥- الاستقلال الفعلي عن المحاور: إن ادّعاء حقيقة سيادة لبنان في ألا يكون ساحة لتصفية حسابات إقليمية يعني في الوقت نفسه ألا يكون "منصة" لتنفيذ الأجندات الأميركية - "الإسرائيلية"، فالسيادة الحقيقية هي الوقوف على مسافة واحدة بما يخدم مصلحة لبنان العليا أولًا.
٦- إعادة الإعمار وبدون تمييز: وهذا يعني ضمان عودة كريمة للنازحين دون قيود سياسية ودون تسييس لواجب الدولة في المبادرة إلى إعادة إعمار ما دمّره العدوان الصهيوني، وعدم استخدام الإعمار كأداة للابتزاز السياسي.
وقف النار فرصة للحوار
إن الطروحات التي تحاول ترويج شخصية "المنقذ" يجب ألا تسقط في فخ الانتصار لطرف على حساب طرف بتأثير من الضغوط الأميركية - "الإسرائيلية"، كما أن بناء "الجمهورية الجديدة" لا يمكن أن يتم فوق أنقاض الإجماع الوطني، ولا عبر تجاوز الدستور ووثيقة الطائف، فلبنان المتعدّد بطوائفه واتجاهاته السياسية والفكرية يحتاج إلى خطاب يعترف بتضحيات الجميع، ويحوّل "وقف إطلاق النار" إلى فرصة للحوار الداخلي الحقيقي لا إلى منصة لإملاءات الخارج.
إن الخروج من "نفق الموت" لا يكون بالارتماء في أحضان وصاية جديدة، بل بالعودة إلى دولة المؤسسات التي تحمي المقاوم الحامي للحدود، وتحمي المواطن الشريك في القرار، وتجعل من الدستور المرجعية الوحيدة والنهائية فوق كل الاعتبارات الخارجية. وإن أي مشروع لجمهورية تُبنى على كسر إرادة اللبنانيين هو مشروع وهمي محكوم بالفشل، ولن ينتج عنه سوى تعميق التبعية المطلقة للإطباق الأميركي - "الإسرائيلي".