نقاط على الحروف
كاتبة من لبنان
يشنّ إعلام العدوّ ووكلاؤه المحليّون غارات من صور وفيديوهات تعمد إلى تظهير جيش الاحتلال في صورة "المرتاح على وضعه" في قرى المواجهة. تستهدف هذه الموجات من الصور فئتين مختلفتين من المشاهدين: مجتمع المقاومة وأنصارها في العالم من جهة، ومن جهة أخرى الداخل الاستيطانيّ الذي أُنهك، ولا سيّما في المستوطنات الواقعة شمالي فلسطين المحتلة، والتي لم يعد معظم قاطنيها إليها منذ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٣، خوفًا من صواريخ المقاومة في لبنان.
انتشر في الأيام الأخيرة مجموعة من الصور والفيديوهات التي تُظهر حجم الدمار الهائل في القرى الحدودية، والتي تركّز أيضًا على "حرية حركة" آليات العدوّ داخل تلك القرى، وعبث جنوده داخل البيوت.
في الشقّ المتعلّق بمجتمع المقاومة وأنصارها، تشكّل هذه الصور، سواء كانت حقيقية أم مولّدة بالذكاء الاصطناعي، جزءًا من الحرب النفسية، وتهدف إلى بثّ روح الهزيمة في النفوس، والدفع باتجاه تخلّي الناس عن المقاومة، وسلبهم إرادة القتال عبر القول بالصور: ها نحن ندمّر قراكم، ننتهك بيوتكم وأرزاقكم، نستبيح كلّ ما يخصّكم، ونفعل ذلك براحة تامة، من دون أن يمنعنا أحد!
ولا شكّ بأن هذا النوع من الصور مؤلم للغاية، ويثير الحزن في قلوب أهل المقاومة عمومًا، وأهل القرى المستهدفة بشكل خاص، ولكن ما يجهله العدوّ، ومعه أدواته في الداخل، أنّ حزن هؤلاء الناس ليس دافعًا للتراجع، بل على العكس، هو يوقد فيهم عزيمة الثورة على هذا الظلم، ويؤكّد لهم المؤكّد: ألّا مجال للخضوع أو للتعايش مع هذه الوحشية مهما كان الثمن.
وما يجهلونه أيضًا، هو حقيقة أنّهم يستهدفون مجتمعًا يتباهى بالبذل وبما بذل، ويخجل فيه من لم يبذلوا ممّا يحبّون من كلّ الباذلين: مجتمع تخجل فيه العائلة التي ارتقى منها شهيد من تلك التي ارتقى منها شهيدان أو أكثر، لا تكسره صورة الدمار في قراه وبيوته. تُغضبه؟ تُحزنه؟ تؤلمه؟ بالطبع. ولكن لا تدفعه نحو الاستسلام أبدًا.
وعلى ذلك شواهد كثيرة، ولا سيّما أنّ العدوّ لطالما استخدم هذه الوسيلة في الحرب النفسية، ولم تزل الصور التي عمد إلى نشرها خلال حرب تموز ٢٠٠٦ لعناصره وهم يعبثون داخل بيوت القرى الحدودية الجنوبية منتشرة، كدليل على أنّ هذا العدوّ لم يزل يكرّر نفس التقنيات التي ثبت فشلها، ولم يتعلّم بعد أنّ أهل هذه الأرض يزدادون تعلّقًا بها كلّما زاد تألّمهم في سبيلها.
على مستوى الإعلام المحلّي العامل في خدمة أهداف العدوّ، يجري تداول هذه الصور كنوع من الترويج للرواية الصهيونية، بعد تبنّيها بالكامل ومن دون أي مراجعة أو تدقيق، في محاولة للقول لأهل المقاومة إنّ مقاومتهم مهزومة وعاجزة، وصولًا إلى جعلهم يشكّكون في جدواها. وليس غريبًا ألّا يتعلّم الوكيل من فشله المتراكم وخيباته المتلاحقة في هذا المجال، ما دام الأصيل لم يتعلّم ولم يتّعظ.
وللمفارقة، يقوم هذا الإعلام المحلّي بالتعتيم التام على أي إنجاز تحقّقه المقاومة، ويتحاشى ذكر أي إصابات في مواقع العدوّ، في آلياته أو في عديد قواته، وإن فعل، يمرّر الخبر خجولًا، وبالطبع بعد إقرار العدوّ به.
في الشقّ المتعلّق بالمستوطنين، يمكن تلخيص أهداف إعلام كيان الاحتلال الكامنة خلف الترويج لهذا النوع من الصور بالنقاط التالية:
تسكين رعب المستوطنين وغضبهم حيال الخسائر التي مُني بها جيش الاحتلال في المواجهات البرية، رغم حرص الكيان على التعتيم على هذه الخسائر ومحاولة طمسها.
تهدئة غضب مستوطني الشمال، من نزح منهم نحو الوسط ومن مُنع من النزوح، بعد رؤيتهم سكان الجنوب في لبنان وهم يعودون لحظة وقف إطلاق النار المؤقت الذي أُعلن عنه منتصف ليل الخميس - الجمعة الماضيين.
ترميم صورة "الجيش الذي لا يُقهر" في أعين المستوطنين خصوصًا والعالم عامة، عبر تظهيره جيشًا يسرح ويمرح في قرى المواجهة، مستغلًّا وقف إطلاق النار، وتحديدًا في القرى التي شهدت أعنف المواجهات ولم يتمكّن جيش العدوّ من الثبات فيها رغم "تفوّقه" تحت ضغط نار المقاومة.
محو أثر الصور التي نشرها الإعلام الحربي تباعًا منذ اندلاع المواجهات، والتي فضحت ما يحاول العدوّ إخفاءه: دباباته المحترقة وقد استحالت توابيت نار للجنود، والإصابات المحقّقة في المواقع والتحشّدات، وعويل الرعب في صفوف "قوات النخبة".
واقعًا، أظهرت المواد الإعلامية التي بثّها الإعلام الحربي عجز جحافل القوات المعادية عن تحقيق أي هدف على الأرض، كما كشفت ما لم يتوقّعه العدوّ من حجم الخسائر ونقاط الضعف في صفوف قواته.
تظهير جنود العدوّ بحالة أمان وطمأنينة داخل القرى والبيوت الجنوبية، ما ينعكس على "الوضع النفسي الجماعي" للمستوطنين ويطمئنهم عبر رسالة غير مباشرة تقول إنّه يمكن لهم أن يشعروا بالأمان في المستوطنات الشمالية، بالضبط كما يشعر جنودهم داخل قرى الجنوب اللبناني.
وعلى ما يبدو، فشل العدوّ في تحقيق هذه الأهداف أيضًا، إذ أشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" "الإسرائيلية" إلى احتجاج وإضراب في مستوطنة "كريات شمونة" تحت عنوان "لقد عدنا ألفي عام إلى الوراء". كما شهدت المستوطنات في شمال فلسطين حالًا من الغضب منذ وقف إطلاق النار، ولا سيّما مع إعلان "نجمة داوود الحمراء" أنّ أعداد المصابين في المواجهات مع المقاومة في لبنان تفوق بكثير العدد الذي صرّح به كيان الاحتلال (٦٩٠ إصابة).
إذًا، الصورة جزء أساسي ومحوريّ في الحرب النفسية، وإن كان العدوّ قد بادر لاستخدامها سلاحًا منذ نشأته، فاستخداماتها اليوم أصبحت أكثر جدوى بنظره من ذي قبل مع انتشار منصّات التواصل والإعلام الرقمي.
ولهذا السبب، يفرض العدوّ قيودًا صارمة وحظرًا على تصوير العمليات العسكرية، ومواقع سقوط الصواريخ، وتحركات الجنود، لا سيّما خلال الحروب. وتشمل هذه الإجراءات منع نشر صور الأضرار، وحظر تصوير مشاهد الدمار.
يهدف هذا الحظر، الذي يفرضه "الكنيست" و"الرقابة العسكرية"، لا إلى حماية الأمن داخل الكيان ومنع تسريب المعلومات فقط، بل أيضًا إلى منع توثيق ما قد يشكّل "صورة" تُستخدم ضدّه في الحرب النفسية.