مقالات مختارة
ريم هاني – صحيفة الأخبار
على الرغم من ادّعاء دونالد ترامب أن اتفاقه المستقبلي مع إيران سيكون أفضل من اتفاق عام 2015، لا تبدو الأخيرة مستعدّة للتخلي عن مكاسبها الاستراتيجية، أو عن دورها كقوة أمنية فاعلة في النظام الإقليمي الذي يعاد تشكيله راهناً.
زعم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاثنين، أن الاتفاق الذي تتفاوض عليه الولايات المتحدة مع إيران سيكون أفضل من «خطّة العمل الشاملة المشتركة»، في إشارة إلى الاتفاق النووي لعام 2015، الذي أُبرم في عهد الرئيس الأسبق، باراك أوباما. وفي حال كان ساكن البيت الأبيض مقتنعاً فعلياً بحديثه هذا، فإن عودة الحرب مع الجمهورية الإسلامية قد تكون وشيكة. ذلك أن إيران تُفاوض، هذه المرّة، من موقع دولة لم يكسر الضغط العسكري موقفها، وحافظت، في الوقت عينه، على أوراق نفوذ، من مثل مخزونات اليورانيوم المخصّب، والسيطرة على مضيق هرمز، مع ما اقترن بإغلاق الأخير من تداعيات اقتصادية عالمية، جنباً إلى جنب القدرة على استيعاب الضربات الأميركية و"الإسرائيلية" لأكثر من أربعين يوماً، والاستمرار في الردّ في جميع أنحاء المنطقة بالصواريخ والطائرات المسيّرة وعبر القوات الحليفة.
وإذ تنظر إيران إلى تلك «المزايا» كمصادر أساسية جديدة للقوة والأمن، لا باعتبارها أصولاً «قابلة للتفاوض»، فهي سوف تحرص، مستقبلاً، على الحفاظ عليها، لانتزاع اعتراف دولي بموقعها الجديد، كجهة أمنية فاعلة وشرعية في نظام إقليمي يعاد تشكيله على وقع الحرب. وعقب نجاح الجمهورية الإسلامية في استيعاب «كلّ ما في جعبة أميركا وإسرائيل» من إجراءات عدوانية - باستثناء الغزو البري حتى اللحظة -، فإن أيّ اتفاق، من المنظور الإيراني، يجب أن يعكس التوازن المشار إليه، لا أن يَقلبه. وعلى وقع هذه التحوّلات، يرى مراقبون أن «حرب المليار دولار يومياً» التي شنّها ترامب على إيران، كان يمكن تجنّبها عبر عدم الانسحاب، بالدرجة الأولى، من الاتفاق النووي لعام 2015، ثمّ محاولة إنتاج اتفاق يتطلّب التعامل مع ملفات أكثر تعقيداً بكثير من مجرّد الحدّ من قدرة طهران على «إنتاج قنبلة»، وهو ما كانت الأخيرة قد وافقت عليه، والتزمت به، بالفعل، بموجب الاتفاق الأول.
من المنظور الإيراني، فإنّ أي اتفاق مستقبلي يجب أن يعكس التوازن الجديد للقوى، لا أن يقلبه
فعلى مدى أكثر من عقدَين، انطلقت الدبلوماسية الدولية من هدف واضح يتمثّل في منع إيران من تطوير قدرات نووية عسكرية. ورغم أن هذا الهدف لا يزال قائماً، فإن التحوّلات التقنية والعسكرية التي كشفت عنها طهران، أخيراً، غيّرت، بشكل جذري، السياق الاستراتيجي لأيّ جهود دبلوماسية قادمة. فعلى سبيل المثال، أظهرت الهجمات الصاروخية الباليستية الأخيرة مدى «ثقل» البرنامج الصاروخي الإيراني، وضرورة أن يشمل أيّ اتفاق مستقبلي شروطاً متّصلة به؛ كما بيّنت مجريات الحرب أن قدرة طهران على السيطرة على مضيق هرمز تمثّل ورقة استراتيجية جديدة قد تغيّر، طبقاً لمراقبين، شكل الشرق الأوسط بشكل لا رجعة عنه.
وعليه، فإن المقارنة بين «خطة العمل الشاملة المشتركة» لعام 2015 (JCPOA) المؤلّفة من 159 صفحة، والتي جاءت نتاج لحظة زمنية محددة، وبين ما قد يخرج من مفاوضات إسلام أباد، لا يمكن أن تكون دقيقة. إذ إن طبيعة البرنامج النووي الإيراني تغيرت كثيراً منذ عام 2015، فيما نمت الخبرات العقلية المتراكمة لدى إيران طوال السنوات التالية، والتي تعدّ خارج متناول أي اتفاق. كما أن طهران، وعواصم كثيرة حول العالم، تزداد قناعة بأن «غياب الرادع النووي» هو ما أتاح للولايات المتحدة و"إسرائيل" شنّ هجوم على الأراضي الإيرانية في خضمّ جولتَين تفاوضيتين، وتلقفت على الأغلب رسالة مفادها أن الحوار لم يحمِ إيران وقد لا يحمي دولاً أخرى أيضاً، في إشارة إلى صعوبة إعادة بناء الثقة بالدبلوماسية الأميركية. ومن هنا، حتى اللحظة، تبدو النقطة الوحيدة التي قد تعطي أيّ اتفاق جديد محتمل «أفضلية» على اتفاق عام 2015، هي سعي ترامب إلى جعله من «دون تاريخ صلاحية»، بعدما دأب ساكن البيت الأبيض على انتقاد «اتفاق أوباما» بسبب تضمّنه مهلاً زمنية محددة.
«أفضل» من حرب ترامب
في حين يدأب بعض المحللين والمسؤولين الأميركيين على الترويج للفكرة القائلة إن الحرب الأخيرة كانت لتحصل حتى لو لم ينسحب ترامب من اتفاق عام 2015، وأن العديد من القيود التي فرضها الاتفاق كانت لـ«تنتهي» في جميع الأحوال، فإنه طبقاً للمعطيات المتوفرة، فإن الاتفاق النووي كان قد ألغى، بالفعل، قدرة إيران على امتلاك سلاح نووي، وحوّلها، برضى منها، إلى الدولة الأكثر عرضة للتفتيش النووي في العالم، وهو ما لن يكون متوفراً مستقبلاً.
وتعقيباً على ذلك، يشير جو سيرينسيوني، وهو كاتب في مجال الأمن القومي، وعمل كمستشار لوزارة الخارجية سابقاً، إلى أن «ازدراء الدبلوماسية الفعّالة أمر شائع في واشنطن، التي تميل بشدة نحو الوهم القائل بوجود حلول عسكرية للمشاكل السياسية الشائكة»، مضيفاً أن «هذا الإجماع تعزّز، سابقاً، عبر الضغوط المتواصلة ضدّ أيّ دبلوماسية مع إيران من جانب "إسرائيل" والسعودية وجحافل المحافظين الجدد». وبالنسبة إلى هؤلاء، فقد كانت «القنابل، لا المفاوضات، هي التي ستقضي على البرنامج النووي الإيراني»، قبل أن يُجروا أخيراً «اختباراً حقيقياً لهذه النظرية، التي فشلت فشلاً ذريعاً». ويضيف سيرينسيوني أنه اتّضح أن «الفكرة القائلة إن القوة العسكرية الأميركية وحدها، لا قطع الورق، هي القادرة على حماية أميركا»، هي بمثابة «خطأ فادح».
ويلفت إلى أن الاتفاق النووي مع إيران كان «أكثر اتفاق فعال لمنع الانتشار النووي تمّ التفاوض عليه على الإطلاق»، و«أهمّ اتفاق أمني في هذا القرن»، مبيّناً أن هذه الخطة أسهمت في حلّ المشكلة الرئيسة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وذلك عبر «تخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي العاملة من 19,000 إلى 5,000 جهاز فقط»، والتخلّص من مخزون اليورانيوم المخصّب بالكامل تقريباً، والإبقاء على كمية رمزية تبلغ 300 كغم فقط من الغاز المنخفض التخصيب، وتفكيك قلب مفاعل «أراك» وثقبه وملئه بالخرسانة، مما منع إيران من إنتاج البلوتونيوم اللازم لصنع القنبلة، بحسب المصدر نفسه.
وعليه، لو لم يتخلّص ترامب من الاتفاق، لما كان لدى إيران، هذا العام، 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة مخبّأة في أعماق الأرض، والآلاف من أجهزة الطرد المركزي المتقدّمة التي يمكنها تحويل هذا الغاز إلى درجة صنع الأسلحة. كما أنه لم يكن ترامب ليضطرّ إلى «التستّر على فشله عبر قصف مصدر المشكلة، ثمّ التظاهر بأن مخزون اليورانيوم هذا هو مجرد غبار نووي، أو مدفون على عمق كبير تحت الأرض بحيث لا تستطيع إيران استعادته». كذلك، «كنّا لن نشعر بالقلق الآن من أن فشل الحرب الأميركية – "الإسرائيلية" قد يكون شجّع زعماء إيران على الإسراع نحو امتلاك سلاح نووي»، طبقاً لسيرينسيوني.
ويستشهد التقرير نفسه بحديث لداني سيترينوفيتش، الذي ترأس الفرع الإيراني لقسم الأبحاث والتحليل في المخابرات العسكرية "الإسرائيلية"، إلى صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» العبرية، يؤكد فيه أن «احتمال أن تتحول إيران إلى قوة نووية قد أصبح أكبر مقارنة بما قبل الحرب»، مشيراً إلى أنه «إذا كانت الحرب تدور حول منع إيران من صنع قنبلة ولم يتمّ الاستيلاء على الـ440 كيلوغراماً، فمن المؤكد أننا لا نستطيع الحديث عن مكاسب استراتيجية»، مرجّحاً أن «إيران ستنتظر عدداً معيناً من الأشهر، قبل أن تستخرج اليورانيوم وتبدأ في التخصيب مرة أخرى».
في المقابل، تشير التقديرات إلى أنه كان من غير المرجح أن تتمكن إيران من إنتاج اليورانيوم اللازم لصنع قنبلة إلا في منتصف العقد المقبل، وهو ما يعدّ من الناحية الدبلوماسية، مدّة شبه «أبدية». وحتى لو انسحبت من الاتفاق بنفسها، فإن الأمر كان سيستغرق عاماً على الأقلّ لإنتاج ما يكفي من اليورانيوم العالي التخصيب لصنع قنبلة، وربما عاماً آخر لتحويل ذلك اليورانيوم إلى سلاح، وهي مدة لا تزال أقلّ مقارنة بما أفرزه الوضع الراهن.