إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الخميس 23 نيسان 2026 بتحليل الوضع القائم في إيران بعد تمديد ترامب لوقف إطلاق النار الأحادي من قبله، وكيف يكون هذا السلوك مؤشرًا على انهزامه المتجدد، مع التأكيد على أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى عناصر الدبلوماسية والتهدئة إلا كأدوات للحرب والهيمنة المتجددة.
اقتصاد إيران: حصن منيع
كتبت صحيفة "وطن أمروز": "لم تكن المعركة التي استمرت أربعين يومًا والتي فُرضت مؤخرًا على الشعب الإيراني مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت اختبارًا مصيريًا لقياس قوة البنية التحتية وقدرة نظام الجمهورية الإسلامية على حماية سبل عيش المواطنين وتحقيق استقرار الاقتصاد الوطني. استخدم العدو، متوهمًا انهيار الهياكل الداخلية، جميع أدوات الضغط الأقصى والحصار البحري، لكن ما حدث في الواقع كان استعراضًا مذهلًا للاستقرار الوطني والاكتفاء الذاتي. وبفضل عقود من الخبرة في مواجهة العقوبات القمعية وإدارة الأزمات المفروضة، وصل الاقتصاد الإيراني إلى مستوى عالٍ من النضج والمرونة مكّنه من احتواء الضغوط الخارجية وإثبات استقراره في خضم الحرب من خلال الإدارة الذكية للموارد والاعتماد على القوة الداخلية.
[...] أصبح قطاع النفط الإيراني، الذي لطالما كان في طليعة الهجمات الاقتصادية للعدو، رمزًا رئيسيًا للصمود خلال هذه الفترة. وقد تجاوز إنتاج المعدات الحيوية في هذا القطاع، بالاعتماد على المعرفة المحلية، 80%. يمثل هذا الإنجاز العظيم استقلالًا تامًا في الصيانة والتشغيل وتوفير قطع الغيار، ما ألغى تمامًا الحاجة إلى الاستيراد الفوري في حالات الطوارئ.
وإلى جانب هذا الاكتفاء الذاتي في الإنتاج، ضمنت شبكة التكرير في البلاد، التي تزيد طاقتها عن 2.4 مليون برميل يوميًا، استمرارية سلسلة إمدادات الوقود. وقد حال إنتاج البنزين والديزل بكامل طاقتهما، على الرغم من استهداف بعض القطاعات ومستودعات النفط والضغط على الطاقات الإنتاجية، دون أي انقطاع في شبكة النقل ومحطات توليد الطاقة في البلاد. وشكّل استقرار إمدادات الوقود المحلية طبقةً منيعةً ضد الضغوط الخارجية، وكانت النتيجة المباشرة لذلك الحفاظ على الإنتاج الطبيعي في الصناعات الثقيلة واستدامة الرفاه العام في جميع أنحاء البلاد.
[...] كان أحد المجالات التي سعى العدو، بالاعتماد على العمليات النفسية، إلى تدميرها هو سلسلة إمدادات السلع الأساسية. ومع ذلك، حالت الاستراتيجية الذكية المتمثلة في التخزين والاعتماد على الإنتاج الزراعي المحلي دون حدوث أي أزمة. بفضل احتياطيات استراتيجية تزيد عن 5 ملايين طن من السلع الأساسية في بداية الحرب، تمكنت إيران من تلبية احتياجات السوق بالكامل حتى بعد 40 يومًا من القتال، دون الحاجة إلى استخدام الاحتياطيات الاحترازية.
[...] بدورها شكلت صناعة البتروكيماويات ككيزة أساسية للصادرات غير النفطية وموردًا لنصف احتياجات البلاد من العملات الأجنبية على أكمل وجه، فضلًا عن جلب العملات الأجنبية، وساهم هذا القطاع، في خطوة جهادية بتوجيه شحنات التصدير إلى الصناعات التحويلية المحلية، في دعم استمرارية دورة الإنتاج في أحلك الظروف.
وفي مجال التجارة، نجحت استراتيجية حسن الجوار والتركيز على الحدود البرية الممتدة على مسافة 6000 كيلومتر مع 15 دولة مجاورة في تحويل الحصار البحري للعدو إلى حاجز قابل للاختراق. وتشير الزيادة بنسبة 21% في التجارة غير النفطية مع الدول المجاورة، ووصول حجم التبادلات إلى 75 مليار دولار، إلى أن الجغرافيا الاقتصادية الإيرانية بدأت تتجاوز مأزق الموانئ الجنوبية. وقد أدى استخدام الموانئ الشمالية على بحر قزوين وتفعيل الممر الشمالي الجنوبي إلى خلق بدائل لوجستية فعّالة قللت بشكل كبير من تأثير العقوبات على الموانئ الجنوبية.
[...] كما هيمنت الحكومة والبنك المركزي على إدارة الأزمة وسلطتهما على إدارة العملة، حيث توليا إدارة السوق من خلال تطبيق حزمة من التدابير الطارئة، بما في ذلك 65 بندًا تشغيليًا. وقد ساهم إعطاء الأولوية لتسجيل طلبات السلع الأساسية وتسهيل دخول آلات الإنتاج في منع التناقضات الإدارية من أن تُصبح عائقًا أمام القطاع الخاص. ومن أبرز جوانب هذا الاستقرار السيطرة على سعر الصرف وإدارة التوقعات التضخمية.
فعلى الرغم من النظريات الغربية التي تعتبر تقلبات العملة أمرًا لا مفر منه في زمن الحرب، إلا أن الحوكمة الاقتصادية للبلاد استطاعت الحفاظ على استقرار السوق وتعزيز ثقة الجمهور من خلال التدخل في الوقت المناسب وحماية احتياطيات النقد الأجنبي. وكان هذا النجاح في السيطرة على التقلبات ردًا حاسمًا على جهود العدو في مجال الحرب الاقتصادية.
ويُعتبر رأس المال الاجتماعي وعقلانية الشعب الركيزة الأساسية للمرونة. ما يغيب عن فهم العديد من المحللين الأجانب هو عمق التضامن والتماسك الذي يتمتع به الشعب الإيراني في أوقات الأزمات. فبفضل تجربتهم الحياتية في خضم الأحداث التاريخية والحرب المفروضة، بلغ الشعب الإيراني مستوًى عاليًا من الوعي، حتى أنه خلال حملة الأربعين يومًا وما بعدها، ساد الهدوء في أوساط التبادل التجاري بدلًا من الانفعال والتهافت على الأسواق. ويشير التحول الواعي في أنماط الاستهلاك من السلع الكمالية إلى السلع الأساسية، وتجنب التخزين المنزلي، إلى وجود رابطة متينة بين الأمة والنظام في طريقهما لتجاوز هذه المرحلة الصعبة.
[...] كما أظهرت تجربة هذه الأيام الأربعين أن المرونة ليست متغيرًا ثابتًا، بل هي تدفقٌ يتعزز بتضافر جهود المؤسسات العلمية وصنع السياسات. ويُعدّ وجود النخب والأكاديميين في مستويات صنع القرار، واستخدام بيانات دقيقة للتعامل مع الصدمات المستقبلية، من أولويات مرحلة إعادة الإعمار. وقد أثبت النظام المصرفي في البلاد خلال هذه التجربة قدرته على خدمة الإنتاج ومعالجة أي اختلالات محتملة بانضباط مالي. وتطمح الإرادة الشعبية إلى أن ينأى الاقتصاد بنفسه عن التبعية التقليدية للخارج، وأن يحقق، بالاعتماد على شفافية المعلومات والإدارة الرشيدة للتدفقات المالية، مستوًى جديدًا من الاستدامة.
وقد أثبتت استدامة الاقتصاد الإيراني خلال هذه الحملة التي استمرت أربعين يومًا أن الزمن يسير في صالح الشعب الإيراني. ولم تُظهر هذه التجربة الناجحة للعالم قدرة نظام الجمهورية الإسلامية على إدارة الأزمات فحسب، بل أظهرت أيضًا أن العقوبات والحصار لا يمكنهما قطع شرايين دولة بهذا الحجم والقوة الداخلية. لقد جعل موقع إيران الجيواقتصادي وهيمنتها على موارد الطاقة منها لاعباً حاسماً في المعادلات العالمية، وأي ضغط عليها سيُكبّد الاقتصاد العالمي برمته ثمناً باهظًا".
الهروب من الحرب
كتبت صحيفة جوان: "يريد ترامب الانسحاب من الحرب مع إيران أو إيجاد مخرج منها بأي شكل من الأشكال. هذا مطلبٌ يُطالب به العالم أجمع، ولم يعد خافيًا على أحد. لكن ما حوّل هذا الوضع إلى مأساة سياسية بالنسبة له هو أن حتى هذا المخرج الذي يبدو بسيطًا أصبح مستحيلاً، وأن جميع السبل تُغلق أمام الرئيس الأميركي تباعًا.
غيّر ترامب رأيه مرتين في غضون ساعات. ففي البداية، وقبل ساعة من الموعد المقرر لتمديد وقف إطلاق النار، أقسم أنه لن يمدده، لكنه تراجع فجأة ومدد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى. ووُصف هذا بأنه أسرع انسحاب في تاريخه! مع أن سجله حافلٌ بمثل هذه التغييرات المفاجئة. ويصف محللون هذا السلوك بأنه غير متسق على الإطلاق وأنه لا يدري ما يفعل.
تكمن المشكلة الأكبر في أن إيران لم تستجب حتى بشكل إيجابي لهذا الانسحاب. فقد تخلت إيران عن المفاوضات، وأطلقت صواريخ في الشوارع في استعراض حربي بين المتظاهرين، وأبقت مضيق هرمز مغلقًا.
مدّد ترامب وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى، لكن إيران لا تزال تسيطر على المضيق. لا اتفاق، لا رفع للعقوبات، لا حل نوويًّا، لا عودة للحرب!
دخل ترامب المعركة بهدف تحقيق نصر عسكري. وعندما عجز عن ذلك، لم يكن أمامه سوى خيارين: اتفاق دبلوماسي أو انسحاب مشرف. والآن، هذان الخياران مسدودان أيضاً! النصر العسكري غير ممكن لترامب حتى لو اندلعت الحرب من جديد. فقد أكدت وكالة الاستخبارات التابعة للبنتاغون أن إيران لا تزال تمتلك آلاف الصواريخ والطائرات الانتحارية المسيّرة، وأنها لا تزال قادرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز. لم يُدمّر سلاح الجو الإيراني، ولا البحرية.
كما أن التوصل إلى اتفاق دبلوماسي بات مستبعداً. فقد انسحبت إيران من المفاوضات ولم تُقدّم أي مقترحات".
تراجع ترامب ليس نهاية الحرب
كتبت صحيفة كيهان: "إن تمديد وقف إطلاق النار من جانب واحد من قبل المقامر ترامب ليس بادرة دبلوماسية، بل هو صرخة يأس من نمر من ورق في مستنقع الحرب، ولن تُحسم نهاية هذه المعركة بالقصف، بل بكسر الحصار البحري، والحصول على التعويضات، والثأر لدم الإمام الشهيد.
لقد وصلت قصة الحرب المفروضة الثالثة، التي بدأت بغباء وسوء تقدير الولايات المتحدة والنظام الصهيوني وبعض حلفائهم الإقليميين، إلى نقطة حرجة ومصيرية. دونالد ترامب، رئيس حكومة الولايات المتحدة الإرهابية، الذي كان حتى أيام قليلة مضت يتحدث بنبرة فرعونية عن الحصار البحري ونهاية طهران، تحدث عن تمديد وقف إطلاق النار برسالة سلبية أحادية الجانب ممزوجة بالتباهي والمبالغة. ولكن ما هي حقيقة الأمر؟ هل تاب الذئب العجوز؟ قطعاً لا! هذا التراجع التكتيكي اعتراف صريح بالهزيمة أمام الحاجز المنيع للقوات المسلحة، واليقظة الدبلوماسية، والأهم من ذلك، أمام الحماس والذكاء الثوريين لأمة ملأت الشوارع لثلاث وخمسين ليلة، وأبقت المعتدين يسهرون. يختبئ ترامب الآن وراء اسم إسلام آباد لينسحب بشرف من المستنقع الذي صنعه، لكن عليه أن يعلم أن هذه المناورات الإعلامية، في قاموس الشعب الإيراني، ليست نهاية الحرب.
[...] إن أي تفاؤل بشأن الانسحاب أو مقترحات السلام من عدوٍّ تاريخه حافل بالخداع (من انتهاك الاتفاق النووي إلى قصف طاولة المفاوضات) ليس فرصة دبلوماسية، بل هو خطر أمني جسيم.
[...] في تحليل واقعي للسلوك الأميركي، لا ينبغي تجاهل آراء الخبراء أنفسهم. فقد أكّد دوغلاس ماكغريغور، الضابط المتقاعد والمستشار السابق للبنتاغون، في مقابلة مطوّلة ومتكررة، أنّ المفاوضات بالنسبة لواشنطن هي في جوهرها أداة حرب أخرى. فهم لا يستخدمون الدبلوماسية أبدًا لحلّ الخلافات والتوصل إلى حلول وسط حقيقية، بل يستخدمونها غطاءً للخداع في ساحة المعركة من أجل تجديد قوتهم. وهذا هو المشروع نفسه الذي سعى إليه ترامب في إسلام آباد ولا يزال يسعى إليه. ظنّ أنه باستخدام الحصار البحري والضغط على سُبل عيش الناس، سيُجبر دبلوماسيينا على دفع فدية. لكن عندما واجه مقاومةً شديدة، ورأى أن إيران لم تكن خائفةً، بل بادرت أيضًا للاستيلاء على ناقلتي النفط إم إس سي فرانسيسكا (المرتبطة بالكيان الصهيوني) وإيبامينودس ردًا على ما وصفه بالتعديات البحرية الأميركية، اضطر للتراجع".