اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي رعد: الإصرار على خطيئة المفاوضات المباشرة قد يوقع البلاد في أسوأ من 17 أيار

نقاط على الحروف

بين إصرار طهران وانهزامية بيروت: من يحمي سيادة لبنان؟
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

بين إصرار طهران وانهزامية بيروت: من يحمي سيادة لبنان؟

271

إعلامي وباحث في الشأن السياسي

دخلت منطقة غربي آسيا (ما يُسمّى بالشرق الأوسط) في مرحلة تعقيد جيوسياسي غير مسبوق، تتصادم فيها إرادات القوى الإقليمية مع جموح أطماع القوى الدولية فوق الأرض اللبنانية، فيما يضعنا المشهد الذي ترسمه المعطيات الحالية أمام مفارقة صارخة: جمهورية إسلامية إيرانية تتعامل مع الملف اللبناني كقضية سيادية ومبدئية غير قابلة للمساومة، وسلطة رسمية لبنانية تبدو وكأنها استقالت من دورها الوطني لتتحول إلى مجرد صدى للإملاءات الأميركية - "الإسرائيلية".

طهران: لبنان خط أحمر

لطالما كان الموقف الإيراني يتسم بصلابة ترفض منطق المقايضة الذي تجيده واشنطن، وعندما أبلغت طهران الوسيط الباكستاني بأن البند المتعلق بلبنان "غير قابل للنقاش"، فهي لم تكن تدافع عن نفوذ جغرافي، بل كانت تكرّس معادلة الردع التي تحمي لبنان من التفرّد الأميركي.

تتبنى فلسفة الدعم الإيراني للبنان على أساس ثابت: "السيادة لا تُجزَّأ"، وعليه فإن الرؤية الإيرانية تنطلق من مبدأ أن أمن المنطقة وحدة واحدة، وأن إضعاف لبنان أو تركه لقمة سائغة للمشاريع الأميركية يعني تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة ككل. لذا، فإن وضع لبنان كبند أول على طاولة المفاوضات الإيرانية - الأميركية ليس وصاية كما يحاول فريق "إبستين" في لبنان تصويره، بل هو درع دبلوماسي يمنع واشنطن من استغلال الضعف الرسمي اللبناني لفرض شروط استسلامية.

تدرك طهران أن الولايات المتحدة تسعى لفصل الملفات بهدف الاستفراد بكل ساحة على حدة، وهو تكتيك استعماري قديم يهدف إلى عزل المقاومة عن عمقها الاستراتيجي بعد تجريدها من السلاح. والعامل الأكبر هنا هو الصمود أمام الإغراءات والضغوط؛ فبينما تلوّح واشنطن بالعقوبات الاقتصادية الخانقة، لم تتنازل طهران عن دعمها اللوجستي والسياسي للبنان. هذا الموقف يثبت أن القضية اللبنانية بالنسبة لإيران هي قضية "وجود" وليست قضية "حدود" أو مصالح عابرة.

إن إصرار إيران على منع التفرّد الأميركي بملف لبنان يقول للعالم: "لا يمكنكم شراء صمتنا عن عدوانكم على لبنان بأي ثمن".

في هذا المعطى بالذات تبرز المقاومة كخيار استراتيجي وحيد، فعلى مدى ٤٥ يومًا من المواجهات العنيفة مع الاحتلال، أثبتت المقاومة أنها القوة الوحيدة القادرة على كسر الغطرسة الإسرائيلية، فيما كانت إيران تخوض حربًا شرسة على الجبهة الأميركية - "الإسرائيلية"، وعلى الرغم من ذلك حرصت طهران على رفد لبنان بما كان يحتاجه من دعم ميداني وسياسي بما يقود إلى إحباط أهداف العدوان الهمجي الصهيوني.

هذا الفعل الميداني هو الترجمة الحقيقية لمعنى نصرة السيادة، حيث تتحول الأقوال إلى أفعال تقلب موازين القوى وتجعل من الاستسلام خيارًا مستحيلًا للمقاومين، حتى وإن كان خيارًا مفضّلًا للسلطة السياسية.

السلطة اللبنانية: من إدارة الدولة إلى إدارة الاستسلام

في المقابل، يظهر الأداء الرسمي اللبناني في حالة من الانكفاء المذل، فبدلًا من استثمار صمود المقاومة في الميدان لفرض شروط وطنية عالية السقف، نجد السلطة تهرول نحو واشنطن بمطالب منهزمة تثير السخرية والمرارة في آن واحد، حيث تحوّل الرهان على التحرير إلى رهان على تمديد الهدنة!!

إن توجه الوفد اللبناني إلى واشنطن لطلب تمديد وقف إطلاق النار لمدة شهر إضافي هو اعتراف صريح بالهزيمة في أبعادها كافة، فالسلطة لا تطالب بانسحاب الاحتلال، ولا بوقف العدوان بشكل نهائي، ولا بتحرير الأسرى والتعويض على الشهداء والجرحى وعن الدمار الذي تسبب به العدوان في القرى اللبنانية ولا سيما في الجنوب، ولا حتى في المطالبة بمعاقبة "إسرائيل" وبنيامين نتنياهو وحكومته على جرائم الحرب، بل تطلب "مهلة" إضافية تحت رحمة الطائرات "الإسرائيلية".

هذا النهج يعكس عقلية المهزوم الذي يبحث عن بقائه السياسي وليس عن كرامة شعبه، ويجسّد وضعية الانبطاح أمام الإملاءات الأميركية، وهذه السلطة تعلم يقينًا أن واشنطن لا تؤدي دور الوسيط الذي يتحرك كحمامة سلام، بل تمثل الجهة التي تضمن مصالح "إسرائيل" على حساب أي طرف، وبالتالي فإن قبول السلطة اللبنانية بمبدأ التفاوض المباشر هو انزلاق مبدئي نحو فخ التطبيع المقنّع، وتنازل عن حقوق لبنان التي أقرتها القرارات الدولية التي يتمنطق بها دعاة السيادة. من الواضح أن واشنطن تريد عزل لبنان لتفرض عليه ترتيبات سياسية - أمنية تخدم المشروع الصهيوني وتكفل أمن مستوطنات الشمال الفلسطيني المحتل على حساب وجود القرى اللبنانية وأمنها، وتتماهى السلطة اللبنانية مع هذا المخطط بحجة "الواقعية السياسية" والركون إلى الخوف والضعف.

سلطة ساعي البريد الأميركي

إن إدراك حجم الانهزامية لدى السلطة يوجب النظر إلى ما حققه المقاومون في الميدان مقارنة بما يضيعه السياسيون في المفاوضات، وعلى ذلك شواهد أهمها:

شاهد الميدان: فشل جيش الاحتلال في تثبيت نقطة عسكرية واحدة آمنة في القرى الأمامية، وتكبد خسائر فادحة في الأرواح والآليات، وتواصل المقاومة الرد على خروقات ما يسمى "الهدنة" لتؤكد أن لا وجود آمنًا للاحتلال. هذا الصمود خلق "فائض قوة" كان يجب أن يترجمه المفاوض اللبناني إلى مطالب بانسحاب فوري وتعويضات شاملة وإلزام "إسرائيل" بوقف خروقاتها الجوية والبرية نهائيًا.
شاهد السلطة: بدلًا من ذلك نجد السلطة تتصرف وكأنها وسيط بين شعبها والعدو!! فلا يوجد خطاب رسمي واحد يطالب بمحاكمة قادة الاحتلال، أو يلزمهم بإعادة إعمار ما دمرته آلة الحرب في الجنوب والبقاع والضاحية، بل تحوّلت إلى جهة تبرع بالمناشدات والبكاء لدى لجنة "الميكانيزم" لتحصيل الإذن "الإسرائيلي" لإصلاح "قسطل مياه" أو السماح بسحب جثامين شهداء وإنقاذ جرحى كما حصل في جريمة الطيري التي قضى فيها ٣ شهداء بينهم الإعلامية آمال خليل، والمؤسف أن هذه السلطة لم تعد تجيد سوى لعب دور "ساعي البريد" للإملاءات الأميركية.

لبنان تحت المقصلة الأميركية

تصر واشنطن على أن يكون التفاوض اللبناني - "الإسرائيلي" منفصلًا عن الملف الإيراني، وهذا ليس حرصًا على السيادة اللبنانية كما يدّعون، بل هو محاولة لنزع سلاح الموقف اللبناني، فعندما ينفرد لبنان المنهك سياسيًا واقتصاديًا بالجلوس أمام "القوة العظمى" والعدو، فإنه سيخضع لشروط اتفاقيات إذعان، كما أن تجريد لبنان من عمقه الاستراتيجي يلبّي الهدف "الإسرائيلي" أولًا، والسلطة اللبنانية تلعب دور المسهّل لهذا المخطط عبر إبداء "مرونة" مبالغ فيها تصل إلى حد التفريط بالثوابت التاريخية للصراع.

بموازاة ذلك، تستخدم واشنطن سلاح التركيع المالي لتطويع القرار اللبناني، ويبدو أن السلطة قد استسلمت لهذا الابتزاز، فبدلًا من البحث عن بدائل اقتصادية أو التمسك بمكامن القوة الوطنية، نجد المسؤولين اللبنانيين يربطون مصير البلاد بالرضا الأميركي. هذا السلوك يثبت أن هذه السلطة لا تملك رؤية وطنية، بل تملك "أجندة بقاء" مرتبطة بمصالح الطبقة السياسية وحساباتها المالية في الخارج، مما يجعلها غير مؤهلة لتمثيل شعب يواجه الموت دفاعًا عن أرضه.

إن هذه السلطة التي تواصل انبطاحها أمام الإملاءات الأميركية - "الإسرائيلية"، وتكتفي بطلب "فتات الهدن" بينما الميدان يزخر بالبطولات، هي سلطة منفصلة تمامًا عن الواقع الوطني والكرامة الشعبية. إن الشعب اللبناني الشريف، الذي قدم الشهداء والجرحى ورأى بيوته تُهدم أمام ناظريه، لا يطلب تمديد هدنة ليعود الاحتلال ويواصل عدوانه لاحقًا، بل يطلب نصرًا ناجزًا وانسحابًا كاملًا وتعويضًا عادلًا.

إن من يتفاوض على حقوق اللبنانيين وهو في حالة انهزام أمام المتغوّل الأميركي، لا يمثل تطلعات اللبنانيين المتمسكين بأرضهم، واللبنانيون الذين لم ينكسروا أمام غارات "إف-٣٥" لن يقبلوا بأن تنكسر إرادتهم على طاولات المفاوضات المهينة في واشنطن.

إن التمثيل الحقيقي للبنان اليوم موجود في خنادق الجنوب، وفي صمود الأهالي النازحين الصابرين، وفي الموقف الصلب الذي تعبر عنه القوى الصادقة، وعلى رأسها الموقف الإيراني الثابت، أما السلطة الحالية، فهي مجرد هيكل إداري وظيفي يتبع منهج الاستسلام، بينما لبنان الحقيقي هو لبنان المقاومة، العزيز، المقتدر، والرافض للتبعية والارتهان. وسيسجل التاريخ أن إيران وقفت لتدافع عن سيادة لبنان في المحافل الدولية حينما كان بعض مسؤولي لبنان يبحثون عن مخرج آمن لمصالحهم تحت العباءة الأميركية.

الكلمات المفتاحية
مشاركة