مقالات مختارة
ناصر قنديل - صحيفة البناء
ينظر كثيرون إلى القمة الأوروبية العربية التي استضافتها قبرص كجزء من عمل روتيني أوروبي لتأكيد الحضور الإقليمي، خصوصاً على ضفة المتوسط العربية، وبصورة أكثر على العلاقات مع مصر ولبنان وسورية، في ظل اجتياح أميركي للدور الأوروبي، سواء عبر الإدارة المباشرة لملف الطاقة رغم التداعيات المدمرة على الاقتصاد الأوروبي الناجم عن إغلاق مضيق هرمز والإدارة الأميركية للحرب، وبالتوازي إمساك أميركا بشكل أحادي لكل عناصر ملف الصراع العربي الإسرائيلي خصوصاً على الجبهات الفلسطينية والسورية واللبنانية، وتهميش الأدوار الأوروبية التي كانت دائماً عنصراً فاعلاً في إدارة هذا الصراع، لكن الحقيقة هي أن الأمر أبعد من ذلك كثيراً كما تقول كلمات الشركاء العرب في المؤتمر، وكما يقول موقع قبرص في ملفات أبعد من مجرد العلاقات الأوروبية العربية.
تتيح قراءة الكلمات المكتوبة التي ألقاها كل من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الانتقالي في سورية أحمد الشرع والرئيس اللبناني جوزف عون، الانتباه إلى ثلاثة نماذج سياسية واضحة التباين، حيث خصّص الرئيس المصري أكثر من نصف خطابه للحديث عن محورية القضية الفلسطينية في صناعة الاستقرار في إقليم مترابط تستحيل تجزئة مقاربة ملفاته الحساسة أمنياً واقتصادياً، وتركيز الكلمة على الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف النار في غزة، ودعوة الاتحاد الأوروبي إلى الانخراط الجدي في حل القضية الفلسطينية على أساس قيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، وضرورة “إقامة منطقة خالية، من أسلحة الدمار الشامل فى الشرق الأوسط بأسره، والتنفيذ الشامل وغير الانتقائي، لمنظومة منع الانتشار النووي في المنطقة”، في إشارة واضحة إلى الأسلحة النووية لدى “إسرائيل”، بدلاً من حصر النقاش في الملف النووي الإيراني.
اللافت في كلمة سورية أنها كانت مخصصة للقول إن الاستقرار مهدّد بسبب الاعتداءات الاسرائيلية المستمرة على سورية، والدعوة لمساعدة سورية للعودة إلى اتفاق فك الاشتباك الموقع عام 1974، وبالمقارنة مع كلمة لبنان البلد الأكثر تعرضاً للعدوان الإسرائيلي مقارنة بوضع سورية الراهن، وقياساً على استقرار الوضع في مصر وحدودها، كان لافتاً خلو الكلمة اللبنانية من أي إشارة لـ”إسرائيل” بالاسم كسبب لمعاناة لبنان التي تم التطرق إليها من زاوية كلفة تعرّض لبنان للحرب والدمار والكلفة الانسانية العالية في إطار طلب الدعم دون ذكر “إسرائيل”، والانتقال للحديث عن استعداد لبنان ليكون شريكاً في النهوض الاقتصادي.
لا يمكن فصل مضمون الكلمات المصرية والسورية واللبنانية عن كون المضيف القبرصي هو شريك في مشروع ثلاثيّ مع اليونان و”إسرائيل” لخط أنابيب نفط المتوسط نحو أوروبا، وهو التحالف الذي كانت مصر عضواً مؤسساً فيه قبل أن تغيب بهدوء عن كل اجتماعاته التي صارت ثلاثيّة، والتحالف يبذل جهوداً مدعومة من الاتحاد الأوروبي خصوصاً من شركات التنقيب عن النفط والغاز الأوروبية وفي طليعتها تحالف شركتي توتال الفرنسية وايني الإيطالية، لضمّ كل من لبنان وسورية واستعادة مصر إلى خط الأنابيب الذي تقوده “إسرائيل”.
الواضح أن الكلمة المصرية تقول إن لا مجال للبحث في خطوات مستقبلية مع “إسرائيل” قبل حل القضية الفلسطينية، وتدعو أوروبا لعدم التغاضي عن حقيقة أن كل وهم استقرار بدون حلّ ثابت للقضية الفلسطينية سوف يكون جهوداً مهدورة وأن مصر لن تشارك فيه، بينما تقترب سورية في كلمتها من النص المصريّ لجهة اقتراح أولوية تسبق البحث بمشاريع اقتصادية مشتركة مع “إسرائيل” بحجم استثمار النفط والغاز، من دون توقف الاعتداءات الإسرائيلية على سورية وتنظيم قانوني للوضع عبر الحدود عنوانه اتفاق فك الاشتباك بالنسبة لسورية، وتخفي الكلمة السورية ضمناً الفيتو التركي على مشروع الأنابيب القبرصي اليوناني الإسرائيلي، فيما لا يمكن تفسير الخطاب اللبناني الذي غابت عنه دعوات المساعدة بوقف العدوان، وغاب عنه طلب الضغط لردّ الاعتبار للقرارات الدولية التي تنظم الوضع عبر الحدود، إلا كموافقة على الانضواء في خط الأنابيب الثلاثي القبرصي اليوناني الإسرائيلي، وهو ما سبق تسبّب باتصال من الرئيس التركي والرئيس اللبناني معاتباً على اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص بصورة وصفها الرئيس التركي بـ المجحفة بحق تركيا وحليفتها قبرص التركية، خصوصاً أن تجاهل ذكر “إسرائيل” في الكلمة ليس بالأمر العادي والبسيط، والتركيز على الطابع الإنساني للمساعدة المطلوبة مع إبداء الرغبة والاستعداد للتعاون والشراكة في مشاريع اقتصادية ليس إلا إشارة واضحة للتموضع في قلب هذه الشراكة، التي يعتقد بعض اللبنانيين المتحمّسين لاتفاق سلام مع “إسرائيل” تحت عنوان إنهاء حالة الحرب التي قام تحت عنوانها اتفاق 17 أيار بخلاف التمسك باتفاق الهدنة والقرارات الدولية التي شكلت إحدى ركائز اتفاق الطائف، أن صيغة إنهاء حال الحرب باتت تتيح التفكير بالتعاون الاقتصادي والنفطي خصوصاً.