اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حزب الله شيع الشهيدين القائدين وسام محمد مظلوم وحسين عباس مظلوم 

مقالات

🎧 إستمع للمقال
مقالات

"ذئبان" يتربصان بحكومة العدو: بين وهم الحسم وحدود القوة

123

اختصر المحلل السياسي في صحيفة يديعوت احرونوت، "نداف إيال" المشهد بالتعبير اللافت أن هناك “ذئبين يعويان على مقربة من هذه الحكومة”. فهذه الصورة ليست مجرد زخرفة لغوية، بل مفتاح لفهم حالة انقسام عميق داخل بنية التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه إيران. فالمسألة لا تتعلق بخلاف تكتيكي حول الوسائل، بل بصراع على تعريف الهدف ذاته الممكن تحقيقه في ضوء المتغيرات التي أظهرتها وأنتجتها الحرب: إسقاط النظام الإيراني، أم الاكتفاء باحتواء تهديده النووي؟ ومن هنا، يتحول هذا الانقسام إلى مدخل لفهم أوسع لطبيعة القرار الإسرائيلي وحدوده، بل وحدود الفاعلية الإسرائيلية في ظل الهيمنة الأمريكية على مسار الصراع.

الذئب الأول، كما يصوّره إيال، يمثل منطق الحسم الصفري. إنه تيار يرى أن أي اتفاق مع إيران ليس سوى إعادة ضخ الحياة في شرايين النظام. ففك تجميد الأموال ورفع العقوبات يعني، وفق هذا التصور، استعادة إيران لقدرتها على الحركة والتأثير، لا سيما عبر حرس الثورة وشبكة تحالفاتها الإقليمية. في هذا السياق، لا تُفهم الحرب كوسيلة ضغط تفاوضي، بل كعملية خنق مستمرة يجب أن تبلغ حد إخضاع النظام أو تغييره. هذه الرؤية تجد صداها داخل أجزاء من المؤسسة الأمنية، خصوصًا في الأوساط الاستخبارية، حيث يُنظر إلى إيران ككيان أيديولوجي غير قابل للاحتواء، بل يجب تفكيكه. غير أن هذا المنطق يحمل في داخله مفارقة جوهرية: فهو يفترض أن تعظيم الضغط سيؤدي إلى الانهيار، بينما تشير التجارب مع الجمهورية الاسلامية واخرها الحرب الجارية، أن الضغوط لم تدفعها للتراجع عن ثوابتها منذ اقامتها عام 1979.

في المقابل، يُجسد الذئب الثاني منطق قيود الواقع التي فرضتها نتائج الحرب. هذا التيار بات يسلم بعدم امكانية اسقاط النظام في هذه المرحلة التاريخية، ولذلك ينبغي العمل على ضبط سلوكه في الحد الأدنى الذي يضمن منع تحوله إلى قوة نووية. ومن هنا، فإن إخراج اليورانيوم المخصّب ووقف التخصيب لفترة طويلة يُعدان إنجازًا كافيًا، حتى لو استمر برنامج الصواريخ أو النفوذ الإقليمي الإيراني.

ينطلق هذا التفكير من إدراك مفاده أن الصراعات المعقدة لا تُحل دفعة واحدة، وأن ترتيب الأولويات هو شرط لأي نجاح سياسي. لكنه، في الوقت ذاته، ينطوي على قبول ضمني باستمرار عناصر قوة إيرانية أخرى، وهو ما يثير مخاوف التيار الأول الذي يرى في ذلك تأجيلًا للمشكلة لا حلًا لها.

غير أن الأهم من وجود هذين التيارين هو ما يكشفه النص من حقيقة أكثر عمقًا: كلا “الذئبين” لا يملكان قرار الحسم. فالمشهد، كما يقدّمه إيال، ينتهي إلى صورة الذئبين اللذين ينتظران قرار الرئيس الأمريكي. هنا تتكشف حدود القوة الإسرائيلية، حيث تتحول من فاعل يسعى إلى فرض خياراته إلى طرف يحاول التأثير في قرار أكبر منه. هذا التحول يعكس ما يمكن تسميته بفجوة الاستقلال الاستراتيجي، إذ تمتلك إسرائيل القدرة العسكرية على التصعيد، لكنها تفتقر إلى القدرة السياسية على تحديد سقفه ونهاياته. فالولايات المتحدة، بحكم مصالحها العالمية وحساباتها الاقتصادية والسياسية، هي التي تضبط إيقاع المواجهة، وتحدد متى تتصاعد ومتى تُكبح.

في هذا السياق، تبرز ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، وهي هيمنة النزعة العملياتية داخل بعض دوائر المؤسسة الأمنية. حيث يتحول القصف إلى غاية، لا وسيلة. هذا النمط من التفكير، المعروف في الأدبيات الاستراتيجية بالتحيز العملياتي، يؤدي إلى تضخيم قيمة الإنجاز التكتيكي على حساب الرؤية الاستراتيجية الشاملة. فتدمير قطاع الطاقة الإيراني، على سبيل المثال، قد يبدو نجاحًا عسكريًا سريعًا، لكنه يحمل في طياته احتمالات تصعيد إقليمي واسع، وربما أزمة اقتصادية عالمية، فضلًا عن تقويض أي مسار تفاوضي. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: ما يُنظر إليه كإنجاز ميداني قد يتحول، في سياق أوسع، إلى عبء استراتيجي.

وبين هذين المستويين، يظهر أن الخلاف الحقيقي ليس فقط بين مدرستين، بل يتم تقديمه على أنه تباين في تعريف النصر نفسه، لكن الواقع أنه ينطوي على اخفاء فشل تحقيق النصر على الأقل في مستوى الطموح وبما يحقق المصالح الاستراتيجية الكبرى. فالذئب الأول يرى النصر في إخضاع النظام أو تغييره، بينما يستبدله الثاني، في ضوء تعذر الاول، بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. لكن كلا التعريفين يصطدم بواقع معقد: فإسقاط النظام ليس مضمونًا وقد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية، في حين أن الاكتفاء بالملف النووي – بعيدا عن امكانية تحقق الطموح الاسرائيلي في هذا المجال - يعني ترك بقية عناصر القوة الإيرانية دون معالجة. وهكذا، يجد صانع القرار نفسه أمام معادلة مستحيلة تقريبًا، حيث لا يوجد خيار خالٍ من الكلفة.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن استعارة “الذئبين” تختزل أزمة أعمق في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. إنها أزمة تتجلى في غياب توافق على الهدف النهائي، وفي التوتر بين القدرة العسكرية والقيود السياسية، وفي الميل إلى استخدام القوة دون تصور واضح لنهاياتها.

في الخاتمة، من أهم ما تنطوي عليه خارطة المواقف، هو الانقسام في تحديد حدود القوة وحدود القرار. فالذئبان يعويان، لكن صوتهما لا يحسم الاتجاه. والنتيجة أن إسرائيل تجد نفسها في موقع يتأرجح بين الرغبة في الحسم والاضطرار إلى القبول بقيود الواقع. وفي هذا التوتر تحديدًا يتشكل جوهر المأزق الذي ينعكس تردداً وانعدام ثقة ومحدودية خيارات.

الكلمات المفتاحية
مشاركة