مقالات مختارة
صحيفة الأخبار
في لحظة تبدو فيها السلطة وكأنها تتقن فنّ التعايش مع الهزيمة أكثر مما تتقن إدارة التفاوض، تُفتح أبواب واشنطن على جولة مفاوضات جديدة، فيما الجنوب يُنسف تحت النار. فليس تفصيلاً أن تُعقد محادثات «السلام والأمن» بينما البيوت تُقصف وأهاليها يُدفعون إلى النزوح. بل هو جوهر المشهد كله: دولة تتجه إلى طاولة تفاوض لا تملك فيها حتى القدرة على فرض وقف إطلاق النار قبل الحديث عن أي شيء آخر!
والأكثر قسوة من الحرب نفسها، هو تحوّلها إلى خلفية «طبيعية» للمسار السياسي، وكأن القصف مجرد إيقاع جانبي لا يغيّر في شروط التفاوض. هكذا تدخل بيروت الجولة الثالثة وهي تحمل عبء الدمار على الأرض، من دون أن تستثمره كأداة ضغط، بل تتجاوزه نحو نقاش دبلوماسي بارد، فيما يفاوض العدو بالنار.
المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة، برعاية أميركية، المقرّر عقدها في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن يومَي 14 و15 أيار، تُعقد رغم استمرار رفض العدو وقف إطلاق النار. وتبدو هذه الجولة أقرب إلى محاولة إدارة أزمة مفتوحة، منها إلى مفاوضات تهدف إلى تسوية فعلية. إذ تطرح الولايات المتحدة مساراً يتجاوز فكرة الترتيبات الأمنية التقليدية، نحو ما يشبه «اتفاقاً شاملاً للأمن والسلام»، يتضمن نزع سلاح حزب الله، وربط إعادة الإعمار بالدولة اللبنانية، وإعادة صياغة العلاقة الأمنية على الحدود.
يروّج عون لوجود تنسيق كامل مع بري في جولة المفاوضات الجديدة في واشنطن
في المقابل، يدخل الوفد اللبناني هذا المسار من موقع دفاعي، بلا أوراق ضغط حقيقية، وكل ما يملكه هو القول إنه يعمل على منع الانهيار. علماً أن السفير سيمون كرم الذي توجّه إلى واشنطن لا يحمل ما يمكن فرضه، سوى تنفيذ تكليف رئيس الجمهورية جوزيف عون بالمطالبة بوقف الحرب، من دون مؤشرات جدية على قابلية تحقيق ذلك. علماً أن كرم، الذي سبق أن شارك في محادثات لجنة «الميكانيزم»، كان قد تحدث بشكل منفرد خلال أحد الاجتماعات مع المندوب الإسرائيلي، قبل أن يعود إلى بيروت ليبلغ كلّاً من عون ورئيس الحكومة نواف سلام بأن ما تطلبه إسرائيل «قاسٍ جداً»، معرباً عن قناعته بأنه «لا يوجد في لبنان من يستطيع تنفيذ هذه الشروط». ونصح حينها بالبحث عن آلية تفاوضية جديدة، بعد الحديث مع الجانب الأميركي حول الشروط التعجيزية الإسرائيلية.
وما تغيّر منذ ذلك الوقت، أن عون وسلام كانا يومها في أجواء الحرب على إيران ولبنان، وكانا، ككثيرين في لبنان والمنطقة، يعتقدان بأن العملية لن تستغرق سوى أيام قليلة، وأن إيران ستنهار سريعاً، وأن حزب الله سيلقي سلاحه تلقائياً. لكن بعد أكثر من شهرين من المواجهة، ومع عجز العدو عن تحقيق أهدافه، بات كرم مدركاً لتبدّل الظروف، من دون أن تتضح لديه بعد كيفية التعاطي مع الإدارة الجديدة للملف، خصوصاً أن الجانب الأميركي لم يقدم حلولاً واقعية.
وبينما يستمر الخلاف داخل أوساط الحكم حول مقاربة ملف التفاوض، تسربت من القصر الجمهوري معطيات تتحدث عن إطار عمل يُراد منه الإيحاء بوجود تنسيق واسع ومتماسك. وبحسب هذه التسريبات، تقرر إنشاء غرفة عمليات تضم كلاً من أنطون شديد، ناصيف حتي، شوقي بو نصار، محمد العالم، وينضم إليها أحياناً إبراهيم شمس الدين وبول سالم، بهدف التشاور والتنسيق مع عون وكرم.
وفيما يروّج فريق بعبدا أن هذا المسار يتم بتنسيق كامل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، إلا أن مقربين من الأخير ينفون هذا الأمر بشكل قاطع، ولا سيما في ما يتعلق بعمل السفير كرم. ويشير هؤلاء إلى أن الأسماء الواردة لا تربطها أي علاقة برئيس المجلس، لا بل تضم شخصيات لا تحظى بثقته، وهي تعكس وجهة أهل السلطة الراغبين بالتسوية مع إسرائيل بأي ثمن.
اللافت أن أوساط القصر وأركان السلطة يقرّون بأن هامش الإنجاز يبقى محدوداً، في ظل اتساع الفجوة بين بيروت وواشنطن. فبينما تربط الولايات المتحدة مسار الاستقرار بملف نزع السلاح، تراجع الموقف الرسمي اللبناني نحو حصر النقاش في الإطار الأمني ووقف الاعتداءات فقط، في حين يواصل قادة العدو التأكيد أن الحرب في الشمال لم تتوقف فعلياً، وأن ما يجري ليس وقف إطلاق نار، بل إدارة عمليات عسكرية مستمرة بأشكال مختلفة.