اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي  ذو الفقار: السيف الذي لم يُغمد

نقاط على الحروف

رسالة الشيخ الأمين: بلسم الوجدان على جمر القلوب
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

رسالة الشيخ الأمين: بلسم الوجدان على جمر القلوب

141

كاتبة من لبنان

تأتي رسالة الشيخ الأمين كموعد وصل بين الأب فيه، وبين أبنائه الذين في ميدان القتال، أو على جبهات الصبر والصمود.

بتواضع الترابيين الأنقياء، وبذخيرة العاطفة التي يُعرف بها رجال الحقّ والثورة، خاطب الشيخ الأمين بالأمس أهل المقاومة كلّهم عبر رسالة تحكي وجدانًا يذهب في الصدق إلى أقصاه. خطّ حجة الإسلام والمسلمين الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم كلمات رسالته بتلك الشفافية الواضحة وبذلك الحبّ المصفّى، عاكسةً حقيقة القائد النموذج، الذي لا يرى في القيادة منصبًا أو تشريفًا، بقدر ما هي خدمة ومسؤولية وحبّ.

"أحبائي ونور عيوني وقلبي، أشكر الله تعالى أن شرَّفني لأكون معكم وفي خدمتكم". هذا السطر من الرسالة، لم تكن وجهته قلوب أهل العسكر الذين يسطّرون الملاحم على أرض الجنوب فحسب، بل كلّ فرد من مجتمع المقاومة، كلّ بيت ما رأى في جرح فقد عزيزه إلّا جميلًا، كلّ عائلة تواجه العدوان بالصبر على وجع النزوح ومرارة خسارة الأرزاق، كلّ روح اشتاقت إلى رائحة التراب في الجنوب ورفعت شوقها قربانًا تفتدي به المقاومة التي وحدها ستعيدها إلى "الضيعة"، كلّ قلب خفق بشدّة بين غارة وخبر عاجل وبين تهديد هنا وتوهين هناك. لقد خاطب الشيخ الأمين في رسالته بالأمس جميع أهل الحبّ على هذه الأرض، جميع الذين صانوا فطرتهم فظلّوا أحرارًا. ولم يفرّق بين مقاتل يصنع النّصر بالفداء، وصابر يمدّ الميدان بالثقة فيه وبالدعاء، ففي وجدانه ما يكفي من سمات الرحماء بينهم، وما يفيض من مشاعر الأبوّة والمسؤولية وما يفوق الوصف من المقدرة على الاحتواء واللّطف.

حادث الشيخ الأمين أبناءه من أهل الجبهة، وبين السطور امتزج صوت القائد الذي يعتزّ بروحية رجال الميدان التي تذهل العالم مع صوت الأب الذي يرى النّور من خلال أعين بنيه، ذلك النور الذي يبدّد ظلام العدا. توقّف عند محلقاتهم التي "تعانق الأرض وتخنق المحتل الإسرائيلي"، وعند مسيَّراتهم التي "تُرعب أشرار الأرض وطغاتها" وعند صواريخهم التي تزلزل حياة الصهاينة وتضعها في دوامة من القلق والأزمات النفسية. وقبل كلّ ذلك عند روحيّتهم العالية، واندفاعهم إلى الميدان، وإيمانهم الذي لا يهتزّ ولا يتزحزح. لامس بكفِّ كلماته وجوههم المضيئة بشمس الجنوب وقمره، مسح على جبين كلّ منهم بتعبيره الأصدق عمّا يرى فيهم من بأس وشجاعة وطهر: "أنتم لا تموتون: إمَّا أن تبقوا في الميدان، وإمَّا شهداءٌ أحياءٌ عند ربكم تُرزقون"، وعمّا يجد فيهم من صور جنوب الطهر والكرامة، وبقاع الشرف والمدد، وضاحية الإباء، وبيروت زهرة الأحرار، وجبل لبنان العاصي على شذّاذ الآفاق والشمال مشعل الوحدة والمؤازرة. بكلام آخر، يجد فيهم كلّ جهات هذه الأرض التي يصونونها بدمهم، بدون منّة. وأكثر من ذلك، وجد فيهم التجسيد لكلّ المفاهيم والقيم العالية: العزّة والحريّة والسيادة والاستقلال والخير والشرف والنور والأخلاق، كيف لا وهم أبناء "الأسمى سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله (رض) والسيد الهاشمي(رض) والشهداء والجرحى والأسرى"؟

ولأن أهل الجبهة هم أبناء البيوت التي ربّت في أرواح أبنائها هذه القيم العالية، لم تكن التحية إلى أهل المقاومة أقلّ من تلك التي إلى رجال الميدان: "أنتم من نبع أهلكم الشرفاء".

هؤلاء الأهل الذين قدموا أعظم التضحيات وما استعظموا مواجعهم وقالوا لربّهم، بكلّ رضا وتسليم: "خذ حتى ترضى"، من عوائل الشهداء الذين تميزوا بـ"عطاءات دماء آبائهم وأحبائهم" إلى عوائل الصبر والصمود، جميع أهل مجتمع المقاومة كانوا بالأمس وجهة الرسالة المبلسمة للجراح، والتي أرادها شيخ المقاومة "تحية إلى أهلنا تاجِ الرؤوس والعزةِ والصبر والنصر."

قيمة المضامين الوجدانية في هذه الرسالة تكمن في كونها ترتكز على صلة عاطفية صادقة تجمع القائد بأهله، بعيدًا عن الشعارات المنمّقة والأشعار المصطنعة. في خضمّ المواجهة العسكرية الأشرس والمواجهة السياسية الأقسى، وفي لحظة تاريخية على مختلف المستويات، يدرك الأمين أهمية حفظ المساحة الإنسانية الأنقى التي تشكّلها العاطفة، وهي بعكس ما يحاول الغرب الترويج له، مساحة قوّة وتماسك وارتباط في مجتمع يعيب الغرب عليه عاطفيّته ووجدانيّته ويحاول دفعه إلى التخلّي عنها بالادعاء أنّها نقطة ضعف في الإنسان، لصالح الفردانية وتوجيه السلوك الإنساني بمعايير مادية بحتة، وذلك كله بهدف تفتيت المجتمعات عبر تشتيت الرابط الإنساني العاطفي الجامع بين أفرادها ما يسهّل السيطرة عليها. من ناحية أخرى، التعبير عن العاطفة بصدق وشفافية، يشكّل رافعة معنوية ونفسية بحيث يشعر المتلقي بجدوى ما يفعل، فالمقاتل حين تصله رسالة أبوية من قائده، على هذا القدر من النقاء، يبثّ قلبه نورًا يردّ التحية بأحسن منها، والصابر الصامد حين يجد له في قلب القائد ووقته، في عزّ ضغوط الحرب، مساحة تقدير واحتواء، تهون مواجعه ويدرك معنى التكامل بين مختلف جبهات المواجهة أكثر، فيواسيه في مرارة النزوح وإرباكاته أن صبره على هذا شراكة في صناعة النصر. 

تلقى "المرسل إليهم" كلمات الأمين بحبّ كذلك الذي تنضح به كلماته. تداول الناشطون على منصات التواصل كما النازحون في أماكنهم المؤقتة مقاطع الرسالة كما لو أنّ في السطور بلسمًا يلطّف قسوة الأيام. فكانت كما بيانات الإعلام الحربي التي تأتيهم على مدار الساعة ويحصون من خلالها بنبضات قلوبهم خسائر العدوّ وانجازات أبنائهم. أما أهل الجبهة، فلا نعلم كيف تفاعلوا مع الرسالة التي يعرفون مضمونها وصدقها قبل أن تخطّها يد قائدهم وشيخهم وأبيهم، لكنّهم بلا شكّ تبسّموا بعمق، تنهّدوا حبًّا وامتنانًا، وصوبّوا على صدر العدا أكثر، وأصابوا..

الكلمات المفتاحية
مشاركة