لبنان
دعا نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب السلطة اللبنانية إلى مراجعة مواقفها، محذرًا في رسالة الجمعة "من السياسة التي تنتهجها في مواجهة العدوان الإسرائيلي"، منبّهًا من "ردود فعل في الشارع نرفضها ولا نريدها من جراء هذا النهج الذي ينظر إلى الأمور بعين واحدة".
وقال الشيخ الخطيب: "لقد بلغ التصعيد العسكري "الإسرائيلي" مداه الأقصى هذا الأسبوع، وهو لم يوفر بلدة أو منزلًا أو مؤسسة، ولا استثنى امرأة أو طفلًا أو شيخًا عجوزًا، في وقت تذهب فيه السلطة اللبنانية إلى مفاوضات مباشرة مع هذا العدو المحتل تحت القصف والقتل والتدمير، ومن دون أن يكون في يدها أي ورقة قوة تستعين بها على هذا العدو الذي لا يعير اهتمامًا لأي معيار من معايير الإنسانية والأخلاق. ولذلك لا يتوقع أحد أن تخرج هذه المفاوضات بأي نتيجة عملية، قياسًا إلى تصريحات قادة العدو ومسؤوليه قبل وخلال هذه المفاوضات".
أضاف: "لقد تخلت السلطة سلفًا عن ورقة القوة المزدوجة التي كان يمكن الرهان عليها في هذه المفاوضات، وأولها الإجماع الوطني الداخلي حيث الانقسام على أشده حيال التفاوض المباشر، والثانية ورقة المقاومة التي تقض مضاجع العدو في هذه الأيام وتنزل به الخسائر الفادحة باعتراف العدو نفسه. وحيال ذلك كان من الطبيعي والبديهي أن يستخدم العدو كل أوراق القوة لديه، ويصعّد عدوانه قتلًا وتهجيرًا للضغط على المفاوض اللبناني لتقديم المزيد من التنازلات، في وقت لم تعد تملك السلطة اللبنانية حتى إمكانات التنازل وفق الشروط التي يفرضها العدو، وأبرزها نزع سلاح المقاومة في ظل الاحتلال، وهي سابقة لم يقدم عليها أي شعب من الشعوب في حروب التحرير".
وتابع: "لكن ما يؤسفنا ويؤلمنا في هذه المرحلة أن السلطة اللبنانية، من حيث تدري أو لا تدري، توفر الذرائع العدوانية للاحتلال لمواصلة حربه الإجرامية على أهلنا، وليس أدل على ذلك من موقف الدبلوماسية اللبنانية التي تصمت صمت القبور على الاعتداءات "الإسرائيلية"، ولو بالشكوى إلى مجلس الأمن الدولي ضد الكيان الصهيوني، بينما تُقدم بلا خجل أو وجل على رفع شكوى إلى الأمم المتحدة بذرائع واهية، ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تساند لبنان وتربط مصير مفاوضاتها مع الإدارة الأميركية، بوقف النار في لبنان، فيما تغضّ الخارجية اللبنانية الطرف عن تصرفات السفير الأميركي الذي يدعو صراحة اللبنانيين الذين لا يعجبهم رأيه إلى ترك لبنان".
وحذّر من هذه السياسة التي تنتهجها السلطة، ونبّه "من ردود فعل في الشارع، رفضناها ولا نريدها، من جراء هذا النهج الذي ينظر إلى الأمور بعين واحدة".
وأكد الشيخ الخطيب أن المهمة الأولى للسلطة التي تكسبها الشرعية هي مراعاة وحدة الموقف الوطني وأخذها بعين الاعتبار، وألا تكون سببًا في إضعافه، والتزامها تطبيق الدستور والقوانين وتعهداتها التي بموجبها حصلت على ثقة المجلس النيابي، والتزام رئيس الجمهورية عهوده التي وردت في خطاب القسم التي تعطي المواطنين الثقة بها، ويدفعهم إلى الوقوف خلفها ومؤازرتها، وهو ما لم يتحقق للأسف، بل إن الذي حصل هو العكس، وبالتالي فقد المواطنون خاصة الذين يتعرضون بالمباشر للعدوان الصهيوني الثقة بها، ودعاهم إلى اتهامها بالتآمر عليهم، وبالأخص حينما تقوم بنزع الشرعية عن مقاومتهم التي هي ليست شيئًا آخر غيرهم، وهو تجاوز لموقف الطائفة الشيعية الموحد خلف المقاومة، وهي طائفة أساسية من الطوائف المؤسسة للكيان وهي تتعرّض بالمباشر للعدوان، ومع ذلك يراد تقرير مصيرها بمعزلٍ عنها، وهو ما قد يدفع بالأمور إلى ما لا تحمد عقباه".
وأعرب الشيخ الخطيب عن خشيته من "أن تفلت الأمور من أيدينا بعدما طفح كيل الناس الذين يشهدون هذا الواقع ، في ظل المزيد من عمليات النزوح والتهجير من دون أن يروا لها حضورًا في حل مشكلاتهم، سوى تقديم تنازلات مجانية للعدو الذي يأمر فتمتثل السلطة، فيما لم تف هذه السلطة بأي من التزاماتها التي وعدت بها، وهي الأساس في بناء الثقة بها، ويظهر أنها لا تبالي في بنائها لأن الأساس لديها هو تنفيذ الأوامر لا القيام بما تقتضيه المصلحة الوطنية، وأولها الحفاظ على وحدة الموقف الداخلي الذي يشكل الأساس الصلب لأي سلطة حقيقية في مواجهة أي عدوان خارجي. لكنها للأسف اختارت، إن كان لها من خيار بعد، التبعية للمعسكر الأميركي بينما تدعي السيادة ورفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية، حيث تكتب الخارجية الأميركية تفاهماتها مع العدو الصهيوني، والتي تعطي العدو الحق في توجيه الضربات على لبنان متى شخصت لنفسها ذلك".
ودعا الشيخ الخطيب السلطة اللبنانية إلى مراجعة مواقفها وسياستها قبل أن تلقي بالوطن في مزابل التاريخ، وهو ما حذر منه طويلًا الإمام المغيب السيد موسى الصدر.
وتطرق الخطيب إلى ذكرى نكبة فلسطين، وقال: "اليوم الخامس عشر من شهر أيار، حيث تمر الذكرى الـ78 لنكبة فلسطين وشعبها المظلوم. ولعل هذه المناسبة تفتح أعيننا من جديد على طبيعة هذا العدو الغاصب الذي أنشأ كيانه منذ البداية على المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، وهو يستكمل اليوم طغيانه بحروب الإبادة التي مارسها ويمارسها في لبنان وفلسطين والعديد من دول المنطقة، وسط صمت عربي وإسلامي مريب".
وقال: "وعليه لا يمكن بأي شكل من الأشكال الرهان على سلام مع هذا العدو الذي يرفض رفضًا باتًا منح الشعب الفلسطيني أقل حقوقه المشروعة، على الرغم من الاتفاقات والتنازلات التي قدمت له، حيث درج على نقض العهود والمواثيق والاتفاقات، ولنا في اتفاقية 17 أيار التي تمر ذكراها بعد يومين وغيرها وغيرها، أكبر مثال على ذلك، على الرغم من رفضنا لهذه الاتفاقية في حينه. وأخشى ما نخشاه أن تسقط السلطة اللبنانية اليوم في اتفاقية مماثلة نتيجة الخداع الأميركي الصهيوني الذي صار مثالا للقريب والبعيد".
وأضاف: "إننا أمام كل ما تقدم، نعود فنؤكد أن على السلطة أن تعتمد في المواجهة لوقف العدوان على أحقية الموقف في استرجاع الأرض وصد العدوان أولًا، وعلى عامل قوة الحق وعامل قوة الوحدة الوطنية وقوة الجيش والمقاومة والتمسك بالنقاط الخمس المعنونة بوقف النار والانسحاب الكامل من أرضنا المحتلة وعودة الأهالي وبدء مسيرة الإعمار والإفراج عن الأسرى، وبعدها يمكن الحوار في استراتيجية الأمن الوطني كما نص عليها البيان الوزاري وخطاب القسم".
وتوجه العلامة الخطيب في ختام رسالة الجمعة: "إلى أهلنا أهل الشرف والكرامة، إن المراهنة اليوم باتت عليكم بعد الله، كما كنتم دائما، فأنتم من يعدل كفة الميزان، ودعوا المراهنين على تيئيسكم ييأسون مرة أخرى. فالله أعزكم وكتب لكم النصر ولعدوكم الكبت والخذلان.. وإنما النصر صبر ساعة كما قال سيدكم أمير المؤمنين (ع).. وكما قال ربكم: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ"".