اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي إشادة عراقية بدور المقاومة الإسلامية في مواجهة الإرهاب الصهيو أميركي

مقالات

محلّقات الألياف البصرية: هتك صورة الردع
مقالات

محلّقات الألياف البصرية: هتك صورة الردع "الإسرائيلي"

76

كاتب من لبنان

تمثل المحلّقات المسيَّرة تحديًا أمنيًا جديدًا لجيش العدو، لكن الصورة تشكل، بالقدر ذاته، تحديًا معنويًا لصورة الهيبة التي يحاول العدو ترسيخها بالحديد والنار.

في الأسابيع الأخيرة، عمد جيش العدو إلى توزيع سلسلة فيديوهات عن تفجير مجمعات سكنية كبيرة في العديد من قرى الجنوب اللبناني، في تعمّد لصنع صورة بانورامية لتفجيرات استخدم فيها مئات الأطنان من المتفجرات فوق الأرض وتحتها، وسُمعت أصداؤها لمسافات بعيدة. وتمت هذه العمليات بطريقة استعراضية مصورة من الأعلى، والغاية واضحة: كيّ وعي الشعب اللبناني وإحباطه عن التفكير في أي مقاومة للاحتلال الجديد الذي يُسوَّق راهنًا بدوافع أمنية، ويحمل بذور استيطان مستقبلًا.

كسرت صور المحلّقات، وهي تجتاح الدبابات والمواقع والأفراد وصولًا إلى مستوطنات شمال فلسطين المحتلة، حدّة صورة التفجيرات. فبدلًا من أن يعيد نسف القرى اللبنانية الثقة لدى المستوطنين بسيطرة جيشهم على زمام الوضع في جنوب لبنان، زعزعت صور المحلّقات هذه الثقة من أساسها، وأعادت طرح شكوك حول جدوى الهجوم البري بعد شهرين ونصف على بدئه.

وتمكنت الصور التي التقطتها هذه الأدوات البسيطة من كشف انتشار جيش الاحتلال، وتزويد المشاهدين في أصقاع الدنيا بلقطات فريدة من نوعها أثناء رحلة طيرانها، قبل أن تختار هدفًا من بين أهداف عدة: دبابة، مدرعة، مجموعة جنود، منزلًا اختبأ فيه الجنود، جرافة تقوم بهدم منازل، قبة حديدية منصوبة بين كتل حماية إسمنتية، أجهزة اتصال، أجهزة توجيه للمسيّرات "الإسرائيلية"، أجهزة تشويش على الاتصالات، إلخ.

وتُسهم مواقع التواصل الاجتماعي في تداول هذه الفيديوهات على نطاق واسع حتى داخل المجتمع "الإسرائيلي"، مما يشكل ضربة معنوية وأمنية قاسية للجيش "الإسرائيلي" الذي يزعم أنه يمتلك القدرة التكنولوجية للتعامل مع جميع التحديات.

ودفعت هذه الصور جيش الاحتلال إلى الخروج من دائرة التكتم على طبيعة المواجهة في الجنوب اللبناني منذ بدء الحرب مطلع آذار-مارس الماضي، فاعترف أخيرًا بسقوط 18 قتيلًا و910 جرحى من ضباطه وجنوده، ومن بين هؤلاء 190 أصيبوا خلال أسبوعين فقط، بمعدل 13 إصابة يوميًا. وهذه الاعترافات المتأخرة تعكس حجم التعتيم الذي يُمارَس، وليس الصورة الكاملة للخسائر، فهناك أشياء تحدث ولا يُعلَن عنها، وثمة "تزايد في الهجمات من جانب حزب الله لا يتم الإعلان عنها للجمهور "الإسرائيلي""، وفق ما نقل موقع "والا" العبري عن ضابط في القيادة الشمالية.

وتذكّر الوقائع الحاصلة اليوم بالصور التي كانت المقاومة توزعها في تسعينيات القرن الماضي عن عملياتها ضد جيش العدو، وأبرزها صور اقتحام موقع الدبشة المشرف على النبطية في العام 1994. يومها أنكر المتحدث باسمه وصول المقاومين إلى الموقع، لكن بعدما بثت المقاومة صور رفع رايتها على ساتر الموقع، عاد واعترف بما حدث.

وبالإضافة إلى الخسائر البشرية التي تلحق بجيش الاحتلال جراء زخم الهجوم بالمحلّقات -ولا نتحدث هنا عن العمليات الأخرى بالصواريخ الموجَّهة أو الصليات الصاروخية وغيرها- جعلت المحلّقات هذا الجيش في حالة انكشاف أمني أمام المقاومة، ويدل ذلك على سهولة استطلاع تموضع القوات في خيامها وآلياتها والمنازل، بتصوير ذي جودة عالية، ما يمنح المقاومة ميزة أخرى في هذه المواجهة ويساعدها في انتقاء الأهداف بدقة.

ويمكن أيضًا الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي أن العدو لطالما سوّق رواية تفوقه، خاصة عبر الصور التي كان يبثها باستمرار عن اغتيال مسيّراته لمقاومين في سياراتهم المدنية داخل قراهم، أو في ساحة المعركة. لكن المحلّقات كسرت هذا التفوق عندما بدأت تبث بانتظام صور مرورها فوق آليات الاحتلال ونقاط تمركز وتحرك قواته وأماكن تجهيزاته، حتى في مواضع سرية -مثل تجهيزات فنية نصبها العدو في فتحة أعلى منزل داخل بلدة البياضة المحتلة-. وحتى لو لم تضرب المحلّقات جنود الاحتلال، فإن تأكيد إشراف المقاومة البصري على انتشارهم يُحدث وحده زلزالًا أمنيًا لهذا الجيش، ويدفعه للبحث عن أمن جنوده تفاديًا لارتفاع حصيلة الخسائر.

ولهذا، انتقل جيش الاحتلال من الهجوم إلى الدفاع، وأعلن سحب ألوية قتالية من الجنوب تفاديًا لوضعها في حقل رماية مكشوف أمام المحلّقات. وأصبح كل جندي مشغولًا بأمنه الشخصي كيفما تحرك.

ويمكن تلمّس الفارق الذي أحدثته هذه المحلّقات في ساحة المعركة من خلال الجلبة الكبيرة التي حصلت في أوساط العدو حكومةً وجيشًا ومستوطنين. وتداعت حكومته وأركان جيشه إلى عقد اجتماعات للبحث عن حلول لهذه المشكلة الأمنية والمعنوية التي تهدد بالفعل كل ما أعلنه الاحتلال من "إنجازات" عسكرية. وطلبت وزارة الحرب من شركات التكنولوجيا الخاصة تقديم ما لديها من اقتراحات حلول بصورة عاجلة، وتم تبني بعضها من دون انتظار الإجراءات الروتينية.

ومن بين الحلول التي جرى الإعلان عنها أو اعتُمدت بالفعل لمواجهة المحلّقات:

إقرار ميزانية بقيمة 700 مليون دولار لنشر تقنيات توفر حماية للجنود الذين يُفترض أنهم سيحمون المستوطنات. وهذا الرقم بحد ذاته يعكس حجم المواجهة مع مشغّلي هذا السلاح البسيط.

تسييج الدبابات والآليات والجرافات وشبابيك المنازل التي يحتلها الجنود بشِباك وظيفتها التقاط المحلّقات.

استقدام مسيّرات مزودة بشِباك لاصطياد المحلّقات.

استخدام مسيّرات مسلحة لاعتراض المحلّقات بالصواريخ.

استيراد بنادق مزودة بذخيرة متشظية من الخارج.

نشر رادارات على الآليات لرصد المحلّقات والمسيّرات، وتزويد المشاة بأجهزة يمكنها توجيه إنذار باقترابها.

تزويد الجنود بأجهزة بصرية لرفع مستوى دقة إصابة المحلّقات بالنار.

الاستعانة بالتكنولوجيا التي أنتجتها أوكرانيا خلال حربها مع روسيا لهذه الغاية.

فضلًا عن ذلك، تفرض طبيعة هذا التحدي على القوات البقاء في حالة تركيز على السماء لرصد المحلّقات التي لا تُصدر في العادة صوتًا واضحًا.

بالرغم من ذلك كله، أقر جيش الاحتلال بأنه لا توجد حلول سحرية لمواجهة المسيّرات الصغيرة. وقالت إذاعة الجيش "الإسرائيلي" إن "الحل الأهم هو استهداف مشغّليها، وهذا غير ممكن في الوقت الحالي"، بالنظر إلى أن عملية التشغيل تتم من مسافة بعيدة قد تتجاوز 10 كلم، ما يجعل الوضع "مقلقًا".

وأشارت مصادر "إسرائيلية" إلى أن وحدة التكنولوجيا في الجيش "الإسرائيلي" (الوحدة 81) فشلت في إيجاد حل تقني لهذه المعضلة، وذكرت أن "حزب الله لجأ إلى استراتيجية الخلايا الموزعة التي تطلق المحلّقات من ساحات وطرق متنوعة وبأساليب متغيرة، ما يجعل الحلول الدفاعية الحالية غير كافية".

اللافت أن جيش الاحتلال، الذي يمتلك تشكيلة متنوعة من المسيّرات التجسسية والقتالية والمحلّقات الانتحارية التي تُدار لاسلكيًا عن بُعد، قرر تقليد المقاومة في هذا الإنجاز، وأعلن نيته إنشاء مصنع لإنتاج مسيّرات انتحارية مزودة بألياف بصرية لاستخدامها بهدف "تعزيز قدراته في ساحة المعركة".

الحصيلة العامة يلخصها مسؤول أمني "إسرائيلي" رفيع لصحيفة "إسرائيل اليوم" بقوله قبل أسبوعين: "الوضع في لبنان مُحرج وفخ استراتيجي، لا يمكننا الانسحاب لأن ذلك سيبدو إقرارًا بالهزيمة، ولا يمكننا التقدم بسبب التقييدات الأميركية"، بحسب تعبيره.

وعلى الرغم من أن هذه "التقييدات" لا تمنع موجات وحشية من الغارات اليومية على الجنوب واغتيالات في الضاحية الجنوبية والطريق الساحلي جنوب بيروت، فإن العدو ربما يهرب إلى قفزة جديدة في البر، لكنها لن تغير الواقع الميداني، بل ستؤدي إلى مزيد من الانكشاف لجيش الاحتلال، في وقت نجد أوساطًا عسكرية "إسرائيلية" تترحم على وقف النار السابق، حيث كان جيش الاحتلال يتمتع بـ"حرية عمل" مطلقة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة