اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الهيئات النسائية في بعلبك تحيي "أسبوع الأسرة" بسلسلة دورات إرشادية توعوية

مقالات

الـ(fpv) طيورٌ أبابيلٌ ترمي عليهم حجارةً من سجِّيل
🎧 إستمع للمقال
مقالات

الـ(fpv) طيورٌ أبابيلٌ ترمي عليهم حجارةً من سجِّيل

116

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

يشير استهداف قائد اللواء 401 مدرعات في الجيش الإسرائيلي من داخل مقر تمركزه في جنوب لبنان بواسطة طائرة FPV انقضاضية أُطلقت من مسافة تُقدَّر بنحو عشرين كيلومتراً، إلى تحوُّلٍ نوعي في طبيعة الاشتباك الدائر على الحدود الشمالية، ليس فقط من حيث الوسائل المستخدمة، بل من حيث مستوى جمع المعلومات، ودقة الرصد، والقدرة على إدارة النيران التكتيكية ضد أهداف قيادية حساسة. فحين يصبح ضابط برتبة قائد لواء مدرعات هدفاً مباشراً داخل منطقة يفترض أنها (مؤمّنة)، فهذا يعني أن البيئة العملياتية التي يتحرك فيها الجيش الإسرائيلي لم تعد مستقرة أو محصنة كما كانت في العقود السابقة.
الحدث بحد ذاته لا يمكن قراءته كإصابة عسكرية عابرة، بل كرسالة مركبة تحمل أبعاداً استخبارية ونفسية وميدانية. فاستهداف قائد ميداني داخل غرفة قيادة أو نقطة تمركز متقدمة يعني غالباً أن الجهة المنفذة تمتلك قدرة على مراقبة التحركات، وتحديد أماكن التجمع، وربما متابعة أنماط التنقل والاتصالات والتوقيت. وفي الحروب الحديثة، لا تُستخدم طائرات FPV بشكل فعَّال ضد أهداف نوعية إلا عندما تكون هناك (سلسلة قتل) مكتملة تبدأ بالرصد ثم التتبع فالتثبيت ثم التنفيذ في الزمن الحقيقي تقريباً.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل تملك المقاومة بالفعل منظومة رصد متقدمة قادرة على اختيار الأهداف القيادية؟
الوقائع الميدانية خلال الأشهر الأخيرة توحي بأن الأمر تجاوز العمل التقليدي القائم على المراقبة البشرية المحدودة. فاستهداف آليات محددة، وغرف قيادة، ومجموعات هندسية، وضباط ميدانيين  و القبة الحديدية، في توقيتات دقيقة، يدل على وجود مزيج من الوسائل التقنية والبشرية، يشمل على الأرجح طائرات استطلاع صغيرة، وكاميرات مراقبة بعيدة المدى، واعتراضاً محدوداً للاتصالات أو تتبعاً إلكترونياً، إضافة إلى عنصر بشري ميداني يوفِّر التثبيت النهائي للأهداف.
أما الحديث عن مقتل ضابط  إسرائيلي برتبة رائد  (من مسافة صفر)، فهو يعكس بعداً آخر في طبيعة المواجهة، أي قدرة مجموعات قتالية صغيرة و أُسوْد منفردة ( ذئاب) على التسلل أو الاختباء أو استغلال التضاريس للوصول إلى تماس مباشر. وهذا النوع من العمليات لا يتحقق فقط بالشجاعة الفردية، بل يحتاج إلى معرفة دقيقة بمسارات التحرك، ونقاط العمى، وأوقات تبديل الحراسة، وطبيعة انتشار القوات. بمعنى آخر، نحن أمام بيئة قتال أصبحت فيها القوات الإسرائيلية مكشوفة نسبياً حتى داخل المناطق التي تعتبرها (خلفية وآمنة).
وفي السياق نفسه، فإن تعرض قوة إسرائيلية متقدمة مدعومة بالدبابات إلى كمين في منطقة حداثا يحمل دلالات عسكرية أعمق من مجرد اشتباك موضعي. فالدبابات تاريخياً تدخل المعركة لتأمين الحماية النارية والتقدم الصادم، لكن عندما تتحول هي نفسها إلى عنصر معرَّض للاستهداف داخل قرى حدودية ضيقة ومتشعبة، فهذا يعني أن ساحة الجنوب تُعاد هندستها ميدانياً بطريقة تستنزف أفضلية التفوق المدرع الإسرائيلي.
الكمين في حداثا يكشف أيضاً أن المقاومة لا تعتمد فقط على الدفاع الثابت، بل على تكتيكات (الاصطياد المتحرك) ، أي السماح للقوات المتقدمة بالدخول إلى مساحة نارية معدة مسبقاً، ثم ضربها من زوايا متعددة: عبوات، صواريخ موجهة، طائرات FPV، ورمايات قريبة. وهذا النمط من القتال يشبه إلى حد بعيد تكتيكات حرب العصابات المطورة التي تجمع بين التكنولوجيا الرخيصة والمرونة الميدانية العالية.
إسرائيلياً، تكمن خطورة هذه العمليات في أنها تضرب صورة (الحصانة العملياتية) للجيش، وخاصة سلاح المدرعات الذي شكَّل لعقود العمود الفقري للعقيدة القتالية الإسرائيلية. فالجيش الذي يمتلك تفوقاً جوياً واستخبارياً هائلاً، يجد نفسه مضطراً للقتال في بيئة كثيفة التهديدات منخفضة الكلفة، حيث يمكن لطائرة صغيرة لا يتجاوز ثمنها بضع مئات من الدولارات أن تستهدف دبابة أو غرفة قيادة أو تجمع ضباط.
كما أن انتقال الاستهداف من الجنود إلى القادة يحمل بعداً نفسياً خطيراً. ففي الحروب الحديثة، يُعتبر استهداف القادة الميدانيين محاولة لإرباك منظومة القيادة والسيطرة، وإشعار الوحدات بأن أحداً ليس بعيداً عن دائرة النار. وهذا ما يفسر عادةً التشدد الإسرائيلي في التعتيم على إصابات الضباط الكبار أو ظروف استهدافهم.
و هنا لم تعد طائرات الـ fpv ، معضلة بالنسبة للإسرائيلي بسبب عجزه عن إيجاد وسائل للتصدي لها، ولا لأنها زهيدة الثمن، و لا لأنها تصطاد الجنود الإسرائيليين كالبط على أرض الجنوب، فقط، بل لقدرة هذه المسيَّرات على تصوير مشاهد الاستهداف بدقة وعرضها على كل شاشات العالم، مما يجعل الجيش الإسرائيلي مضطراً للاعتراف بالخسائر اليومية بدلاً من التعتيم الإعلامي، وهو ما يعد نجاحًا للإعلام الحربي للمقاومة في مجال الحرب النفسية، لأنه استطاع إدخال الرعب في صفوف الجيش والرأي العام الإسرائيلي على حد سواء.  
في المقابل، تسعى المقاومة من خلال هذه العمليات إلى تكريس معادلة مفادها أن الجنوب اللبناني لم يعد مجرد جبهة دفاعية، بل مساحة استنزاف مفتوحة يمكن فيها تحويل أي تقدم إسرائيلي إلى عبء بشري ومعنوي. كما تحاول إيصال رسالة بأن التكنولوجيا لم تعد حكراً على الجيوش النظامية، وأن أدوات الحرب الحديثة باتت متاحة لقوى غير تقليدية قادرة على توظيفها بفعالية كبيرة.
في الخلاصة، فإن استهداف قائد لواء مدرعات بطائرة FPV، ووقوع كمائن ضد قوات مدرعة في مناطق حدودية، يشيران إلى تحول نوعي في شكل الحرب الدائرة جنوب لبنان: حرب تقوم على الرصد الدقيق، والضرب الانتقائي، واستنزاف القيادة الميدانية، وتحويل التفوق التكنولوجي الإسرائيلي إلى عبء داخل بيئة قتال معقدة. وهي معركة لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو الدبابات، بل بقدرة كل طرف على كشف الآخر، وتعطيل حركته، وكسر ثقته بأمنه الميداني.


 

الكلمات المفتاحية
مشاركة