عين على العدو
في تحقيق مطوّل نشرته صحيفة "هآرتس"، قدّم خمسة جنود "إسرائيليين" خدموا في جنوب لبنان شهادات مفصّلة عن واقع شديد القسوة داخل الجبهة الشمالية، حيث تتداخل العمليات العسكرية المستمرة مع مشاهد الخوف الدائم، والانهيار النفسي، والنهب، والتدمير الواسع للقرى اللبنانية، في ظل شعور متزايد داخل الجيش بأن الحرب تُدار دون أهداف واضحة أو نهاية قريبة.
الجنود، من وحدات المشاة والمدرعات وبينهم نظاميون واحتياط، وصفوا ما يجري في جنوب لبنان بأنه حالة استنزاف طويلة داخل "الحزام الأمني" الجديد. وأكدوا أن ما يُعلن سياسيًا وإعلاميًا عن وقف إطلاق نار لا ينعكس على الأرض، حيث تستمر الاشتباكات والهجمات المتقطعة، إلى جانب خطر المحلّقات المفخخة التي أصبحت، بحسب وصفهم، أحد أبرز مصادر الرعب اليومي، بسبب صعوبة رصدها واعتراضها.
وتتحدث الشهادات بشكل واضح عن انتشار عمليات نهب داخل القرى اللبنانية خلال التوغلات، حيث يروي أحد الجنود أن دخول المنازل لم يكن ينتهي بالتفتيش الأمني فقط، بل كان يتحول إلى جمع منظم لممتلكات المدنيين. وشملت هذه الممارسات، وفق روايته، أثاث المنازل، الأجهزة الكهربائية، السجاد، المجوهرات، والمواد الغذائية، مع نقل جزء منها عبر آليات عسكرية إلى خارج المنطقة. ويشير إلى أن بعض هذه العمليات كان يتم أمام أعين الجنود والقادة.
كما تكشف الشهادات عن حجم التدمير الواسع الذي طاول القرى الجنوبية، إذ يؤكد الجنود أن جزءًا كبيرًا من المهام لم يكن مرتبطًا باشتباكات مباشرة، بل بعمليات هدم منظمة للمنازل والبنى المدنية. أحدهم يصف الأمر بأن الجيش تحول فعليًا إلى جيش لهدم البيوت، حيث كانت الوحدات تتلقى تعليمات يومية بزيادة عدد المباني المدمرة، باستخدام جرافات ومتعهدين مدنيين، وفي بعض الحالات داخل مناطق لا تشهد قتالًا مباشرًا.
وفي الجانب النفسي، تعكس الشهادات صورة قاسية عن حالة الجنود تحت الضغط المستمر، خصوصًا مع تصاعد تهديد المحلّقات المفخخة التي وصفوها بأنها خطر غير مرئي يصعب التعامل معه، ما خلق حالة توتر دائم من السماء. بعض الجنود تحدثوا عن تجمدهم في أثناء الاشتباكات، أو فقدان القدرة على الاستجابة تحت النار، وآخرون عن نوبات هلع وانقطاع عن الواقع في أثناء القصف والانفجارات. كما أقرّ أحدهم بأنه توقف عن حمل سلاحه الشخصي لفترة بسبب خوفه من إيذاء نفسه نتيجة الضغط النفسي.
وتشير الشهادات أيضًا إلى أزمة ثقة متزايدة داخل الجيش، حيث يشعر جنود بأنهم يُرسلون إلى مهام متواصلة دون وضوح في الهدف النهائي، ودون وسائل كافية لحمايتهم من تهديدات مثل المحلّقات. ويؤكد بعضهم أن هذا الواقع ترك آثارًا نفسية عميقة، تشمل اضطرابات نوم، قلقًا مستمرًا، وصعوبة في العودة إلى الحياة الطبيعية بعد انتهاء الخدمة.
وبحسب ما تنقله "هآرتس"، فإن هذه الروايات لا تعكس حالات فردية معزولة، بل تشير إلى صورة أوسع لأزمة متصاعدة داخل الجيش "الإسرائيلي" في جنوب لبنان، تجمع بين الاستنزاف الميداني، والضغط النفسي، والتساؤلات حول جدوى استمرار العمليات بالشكل الحالي، في ظل حرب طويلة الأمد تُنهك الجنود وتترك آثارًا ممتدة على مستواهم الإنساني والعسكري.