اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي لا مسودة اتفاق بين واشنطن وطهران | تقييم استخباري إيراني: ترامب قد يخضع لنتنياهو

مقالات مختارة

بهلوانيات رئيس الجمهورية ومساعده لشؤون الحكومة نواف سلام [2]
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

بهلوانيات رئيس الجمهورية ومساعده لشؤون الحكومة نواف سلام [2]

أمّ الخطايا: إهدار فرصة وقف الحرب دون مقابل!
42

ابراهيم الأمين- صحيفة "الأخبار"

 عندما انتهت محنة رئيس الجمهورية جوزيف عون الخاصة بلقاء بنيامين نتنياهو، وجد رئيس الجمهورية نفسه مُحاصراً من جديد في ملف التفاوض المباشر. أراد الأميركيون منذ اليوم الأول رفع مستوى التمثيل إلى أعلى مما كان عليه سابقاً. تبلّغ لبنان بأنّ المحادثات على مستوى السفراء انتهت، وأن المرحلة المقبلة تتطلّب مستوى آخر، لأن البحث سوف يتناول الملفات الحساسة كافة. وخلال هذه المدة، ظلّ السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى هو المندوب الأميركي الذي يتولّى التنسيق مع عون.

وبرغم أن عيسى أظهر نقصاً فادحاً في الكفاءة لجهة فهم الوقائع اللبنانية، أو لجهة ما يمكن تحقيقه، إلا أنه ظلّ على الدوام يلفت انتباه محدّثيه من اللبنانيين، إلى أنه في موقعه، نتيجة صداقته مع الرئيس دونالد ترامب، وأن هناك علاقة خاصة تربطهما، ولم تكن لديه مشكلة في الحديث عن دور زوجته التي كان تدير جانباً كبيراً من الأعمال، في بناء العلاقة مع ترامب، والتي تعزّزت بعد تقديمهما دعماً لترامب في مواجهة واحدة من أزماته.

وعيسى يعرف كما الآخرين، أن شلّة المستشارين الذين يعملون مع ترامب الآن، هم في أغلبهم من رجال الأعمال الذين وقفوا إلى جانبه في مواجهة أزماته التجارية. وهذا هو حال توم برّاك وستيف ويتكوف أيضاً.

عيسى كان يلتفت إلى أنه ليس محطّ إعجاب المسؤولين في لبنان. وصار ينتبه أكثر إلى أن هناك من يعمل من خلف ظهره. وسرعان ما تبيّن أن الحديث يدور عن دور المصرفي الصهيوني أنطون الصحناوي و«مجموعة غراهام» التي تُنسب إلى شلّة تعمل مع السيناتور الصهيوني ليندسي غراهام، وهو الداعم لإسرائيل، والرافض لأي نوع من «التعامل أو التسامح» مع حزب الله. وفي كل مرة كان عون يشكو فيها من «قلة دبار» السفير عيسى، كان الصحناوي هو أكثر من يحاول تهدئة الأمور.

وكان يقول: «خذوا في الاعتبار، أن ميشال عيسى، ولو كان ضعيفاً في السياسة، إلا أنه أكثر شخص يريد تحقيق السلام مع إسرائيل، وهو مستعدّ لفعل أي شيء من أجل تحقيق إنجاز في لبنان، حتى يقول إنه نجح حيث فشل كل من سبقه إلى هذه المهمة». ويغمز الصحناوي من قناة توم برّاك، الذي يتهمه الصحناوي و«مجموعة غراهام» بأنه «يُظهِر تعاطفاً ضمنياً مع القوى التي كانت دائماً ضد أميركا ومصالحها».

لكنّ عيسى لم يتوقّف عن التسويق لنفسه حتى عند الأطراف الأخرى في لبنان. وبعدما تفاقمت مشكلته مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ومع قائد الجيش العماد رودولف هيكل، حصل فجأة تبدّل واضح في حركته ومواقفه. وقد تبيّن أن معطيات وصلت إلى «الخارجية الأميركية» حول سلوكه، ومن بينها ملاحظات أوردتها محطة الاستخبارات المركزية في بيروت، ليتبيّن لاحقاً أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، التقاه على هامش المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، وقال له إنه برغم صداقته مع الرئيس ترامب، إلا أنه سفير يعمل تحت إشرافه، وأن عليه الانتباه جيداً إلى كل ما يقوم به في بيروت، وهي ملاحظة انعكست فوراً على سلوك عيسى، وقال من التقاه في آخر جولة له في بيروت إنه مختلف عن السابق. فهو حضر برفقة أكثر من مسؤول من السفارة، وكان يتحدّث بالإنكليزية.

وعندما زار رئيس المجلس النيابي، تعمّد أن يترك الانطباع بأنه ليس طرفاً في النزاعات اللبنانية الداخلية. ولم يسمع بري منه أي كلام متوتّر أو تشنّجٍ أو أي عبارة عدائية تجاه حزب الله. وقد نقل أحد مساعدي بري إلى أصدقاء بأن عيسى «كان يردّد في الاجتماع بأنه حريص على سيادة لبنان، وعلى استعادته الأرض «حتى آخر إنش»، وأنه يعمل كل الوقت مع الرئيس ترامب لأجل تحقيق وقف شامل لإطلاق النار».

نقص المناورات

كان عيسى عملياً، يهتم لتثبيت قاعدة أن تكون الولايات المتحدة هي الطرف الوحيد الذي يدير المفاوضات. وفي المداولات التي جرت مع الوقت، كانت هناك ورقة عمل مُعدّة للجولات السياسية من المفاوضات، وبعدما حُسم أمر عقدها كلّها في الولايات المتحدة، أدرك الفرنسيون والمصريون أن هناك في لبنان من لا يريد حضورهم في المفاوضات، وأن إبعادهم ليس قراراً أميركياً فقط. ولاحقاً، قال عون صراحة إنه يفضّل واشنطن لأنها الجهة الوحيدة التي يمكنها الضغط على إسرائيل.

لكنّ خلفية موقف عون، تعود إلى نصيحة من «مجموعة غراهام» بأنه لا يجب إدخال أي طرف يريد أخذ الأمور صوب تسوية مع حزب الله. وهو أمر كان عون قد سمعه من الفرنسيين ومن المصريين أيضاً. وكل ما أمكن تحقيقه لأجل مراضاة الطرفين، أنتجه ضغط ثانوي مارسه مساعد عون للشوؤن الحكومية نواف سلام، الذي يزعم أنه يقف خلف زيارة رئيس الوفد المفاوض سيمون كرم، إلى باريس في طريقه إلى الولايات المتحدة.

وهناك التقى كرم فريقاً من الفرنسيين العاملين مع الرئيس إيمانويل ماكرون، ناقشه في جلسة طويلة حول كل ملف التفاوض. وبحسب ما سرّبه الفرنسيون، فإن باريس نصحته بأن لا يتجاهل المحادثات الإيرانية – الأميركية، والتي يمكن أن تحقّق وقفاً للحرب في لبنان أيضاً. وإذا كان في القاهرة من قال إن لبنان عليه الاستفادة من هذه الخطوة، بحيث يحصل على وقف للحرب من دون مقابل، فيكون عندها أقل توتراً حيال المطالب الأميركية من المرحلة الثانية التي تخصّ معالجة مشكلة انسحاب قوات الاحتلال من لبنان.

لعبة الأثمان والنيات

لكنّ الأميركيين يعرفون وكذلك إسرائيل، بأنّ لبنان الرسمي، ليس في موقع من يمكنه تحديد جدول أعمال المباحثات. لذلك سارعت واشنطن إلى إعداد مُسوّدة «إعلان نوايا» عُرضت على لبنان وإسرائيل، وتمّ إدخال تعديلات عليها، وكان مُفترضاً أن تكون هي النتيجة الأولى لجلسة واشنطن التي تُعقد على مستوى أعلى من السفراء.

لكنّ الذي حصل، هو أن إسرائيل لم تجد أن الأمور تحتاج إلى جهود كبيرة. كما أدركت أن الوقت لم يحن بعد للتقدّم خطوات كبيرة إلى الأمام. لذلك قرّرت إبقاء الوفد برئاسة سفيرها في الولايات المتحدة يحيئيل ليتر، وتمّ تجميد فكرة انضمام الوزير السابق رون ديرمر لترؤّس الوفد إلى مرحلة لاحقة، خصوصاً بعدما فشلت محاولة نقل رئاسة الوفد اللبنانية إلى شخصية حكومية بارزة، بعدما ردّد وسطاء بأن واشنطن تريد تكليف نائب رئيس الحكومة طارق مترى بالمهمة.

وبحسب مشاركين في الاتصالات الجارية، فإن المشكلة تعود من جديدة لتطلّ برأسها نتيجة الرؤية الضيقة لعون ومساعده الحكومي سلام. الرجلان لا يفوّتان فرصة للقول بأنهما يريدان تقديم كل تنازل يوفّر لهما استمرار الغطاء الخارجي للبقاء في منصبيهما. وإذا كان سلام من حقّه القلق نتيجة الطبيعة الدستورية التي تفرض تغييراً لرؤساء الحكومة، فمن المُفترض أن لا يكون عون قلقاً، كون ولايته تمتد لست سنوات كاملة.

لكنّ عون، الذي لم يأت ببرنامج سياسي واضح مُعدّ من قبله أو من العاملين معه، يجد نفسه أمام خيار من اثنين: إمّا أن يكون رئيساً يحظى بدعم خارجي (السعودية والولايات المتحدة)، مع أمل أن يؤدّي ذلك إلى توفير حصانة فعلية له، وإمّا أن يكون رئيساً فعلياً للبنان، فيكون عليه تحمّل الضغوط الخارجية.

لكنّ هذه المقارنة لا تستوي في الواقع، لأن فكرة الخضوع لما تريده الولايات المتحدة، ثم إسرائيل، سوف تدفع عون إلى موقع داخلي يجعله في حالة خصومة جدّية مع قوى بارزة في البلاد. وهو يعرف أصلاً أنه لا يحظى بشعبية عند المسيحيين كما جرت العادة عند الرؤساء الموارنة. فلا «القوات اللبنانية» تأمل منه شيئاً، ولا التيار الوطني الحر يقدر على تسويقه كرئيس قادر على محاكاة عقل مؤسّس التيار العماد ميشال عون.

كيف تغيّر سلوك ميشال عيسى الطامح إلى تحقيق ما فشل فيه إسلافه، وماذا يقول عنه الصحناوي و«مجموعة غراهام»؟

وفيما ستكون البلاد أمام واقع دستوي جديد مع أول انتخابات نيابية جديدة، وفي حال جرت الأمور بطريقة أكثر واقعية، فإن أي رئيس جديد للحكومة، لن يكون أبداً في موقع المساعد الحكومي الذي يتواجد فيه نواف سلام اليوم، وهو ما يخشاه عون بقوة، خصوصاً أنه يعرف بأن منطق الأمور يقول إنه لا يمكن ترك التمثيل السنّي في الدولة عُرضة للتهميش كما هو الحال منذ قرار محمد بن سلمان عزل الرئيس سعد الحريري. وحيث تُظهِر كل التجارب أن التهميش في بلد مثل لبنان لا يمكنه تغيير الحقائق. وهذا يعني أن عون، في حال سار في البرنامج الأميركي سوف يجد نفسه في أحسن أحواله، على شاكلة الياس سركيس آخر، مع فارق أنه لا يمتك المهارات التي كانت موجودة عند سركيس.

كلّ ذلك، يجعل عون قابلاً للسير أكثر نحو مزيد من التنازلات التي تضرّ لبنان. وكل همّه الآن، أن يتعامل مع المفاوضات من زاوية خطيرة جداً. بينما يتركّز اهتمام الفريق العامل على تحصين الموقع والنفوذ داخل مؤسسات الدولة. وبالتالي فإن عون يذهب بعيداً في اتجاه مواجهة المقاومة ولو كلّفه ذلك دفع البلاد إلى كارثة سياسية واجتماعية وربما أمنية. وهو إذ لا يعارض أصل اتفاق السلام الكامل مع إسرائيل، يعرف أن الظروف الراهنة لا تتيح له تحقيق هذا الحلم دون الحصول على مكاسب فعلية يمكن تسويقها على أساس أنها انتصارات لم تنجح المقاومة في تحقيقها. وهو مصدر قلقه مما قد يصدر عن أي اتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.

وعون سمع من الأميركيين أنفسهم، أن ملف لبنان ليس منفصلاً تماماً عن الملف الإيراني، لكنه وافق على السير بخطة عمل، تقود إلى جعل أي وقف للحرب في لبنان (ولو كان من ضمن اتفاق محتمل بين إيران وأميركا)، على أنه جزء من المفاوضات التي يقودها هو مع إسرائيل. وهو في هذا المجال، لا يخالف الحقائق أو يكابر فقط، لكنه يدفع الأمور نحو المزيد من الخطايا. لأنه يعرف بأنه في حال قرّرت واشنطن إلزام إسرائيل بوقف تام للعمليات العسكرية في لبنان، فستفعل ذلك من أجل تحصيل الاتفاق مع إيران. وعندها يمكن للبنان الفوز بوقف للحرب دون أن يكون مضطراً أن يدفع أي شيء في المقابل.

لكنّ إسرائيل التي لا تريد الاتفاق مع إيران، ولا تريد ربط جبهة لبنان بالجبهة الإيرانية، تسعى هي أيضاً إلى جعل أي خطوة من هذا النوع، حاصلة بطريقة تسمح لها بجبي الأثمان من لبنان، وهي لذلك، سارعت إلى طرح مشروع «إعلان النوايا» الذي يتضمّن هدفاً مركزياً هو التوصّل إلى اتفاق سلام، والذي يشكّل بحسب مُسوّدته أساساً لتعاون أمني – سياسي في لبنان، لا يقتصر فقط على نزع سلاح المقاومة في كل لبنان، بل وضع إطار لمستقبل المنطقة الجنوبية، مع شروط فوق شروط لمشروع إعادة الإعمار وعودة السكان إلى منازلهم... وهو ما يلاقيه عون في منتصف الطريق.
ولهذا حديث آخر!

الكلمات المفتاحية
مشاركة