مقالات مختارة
يحيى دبوق - صحيفة الأخبار
أثار رضوخ "اسرائيل" لضغوط ترامب المتعطّش لإنهاء حربه مع إيران انتقادات "إسرائيلية". وفي وقت يمكن فيه ربط ردود الفعل السياسية بالحسابات الانتخابية، يستبطن موقف المؤسسة الأمنية قلقاً من أن استمرار هذه المعادلة يخاطر بإفقاد “تل أبيب” قدرتها على ترسيخ «فصل» الساحات.
على وقع سوء تقدير "اسرائيل" للموقف الإيراني، والمدى الذي قد تذهب إليه إيران دفاعاً عن حلفائها، انقلبت المعادلة التي سعت"تل أبيب" إلى فرضها على الساحة اللبنانية، من «الضاحية مقابل المستوطنات»، إلى أخرى مختلفة تماماً، عنوانها «الهدوء مقابل الهدوء»، اعتبرت وسائل إعلام عبرية أنها تحمل في طيّاتها «طابع الرضوخ والإذلال». ويرجع ذلك إلى واقع أنه بعدما راهنت "اسرائيل" على أن تهديدها بضرب الضاحية الجنوبية لبيروت سيجبر «حزب الله» على قبول شروطها «ورفع الأعلام البيضاء»، سرعان ما وجدت نفسها أمام موقف إيراني حاسم قلَب الحسابات، وأجبر الإدارة الأميركية على التدخّل لكبح جماح حليفتها، ومنع خروج الأوضاع عن السيطرة.
وفي هذا الإطار، تفيد التسريبات بأن "تل أبيب" كانت تعتزم، بتنسيق كامل مع الجانب الأميركي، المُضيّ قُدُماً في تنفيذ خطّتها القاضية بشنّ هجمات جوية مكثّفة تمتدّ لعدّة أيام على الضاحية الجنوبية لبيروت، على أن يلي ذلك، مباشرة، تدخّل أميركي يهدف «إلى لجم التصعيد»، ويفرض وقف إطلاق نار تبادلياً، ضمن معادلة «الضاحية مقابل المستوطنات». وتَمثّل الهدف النهائي لهذه الخطة في إتاحة المجال لجيش الاحتلال لاستكمال تصعيده في الجنوب اللبناني واحتلاله، مع تحييد أيّ تحدّيات أو ضغوط قد تَنتج من استهداف الداخل "الإسرائيلي" من جانب المقاومة. بيد أنه هذه المرّة، جاء الردّ الإيراني مغايراً لكلّ التوقّعات "الإسرائيلية" والأميركية؛ إذ لم تكتفِ طهران بتحذيرات شفهية من مخاطر التصعيد في لبنان، بل اتّخذت جملة إجراءات «حاسمة» قلبت المعادلة، شملت التزاماً صريحاً بالردّ المباشر على أيّ اعتداء "إسرائيلي" يستهدف الضاحية، جنباً إلى جنب تجميد المسار التفاوضي مع الجانب الأميركي الذي يبدو متعطّشاً لإنهاء المفاوضات والخروج من مستنقع الحرب. كما وصل الأمر بـ"الجمهورية الإسلامية» إلى حدّ التلويح بإغلاق مضيق باب المندب، وقصف الأراضي "الإسرائيلية" في حال تمادت "إسرائيل" في عدوانها على الضاحية.
يبعث تراجع "إسرائيل" عن ضرب الضاحية برسالة ضعف «خطيرة للغاية» إلى محور المقاومة
في العقلَين الأميركي و"الإسرائيلي"، كانت الخطوات الإيرانية الأخيرة، حتّى لحظة حدوثها، «مستبعدةً تماماً»، ما يكشف عن حجم سوء التقدير الاستراتيجي لدى الطرفَين. ولذا، وبدلاً من أن تجد نفسها أمام خصم متردّد يمكن ابتزازه، اصطدمت "إسرائيل" بفاعل إقليمي فرض شروطه بالقوة - أي إيران -، وأجبر الإدارة الأميركية على التراجع عن تنسيقها العسكري مع "تل أبيب"، وفرض معادلة بديلة من تلك التي كانت تتمنّاها الأخيرة. وبغضّ النظر عمّا ستؤول إليه المعادلة الجديدة التي فرضتها طهران، وما إذا كانت ستصمد فعلياً على أرض الواقع، وفي وقت تتمسّك فيه تل أبيب باستغلال أيّ فرصة مؤاتية أو متغيّرات للعودة إلى تصعيدها العسكري المنفلت، فإن الأحداث الأخيرة رسّخت، طبقاً لمراقبين "إسرائيليين"، حقيقة مرّة وخطيرة، مفادها أن «الإنجاز الأهمّ» الذي كانت تعمل عليه كلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، أي فصل الساحة اللبنانية عن إيران، والاستفراد بها بما يتماشى مع المصالح "الإسرائيلية" حصراً، بدأ «ينهار».
ونتيجة لذلك، واجه رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، انتقادات شرسة من الموالاة والمعارضة على حدّ سواء، تمحورت حول ما سُمّي «رضوخه» لدونالد ترامب. وعلى الرغم من أن ردود الفعل هذه يمكن إدراجها في خانة المزايدات الحزبية، ولا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات، إلا أنّها تكشف أيضاً عن ارتباك حقيقي في عملية صنع القرار "الإسرائيلي". أمّا ردّة الفعل الأخطر، فجاءت من كبار القادة العسكريين، الذين عبّروا عن «امتعاضهم»، لا بناءً على حسابات انتخابية، بل لأنّهم يدركون أن التراجع عن استهداف الضاحية الجنوبية يمسّ «الهيبة» "الإسرائيلية" من جهة، ويعزّز «التلاحم» بين إيران وحزب الله من جهة أخرى. وبحسب ما أكّدته مصادر توصَف بـ"الوازنة» لوسائل إعلام عبرية، فإن المؤسسة الأمنية في "إسرائيل" «تعيش حالة قلق عميق»، لا بسبب «تفويت فرصة توجيه ضربة إلى الضاحية»، كان جيش الاحتلال يعوّل عليها لدفع حزب الله إلى رفع «العلم الأبيض» فحسب، بل على خلفية «التداعيات الاستراتيجية» المحتملة لعملية «التقييد» الأميركية هذه، والمرتبطة بفرض إيران إرادتها على الولايات المتحدة و"إسرائيل". كذلك، يجادل القادة العسكريون بأن إجبار "تل أبيب" على التراجع تحت الضغط الخارجي، بعدما كانت قد صعّدت من تهديداتها، يبعث برسالة ضعف «خطيرة للغاية» إلى حزب الله ومحور المقاومة، ما سيؤدّي، في حال استمرار هذا الضغط، إلى تآكل حادّ في الردع الذي عملت "إسرائيل"، طوال أشهر من القتال، على فرضه.
في النتيجة، يبدو واضحاً، بالنسبة إلى "تل أبيب"، أن طهران نجحت في استخدام أوراق الضغط التي تمتلكها لحماية حلفائها، وأثبتت أن إغلاقها مضيق هرمز، وتهديدها بإغلاق مضيق باب المندب، واستثمارها نتائج المواجهة العسكرية الأخيرة، كلّها عوامل قادرة على شلّ يد الكيان، عبر ابتزاز الولايات المتحدة لها. ومن هنا، يتزايد تخوّف المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية" من تكريس المعادلة الجديدة هذه، والتي تجعل الضاحية الجنوبية «مُحصَّنة» بـ"غلاف» مصالح، يتجاوز لبنان و"إسرائيل" على السواء.