اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي لن نخون أمانة الشهداء...

نقاط على الحروف

لا شرعية لسلطة تعادي شعبها وتناصر أعداءه!
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

لا شرعية لسلطة تعادي شعبها وتناصر أعداءه!

123

كاتبة من لبنان

لا يمكن مقارنة مشهد السلطة في لبنان اليوم، وهي تتجرّد بالكامل من جميع القيم الوطنية والسيادية، بأي مشهد مخزٍ آخر عرفته المنطقة منذ سنين. فقد بلغ الخطاب المعادي للناس وللأرض ولأبسط الحقوق الطبيعية دركًا صارت فيه الكلمات تتكامل مع الصواريخ والقذائف التي يطلقها العدو على صدور أهل الأرض، على مدار الساعة. وإن كانت بعض الأنظمة العربية قد سبق وغالت في التبعية للأميركي ولم تمتنع عن مهادنة "الإسرائيلي" إلى حد توقيع اتفاقيات استسلام تحت مسمى "السلام"، فكلها مجتمعة لم تبلغ مرحلة تخاطب فيها شعوبها علانية بلغة تحمل تهديدًا مواربًا تجاه كل نفس تأبى الذل، وتذهب في نكران النوايا العدوانية لدى "إسرائيل" إلى حد تجاهل الدم الذي يُسفك والبيوت التي تُدمّر والأراضي التي تُحتل وتُدنّس منذ 1948 حتى الساعة، وتستخف بعقول المخاطبين حد دفعهم إلى التساؤل بجدية: أحقًا يدرك المتكلم معنى ما يقول؟! أحقًّا يذنّب دولة صديقة بكلّ ما يجري على أرضنا ويبرّىء كيان العدوّ الواضح من كلّ جرائمه المشهودة ؟! وللذهاب في العمق أكثر، هل يدرك المتكلّم حقيقة ألّا شرعية لسلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، وفق نصّ اتفاق الطائف؟ هل يعلم أن بحسب الدستور اللبناني الشعب هو مصدر السلطات وبالتالي حين تعاديه سلطة أو تستعدي غالبيته، تفقد شرعيّتها تمامًا وتصبح عرضة للإدانة بالتنازل عن الأرض والاستهتار بأرواح الناس؟ 

جرت العادة في بلادنا التي استباح معظمها الأميركي عبر التحكم بأنظمتها لتعينه على نهب مواردها والسيطرة على شعوبها، أن يحتفظ كل نظام تابع ببعض الشعارات البراقة التي يستخدمها كأوراق توت ليستر بعضًا من علامات انبطاحه وارتهانه للصهيو-أميركي. فلم يكن غريبًا أن تسمع رئيس دولة مطبعة وهو يزايد على الأحرار في مناصرة القضية الفلسطينية، ولطالما شهدنا أنظمة لا تستحي بوجود سفارة "إسرائيلية" على أراضيها، تداعب المشاعر الوطنية والإنسانية بالكثير من الكلام المعسول، فتصدر بين الحين والآخر بيانات تستنكر المجازر في غزة أو تدين استهداف المدنيين.

إلا أن السلطة في لبنان تجردت حتى من وريقات التوت الشعاراتية، ومضت إلى التعبير الواضح عن العداء لأهل البلد وحقهم في المقاومة والدفاع عن النفس والأرض، بصراحة تجعل السامع يتساءل عما إذا كان الكلام صادرًا عن جهة "إسرائيلية" ومترجمًا عن العبرية، إذ لا يمكن بأي منطق عقلاني أو وجداني فهم هذه المجاهرة بالتماثل مع "الإسرائيلي" في بلد لم يزل دستوره ينص على اعتبار الكيان الصهيوني "عدوًا"، ولم يزل التعامل أو التلاقي مع هذا العدو جريمة تدعى الخيانة، مذكورة عواقبها بالتفاصيل في عدة مواد من قانون العقوبات.

بكلام آخر، استحى المطبعون المنبطحون في اتفاقيات الذل الاستسلامي أن يجاهروا بالتماهي مع "الإسرائيلي"، ولم يستحِ أولئك الذين تبوأوا مناصبهم وهم يدعون الإقرار بعدوانية "إسرائيل" ووجوب حماية لبنان منها ثم غيروا جلدهم وباتوا يجاهرون بالقول: "لا يوجد أي نوايا عدوانية بين لبنان وإسرائيل".

ولعل أسوأ ما في المشهد أنه يجري تحت نار العدوان المتواصل والحاصل على "شرعية" منحته إياها السلطة على طاولة مفاوضات العار في واشنطن حين تصرفت على أنها وإياه طرف واحد في مواجهة المقاومة في لبنان، أي الناس.

نعم، يجري على أرض يتواصل نزف دم أبنائها فوق ترابها منذ سنين، من دون أن يرف جفن استنكار من القائمين على السلطة بعدما اختاروا طوعًا التنصل من كامل مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية والإنسانية، بعد "خطاب قسم" و"بيان وزاري" تضمنا تعهدا بحماية الأرض وصون الناس.

يجري ذلك فيما عداد وزارة الصحة لا يتوقف عن إحصاء أعداد الشهداء والجرحى، وفيما تختلف الأرقام التي تشير إلى عدد النازحين المهجرين قسرًا من بيوتهم وقراهم وأحيائهم بين يوم وآخر، وفيما تزداد في كل ساعة الخسائر في الممتلكات والأرزاق. يجري ذلك فيما العدو نفسه يتحدث صراحة عن منع أهالي القرى الجنوبية من العودة إليها، ويجرف بيوتها، ويقتل الصامدين فيها.

ويجري ذلك فيما يقف الناس مذهولين من هذه اللغة المعادية التي تصدر عن رئاسة كان من المفترض أن تمثل البلد والناس، وتحترم خيارات أهل الأرض وعقول كل من يصغي إليها. وبأسوأ الأحوال، لغة كان ينبغي لها أن تصمت حين ترى في نفسها عجزًا عن مواجهة العدوان، إذ لم يتوقع منها أحد أن تتولى مسؤولية ثقيلة كهذه، بدلًا من أن تبوح بأهداف مشتركة لها معه، وتعادي أبناء شعبها فتسميهم تارة بـ"الآخرين" وطورًا بـ"المغامرين". كما تعادي جهارًا الجمهورية الإسلامية في إيران بناءً على الأوامر الأميركية وتتهمها، بما يشبه الكوميديا السوداء، بالاعتداء على الجنوب والتسبب بتهجير أهله وتدمير قراه وقتل خيرة شبابه وعائلاته.

هذا السيل الاتهامي الذي يفرط في الاستخفاف بالعقول دفع حتى أولئك الذين يختلفون مع المقاومة في كثير من الملفات السياسية والفكرية وحتى العقائدية، إلى لحظة تعبير عن صدمة، فالكلام أوحى بأن المتكلم لم يطلع مسبقًا على مجريات الأحداث أو أنه منفصل عن الواقع، ويسعى بمحاولة فاشلة لإقناع  الناس أن ما تراه أعينهم من جرائم "إسرائيلية" ليس حقيقيًا، وأن الحقيقة - أي تلك التي تريد أميركا زرعها في العقول - هي أن إيران، السند الحقيقي للبنان، هي المسؤولة عن كل مصائبه.

ذُهل الجمهور، من جميع الطوائف والمذاهب والمناطق والاتجاهات الفكرية والعقائدية، بل وحتى المستوطنون في الأرض المحتلة عاشوا لحظة ذهول: كيف يمكن أن ينطق بهذا الكلام صاحب منصب من المفترض أن جزءًا من واجباته الوظيفية التعبير عن البلد وحفظ كرامته وأرضه وحماية ناسه، والالتزام بالدستور وبالمواثيق الدولية التي تقر بحق الدفاع عن النفس ومقاومة العدوان وبحرمة قتل المدنيين وجرف البيوت واحتلال الأرض؟

هذا الجمهور المؤلف من لبنانيين يختلفون فيما بينهم في كثير من القضايا ويجمعون على العداء للكيان الاستيطاني الإرهابي المدعو "إسرائيل"، وجد بالأمس في منصات التواصل منابر تتيح له التعبير عن استيائه من كلام أقل ما يقال فيه إنه مهين للدم المسفوك على أرض الجنوب، ومهين لفيوض البذل التي قدمتها المقاومة، وبدون منة، ومن أجل أمان كل اللبنانيين، كلهم، حتى أولئك الذين يعادونها حبًا بـ"إسرائيلهم"، وهم بالمناسبة أقل بكثير على أرض الواقع وليس كما يبدو على الشاشات المتاحة لهم والتي تمنحهم فرصة الترويج بالصراخ والهوبرة لتصوير لبنان كساحة "إسرائيلية".

إذًا، تلقت السلطة، سيلًا من التقريع والسخرية وحتى الاشمئزاز. فحملات الاستنكار للانبطاح التي عبّر الناس من خلالها عن غضبهم ورفضهم لأي مفاوضات استسلامية مباشرة، لم تكتفِ بالرد على ما قاله جوزيف عون في مقابلته أمس، بل ولم تقصر باتجاه نواف سلام وسائر الذاهبين في معاداة الناس والساعين لمنح أرض الجنوب كعربون انبطاح للأميركي، والمجتهدين في محاولة سحق المقاومة ولو من أجل "كأس" كحول في "تل أبيب".

ومن اللافت أن هذا الرفض القاطع لمواقف عون المخزية عبر شاشة CNN لم يصدر حصرًا من المهجرين من القرى الحدودية منذ سنوات، المسلوبة أرضهم والممنوعين من العودة إليها، ولا ينحصر داخل مجتمع المقاومة، أهل العزة والإباء ودرّتهم عوائل البذل والشهادة فقط، ولا حتى من كامل البيئة اللصيقة بحزب الله وحركة أمل، بل من جميع البيئات التي تحترم الإنسان وترى ما يجري بحيث لا ينطلي عليها كلام على شاكلة "إيران دمرت الجنوب" أو "ليس لدى إسرائيل نوايا عدوانية".

فخامتك، لقد تجاوز الأمر النوايا العدوانية، نحن في خضم عدوان وحشي ممنهج، وأغلب الظن أنك تعلم، ولسبب ما تغرق في الإنكار الذي يتوافق مع "عشاء" جمع شخصيات لبنانية و"إسرائيلية"، كي يكون بينهم خبز وملح، بالإضافة إلى الهدف المشترك: إنهاء حالة المقاومة في لبنان، وتجريم حزب الله! وهيهات!

في الختام، قالت السلطة كلمتها، المتماهية مع الحديث العبري اليومي، وقال الناس كلمتهم بدورهم وبالعامية: "يا عيب الشوم"، إذ لم يجدوا سواها للتعبير عما رأوه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة