مقالات
باحث في الشؤون اللبنانية والسورية
لا ريب أن سلوك السلطة في لبنان إزاء العلاقة مع العدو "الإسرائيلي" يؤشر بوضوح إلى أنها، أي "السلطة"، تحاول الانتقام من المقاومة وبيئتها وتاريخها أيضًا، وكذلك تحاول تعويض بعض "اليمين" الإنعزالي عن محاولاته الفاشلة في مسار التطبيع مع العدو في سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت، فضلًا عن الانتقام من خيار المقاومة كله. بل ذهب رئيس هذه السلطة أبعد من ذلك عندما طلب من أهالي الجنوب النازحين إلى مختلف المناطق اللبنانية الرضوخ إلى "اتفاق الإذعان" الذي تحاول "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية فرضه على لبنان، من دون عودة الجنوبيين إلى قراهم. أي إن السلطة المذكورة لم تتمسك بشرط عودة النازحين والبدء في عملية إعادة إعمار بيوتهم التي دمّرها العدو، قبل المضي في أي اتفاق مباشر أو غير مباشر معه.
وهنا يستغرب مرجع في العلاقات الدولية "صمت الغيارى على صلاحيات الرئاسة الثالثة في لبنان، بخاصة مدّعي الحرص على تلك الصلاحيات وعدم المساس بها، على اعتبار أن رئيس الجمهورية يتصرف وكأنه الحاكم المطلق في لبنان، من دون أن يقيم حسابًا لأي جهة أو مكوّن". ويوضح المرجع أن "صلاحيات الرئيس المذكور في المفاوضات والاتفاقات الدولية هي وفق الآتي: يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة". فعبارة "بالاتفاق مع" معناها دستوريًا وجوب توافق إرادتين، فلا يكفي قرار أي من الرئيسين وحده. ويؤكد أن "المزاج العام في لبنان، بخاصة لدى أهل السنّة، ضد التطبيع مع العدو، رغم كل الضغوط الأميركية وسواها الرامية إلى ذلك، وإلى كمّ أفواه الرافضين لهذا التطبيع والعلاقة مع الكيان الغاصب"، على حد قول المرجع.
ويستعيد مرجع عربي حقبة العدوان الصهيوني على لبنان في ربيع عام 1996، التي أطلق عليها العدو ما يعرف بـ"عناقيد الغضب"، مذكّرًا بدور الحكومة اللبنانية الفاعل في وقف هذا العدوان، عبر رئيسها وقتذاك الشهيد رفيق الحريري، الذي أجرى حينها جولات مكوكية واتصالات مع الجهات الدولية والإقليمية المؤثرة في لبنان والمنطقة، وأفضت بدورها إلى التوصل إلى ما يعرف بـ"تفاهم نيسان 1996"، بوساطة أميركية وفرنسية، وقضى بتحييد المدنيين في لبنان و"مدنيي" الكيان، لكنه أعطى الحق للمقاومة في الدفاع عن البلد إذا تعرض لاعتداء صهيوني، "وهذا ما أسهم في إنجاز تحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال "الإسرائيلي""، دائمًا برأي المرجع. الذي يختم بالقول: "هكذا ينبغي أن يتصرف رجال الدولة".
وفي مقارنة لدور السلطة في الحقبة المذكورة آنفًا ودور السلطة في المرحلة الراهنة، يؤكد مرجع سياسي متابع لمجريات مختلف الأوضاع في لبنان والمنطقة أنه "رغم كل الدعاية الخارجية للسلطة اللبنانية على أنها "سيادية وصاحبة قرار" وما شاكل، فإنها لا تملك أوراق قوة، وبالتالي لا قدرة تنفيذية لها على الأرض". ويشير إلى أن "العدو "الإسرائيلي" لم يقدّم أي شيء للسلطة اللبنانية، بل ذهب في إجرامه إلى استهداف الجيش اللبناني، في وقت ترضخ فيه هذه السلطة لإملاءات العدو، وهذا ذلّ ما بعده ذلّ"، على حد تعبير المرجع.
ويجزم أن "واشنطن لا تفاوض إلا من يقاتل، وكلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي إدعى فيه تواصله مع حزب الله، وإن لم يكن صحيحًا، لكنه، أي هذا الكلام، موجّه إلى السلطة اللبنانية نفسها، ومفاده أن التفاوض الجدي في شأن الانسحاب "الإسرائيلي" من الأراضي اللبنانية والتفاهم على ترتيب الوضع الأمني على طرفي الحدود اللبنانية - الفلسطينية سيكونان مع من له صلة بالواقع الميداني لا غير". ويختم المرجع: "لعل القائمين على هذه السلطة يتعظون".