مقالات
تطل ذكرى الثالث عشر من حزيران/يونيو لتنبش من ذاكرة اللبنانيين واحدة من أبشع صفحات الحرب الأهلية، وهي مجزرة إهدن التي يمر عليها اليوم 48 عامًا دون أن تمحو الأيام آثار الدماء التي سالت في ذلك الفجر الحزين.
وقتذاك، لم تكن تلك التصفية الدموية التي استهدفت الوزير الراحل طوني فرنجية وعائلته، بما في ذلك زوجته فيرا وطفلته جيهان ذات السنوات الثلاث وآخرين، مجرد صدام عسكري بين قوى متنافسة، بل كانت سلوكًا إلغائيًا ممنهجًا قادته "القوات اللبنانية" بهدف استئصال نهج سياسي عربي وطني رفض التنازل عن عروبة لبنان أو الانخراط في مشاريع التقسيم والارتهان لـ "الإسرائيلي".
وتكتسب مجزرة إهدن فرادتها المأساوية في التاريخ اللبناني من كونها جسّدت ما يمكن توصيفه بـ "الخطيئة الأصلية" التي أسست لنهج تصفية المكونات المسيحية والوطنية المخالفة. وتشير القراءات السياسية والتوثيقية التاريخية، ومنها ما تناوله الصحافي الفرنسي ريشار لابيفيير، إلى أن الأصابع الصهيونية لم تكن بعيدة عن هندسة هذا الإقصاء الدموي، إذ كان المطلوب "إسرائيليًا" إزاحة الزعامات المسيحية الوازنة والمعادية لطروحات "تل أبيب" لتهيئة الساحة بالكامل لجر لبنان إلى مستنقع معاهدات "الصلح" المنفردة وتكرار سيناريو "كامب ديفيد"، وبذلك تحولت القوات إلى أداة تنفيذية لمشروع خارجي يستهدف وحدة البلاد وهوية المقاومة فيها.
كذلك ما يمكن التوقف عنده في لحظة تأمل لما حصل، أنه لم تكن هذه الجريمة المروعة معزولة عن سياق تاريخي طويل حفل بالدم والإلغاء، فالمنهج الذي استباح عائلة فرنجية هو ذاته الذي أنتج سلسلة من الفظائع ضد الإنسانية على امتداد الجغرافيا اللبنانية، طالت اغتيال رئيس الحكومة رشيد كرامي في حزيران/يونيو 1987، واغتيال الزعيم المسيحي داني شمعون وعائلته في تشرين الأول/أكتوبر 1990، وتفجير كنيسة سيدة النجاة، فضلاً عن عمليات التطهير الداخلي والاختفاء القسري والتعذيب التي طالت المعارضين والداعمين لوجه لبنان العروبي المقاوم.
ورغم فظاعة هذه الجرائم الموثقة التي أدت إلى فتح الملفات القضائية عام 1993 وصدور أحكام إدانة واضحة من المجلس العدلي ومحكمة الجنايات بحق قائد القوات جعجع، لا سيما في قضيتي اغتيال كرامي وشمعون، إلا أنه استفاد لاحقًا من قانون العفو العام رقم 677 الصادر في 19 تموز/يوليو 2005، والذي طوى الأحكام القضائية دون أن يمحو من الذاكرة الوطنية إرثًا طويلًا من الجريمة والترهيب وبناء الأمجاد على حساب دماء اللبنانيين وبنيان دولتهم واختياراتهم الوطنية.
واليوم، ورغم تبدل الأزمان، يبدو أن المنهج الإقصائي والإلغائي والارتهان للخارج لا يزالان يشكلان العصب الأساس لهذا الفصيل السياسي. وتتجلى خطورة المشهد الراهن في المحاولات الحثيثة لتقديم الذرائع لكيان الاحتلال "الإسرائيلي" وتبرير اعتداءاته المستمرة ضد أبناء الشعب اللبناني الذين اختاروا طريق المواجهة لحماية السيادة الوطنية، ففي الوقت الذي تتعرّض فيه البلاد لعدوان مستمر، يخرج بعض مسؤولي "القوات" في مواقف رسمية وتلفزيونية تتبنى السردية "الإسرائيلية" بالكامل، وتعمل على تجريم المقاومة وتحميلها مسؤولية العدوان على لبنان، متخلين بذلك عن أبسط الواجبات والمسؤوليات الوطنية في لحظات المصير.
إن التماهي المعاصر بين هذا الخط السياسي ودوائر القرار الخارجية والكيان الغاصب يعيد صياغة مفاهيم "أزمة إهدن" ولكن بأدوات سياسية وإعلامية حديثة، فالرهان لا يزال مستمرًا على أعداء الوطن لكسر إرادة الشركاء في الداخل، ورفع شعارات السيادة لم يعد سوى قناع يخفي خلفه ثقافة الفدرلة والإقصاء والتخوين لكل من يرفض الاستسلام للشروط "الإسرائيلية الأميركية" في المنطقة، مما يجعل التذكير بمحطات الماضي وتاريخ الجريمة واجبًا وطنيًا لحماية الحاضر من تكرار مآسي الماضي ذاتها.