خاص العهد
أن يظل يمن الإيمان صامدًا لأكثر من عشر سنوات أمام عدوان وحصار التحالف السعودي الأميركي، فذلك نصرٌ يُخلّد بماء الذهب في تاريخ اليمن والأمة، لكن النصر الأعظم هو أن يتجاوز مرحلة الصمود ويجعل من حصار التحالف ورماد نيرانه فرصة ازدهار وبناء بل ومسار تنمية متصاعد للوصول بالبلد للاكتفاء وتحقيق الأمن الغذائي.
في حصاد عام 1447 هجرية، سجل اليمن احصائيات انتاجية لمحاصيل سيادية من الحبوب والقمح، وخاصةً في محافظة الجوف التي شهدت انتاجية لمحصول القمح كمًا وجودةً فاقت التوقعات. فقد وصل إجمالي الإنتاج الحالي في محافظة الجوف وحدها إلى 1,021,901 كيس قمح (مليون وواحد وعشرون ألفًا وتسعمائة وواحد)، بما يتجاوز قيمته 15.1 مليار ريال يمني، وبطاقة تشغيلية شملت 10 آلاف عامل من الأسر الريفية.
وبحسب بيان مكتب الزراعة بالمحافظة "فإن هذه الأرقام تعبّر فقط عما تم حصره وفرز بياناته رقميًا، وإن هناك مديريتين كاملتين لم تستكمل بياناتهما بعد، بالإضافة إلى كميات كبيرة جدًا من القمح لم تصل بياناتها التفصيلية".
وأكد البيان أن الإنتاج الفعلي الكلي للمحافظة يتجاوز هذه الأرقام بكثير، وهو دليل قاطع على أن الجوف باتت بحق مخزن غلال اليمن الصامد.
في هذا السياق، يتحدث مدير عام الإنتاج بوزارة الزراعة الأستاذ وجيه المتوكل في تصريحٍ خاصٍ لموقع "العهد" الإخباري، قائلًا: "بعد ثورة الحادي والعشرين من أيلول عام 2014 للميلاد، حصلت نقلة في الجانب الزراعي والإنتاجي في البلد، وتوجهٌ رسمي وشعبي للتوسع في زراعة محصول القمح وزراعة الحبوب بشكل عام، وأُنشأت المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، وهي من أهم مخرجات ثورة الحادي والعشرين من أيلول، وهذه المؤسسة كانت وما تزال مخولةً بدعم البرنامج الوطني لزراعة القمح، وتنشيط التوسع الرأسي والأفقي للقمح وللمحاصيل الحبوب بشكل عام".
ويذكر المتوكل أن الجهود تظافرت في السنوات الأخيرة الماضية لإنتاج القمح في محافظة الجوف والهضبة الشرقية، وفي المرتفعات الشمالية، لكنه تركز بشكل أكثر كثافة وتوسعًا في محافظة الجوف، لما تتميز به المحافظة من توسع أفقيٍ كبير، ومساحات زراعية واسعة، وتوفر نظام الزراعة الحديثة وأنظمة الري الحديث، وأمكن زراعة مساحات كبيرة وشاسعة ضمن هذه المحافظة.
نتاج تلاحم الجهود الشعبية والرسمية
ويتابع: "جانب الاستثمار الزراعي لمحصول القمح، نشط على الرغم من أنه لم يكن من المتوقع أن يتوجه المستثمرون نحو محاصيل الحبوب باعتبارها محاصيل ذات عائد مادي ضئيل، فبينما كان اهتمام المستثمرين والمزارعين الكبار يتركز على إنتاج محاصيل تعطي عائدًا اقتصاديًا أكبر كما حصل فعلًا بالنسبة لمحاصيل الخضار والفاكهة التي وصلنا فيها إلى الاكتفاء الذاتي، بل أصبح هناك تضخم في السوق المحلي، وصار لدينا تصدير للأسواق الخارجية، فإن محصول القمح كذلك حظي باهتمام متزايد ومطردٍ سنويًا، وأصبح معدل التزايد والإنتاج مرتفعًا في السنوات الأخيرة".
ويشير المتوكل لـ "العهد" إلى أنه حينما بدأ الإنتاج في محافظة الجوف ساهمت مؤسسة الحبوب وجهات أخرى وكذلك مستثمرين بناءً على توجيهات القيادة الحكيمة، بأن يكون هناك اهتمام بهذا المحصول الحيوي، والتقليل من فاتورة الاستيراد الباهظة لمحصول القمح.
كما يلفت المتوكل إلى أن "البداية كانت بنسب بسيطة جدًا، والمساحة الزراعية قبل خمس سنوات لم تتعدى 2500 هكتار، ثم تدريجيًا بدأت تتنامى إلى أن وصلت إلى 20,000 هكتار وأكثر، ووصلنا الآن إلى أكثر من 27,000 هكتار، والمخطط له خلال سنوات قليلة أن نصل إلى أكثر من 50,000 هكتار تدريجيًا، وأن يكون التوسع في زراعة القمح ليس توسعًا أفقيًا وحسب، بل ويواكبه توسع رأسي".
ويوضح أنّ زراعة محصول القمح أصبحت أكثر اتساعًا، والبنية التحتية لزراعة القمح أصبحت أكثر قوة، مع وجود التعاون بين القطاع العام والخاص والتعاون مع المستثمرين وتجار الحبوب، فتجار الحبوب يشترون المحصول، وتوفر لدينا مخازن كافية لتغطي نسبة كبيرة من الاكتفاء الذاتي، وكذلك ساعدت الجمعيات التعاونية في توزيع البذور والإشراف عليها، وتبني التوسع في الحقول الزراعية والاهتمام بموسم زراعة القمح، وكذلك جهات كثيرة ساعدت في الحصاد وفيما ما بعد الحصاد وفي تخزين الحبوب.
وبحسب المتكل، لقد أصبحت عملية انتاج القمح أكثر انتظامًا وتوسعًا من سنة إلى أخرى، وخلال السنوات القريبة سيصل اليمن إلى الاكتفاء الذاتي المنشود.
محصول القمح بين ماضي الوصاية وحاضر السيادة
يردف المتوكل: "في عقود نظام الوصاية الأميركية كانت الزراعة محظورة على الشعب اليمني، وأما زراعة القمح فقد كانت من المحرمات".
ويرى أنه "ما تزال هناك فجوة ما بين الاحتياج الفعلي وما بين الانتاج، وهذه الفجوة سببتها الأنظمة السابقة لأننا لم نتوجه لزراعة الحبوب والقمح بشكل صحيح، وكان الاعتماد في الأنظمة السابقة على الاستيراد، بل كان هناك دعم من الحكومة للتجار لاستيراد القمح، وحرص على أن يصل كيس القمح المستورد بأقل الأسعار، فلا يشعر المواطن بأننا بحاجة لزراعة القمح، ولا يستطيع المزارع أن يحصّل عائدًا اقتصاديًا إذا توجه لزراعة القمح".
بدورها، تنوّه المسؤولة الثقافية ومدير عام تنمية المرأة الريفية بوزارة الزراعة الأستاذة فنون مجلي في تصريحٍ خاصٍ لموقع "العهد" الإخباري، قائلًا: "لمن يعتقد أن اليمن لم تكن يومًا بلدًا منتجًا للحبوب فإن التاريخ يقول غير ذلك، فقد اعتمد اليمنيون لعقود طويلة على زراعة القمح والذرة والشعير، وكانت الأرض اليمنية تؤمّن 90 ٪ من احتياجات البلاد الغذائية رغم بساطة الإمكانيات وشح الموارد".
وتضيف: "تراجعت زراعة القمح في عقود نظام العمالة بفعل عوامل متعددة أبرزها إغراق الأسواق المحلية بالمنتجات الخارجية المستوردة، وتغير أولويات النشاط الزراعي حتى أصبحت البلاد تعتمد بشكل كبير على الخارج لتوفير احتياجاتها من هذه السلعة الاستراتيجية".
وتلفت الأستاذة فنون مجلي إلى أن البوصلة تتجه اليوم مجددًا نحو الأرض، وتولي حكومة التغيير والبناء زراعة القمح اهتمامًا بالغًا، ضمن رؤية تستهدف تعزيز الأمن الغذائي والوصول إلى الاكتفاء الذاتي، ولم يعد الحديث عن هذا الهدف مجرد شعارات بل أصبح واقعًا نشاهده بأعيننا في محافظة الجوف ومحافظات أخرى.
وتشدد مجلي في ختام حديثها على أنّ ما يتحقق اليوم يؤكد أن اليمن يمتلك المقومات التي تمكنه من استعادة مكانته الزراعية التاريخية، وأن الاستثمار في الأرض والمزارع هو الطريق الأكثر أمنًا نحو تعزيز السيادة الغذائية وتقليل الاعتماد على الخارج، كذلك تواصل المؤسسة العامة لإكثار البذور المحسنة حصاد محصول القمح للموسم الشتوي 2026 للميلاد في محافظتي ذمار وإب، وبمسيرة القرآن التي يقودنا بها السيد القائد - حفظه الله - والمخلصين في هذه البلاد سنهزم العدو وننتصر.