خاص العهد
رسالة شمالية عبر "العهد": رفض التطبيع موقف وطني يتجاوز الانتماءات
أبناء الشمال في مواجهة التطبيع
في إطار إطلاق مبادرة "الملتقى الوطني في الشمال" تحت شعار: "موقف شعبي في مواجهة الاحتلال والتطبيع... نحو استعادة السيادة الوطنية"، برز موقف شعبي رافض لأي مسار للتطبيع مع الاحتلال، انطلاقًا من القناعة بأن التطبيع يشكل تجاوزًا لمبادئ العدالة، وتجاهلًا لمعاناة الشعوب وحقوقها، ويمنح شرعية لواقع الاحتلال بدل إنهائه.
ويأتي هذا الموقف من مدينة طرابلس، التي لطالما ارتبط اسمها بالقضايا الوطنية والعربية، لتؤكد حضورها كمدينة متمسكة بالسيادة والعدالة ورفض شرعنة الاحتلال، مستندة إلى تاريخ طويل من الدور الثقافي والسياسي والوطني، وإلى قناعة راسخة بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال واحترام حقوق الشعوب.
وكانت الناشطة والأستاذة في القانون الدولي لينا الطبال حاضرة في فعاليات "الملتقى الوطني في الشمال"، حيث أكدت أن الرسالة الأساسية التي أرادت إيصالها هي أن الشعب اللبناني شعب يحب الحياة، وأنه لا أحد يتوق إلى السلام أكثر من شعب عرف الحرب، وفقد أبناءه، وشيّع شهداءه، وعاش تحت القصف والاحتلال.
وأضافت الطبال في حديثها لـ "العهد" أنه لا يمكن نسيان سنوات الدم، وآلاف الشهداء، والقرى المدمرة، والأطفال الذين ما زال الخوف يسكن عيونهم.
وسألت الطبال: "كيف يمكن مدّ اليد إلى "إسرائيل" فيما لا تزال أرضنا محتلة، وطائرات الاحتلال تنتهك سماء لبنان، والمعتقلون يقبعون في السجون، والعدوان على لبنان مستمر يوميًا وبكل أشكاله؟".
كذلك، أشارت إلى أنه إذا كانت "إسرائيل" جادة في الحديث عن السلام، فإن الطريق واضح، ويتمثل بالانسحاب من كل أرض لبنانية محتلة، ووقف الاعتداءات اليومية على سيادة لبنان، والخضوع للقانون الدولي، وتسليم المسؤولين عن جرائم الحرب، وفي مقدمتهم رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو وكل من شارك في تدمير المدن والقرى وقتل المدنيين.
ورأت أن مطالبة لبنان بالتطبيع مع "إسرائيل" لا تعني السلام، بل تعني نسيان الجرائم، معتبرة أن النسيان يشكل خيانة للعدالة ولدماء الشهداء.
كما اعتبرت الطبال أن الرسالة من طرابلس واضحة: "لا للاحتلال "الإسرائيلي"، ولا للتطبيع معه"، لأن التطبيع مع احتلال مستمر يمنح الشرعية للقوة على حساب الحق، مشددة على أن مقاومة الاحتلال ليست دعوة إلى الحرب، بل هي حق تكفله القوانين الدولية، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة الذي يقر بحق الشعوب في تقرير مصيرها، كما أنها واجب أخلاقي وديني ووطني.
وفي ما يتعلق بدور القوى المدنية والثقافية في مواجهة التطبيع، أكدت الطبال أن هذا الدور أساسي، مشيرة إلى أن المجتمع المدني يستطيع توثيق الانتهاكات، وإطلاق الحملات القانونية، وتنظيم المؤتمرات، وبناء شبكات دولية للدفاع عن الضحايا.
وأوضحت أن المثقفين والفنانين والإعلاميين هم حراس التاريخ والذاكرة الجماعية، وأن صمت المثقف يفتح المجال أمام الاحتلال لكتابة الرواية وحده، معتبرة أن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض ودحر المحتل "الإسرائيلي"، بل هي أيضًا معركة على الرواية والوعي والذاكرة.
وعن موقع طرابلس في القضايا الوطنية، ولا سيما رفض التطبيع، قالت الطبال إن طرابلس مدينة صنعت التاريخ، وكانت على امتداد قرون بوابة المشرق إلى البحر المتوسط، وعاصمة اقتصادية وثقافية وسياسية، ومدينة عربية الهوية والانتماء، ارتبط اسمها بالمقاومة والنهضة والانفتاح.
وتابعت أن قيام دولة لبنان الكبير في عهد الانتداب الفرنسي أدى إلى تبدّل موقع طرابلس في المعادلة السياسية، مع انتقال مركز القرار والثقل الإداري إلى بيروت، وتراجع الدور الذي لعبته المدينة تاريخيًا، معتبرة أن هذا التحول جاء ضمن إعادة رسم التوازنات السياسية بما قلّص نفوذ مدينة عُرفت بعروبتها وحيويتها السياسية ومواقفها الوطنية.
وأضافت أن مئة عام في تاريخ المدن ليست سوى لحظة عابرة، فطرابلس مدينة يتجاوز عمرها آلاف السنين، ولا تُقاس مكانتها بعقود من التهميش، بل بما راكمته من حضارة وثقافة ودور في صناعة تاريخ المنطقة.
وأكدت أن طرابلس لا تبحث عن دور جديد، بل تستعيد دورها الطبيعي، معتبرة أنها "عاصمة العواصم في هذا الشرق" بما تمثله من عمق حضاري وعربي، وما تختزنه من طاقات فكرية وثقافية ووطنية.
ولفتت إلى أنه رغم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها المدينة، فإنها لا تزال قادرة على إنتاج المبادرات الوطنية الجامعة، مشيرة إلى أن رفع صوت رافض للتطبيع، ومدافع عن فلسطين، ومتمسك بالسيادة والعدالة، ليس أمرًا عابرًا.
وختمت الطبال بالقول إن من يظن أن مدينة عريقة مثل طرابلس، بما تمتلكه من تاريخ، يمكن أن تتصالح مع الاحتلال، فهو مخطئ، لأن المدن التي صنعت تاريخها بالمقاومة لا يمكن أن تتخلى عن رسالتها.
وشددت على أن مشاركة أبناء الشمال في الملتقى الوطني تؤكد أن رفض التطبيع خيار وطني يلتقي حوله لبنانيون من مختلف الانتماءات، وأن طرابلس قادرة على أن تكون منصة للحوار الوطني حول قضايا السيادة والعدالة وحقوق الشعوب، وأن تسهم في بناء جبهة مدنية وثقافية وإعلامية تدافع عن القضية وترفض أي مسار يشرعن الاحتلال أو يطبّع معه، انطلاقًا من قناعة بأن السلام الحقيقي لا يقوم إلا على إنهاء الاحتلال، واحترام القانون الدولي، وصون حقوق الشعوب.