نقاط على الحروف
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
السياسة والتاريخ، لا يجيدان المزاح، كما لا يجيدان التسامح، فكل خطأ، سهوًا أو عمدًا، سيتم دفع ثمنه أثمانًا مغلظة، حسب حجم الخطأ ومكانة المخطئ، خصوصًا حين يكون مصير الإمبراطوريات على المحك، وهي تصارع كل عوامل السقوط وشواهد الأفول.
وهي مرحلة تعيشها الولايات المتحدة الأميركية في هذه الحقبة، وكان شعار ترامب "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" قاب قوسين أو أدنى، بل كان عند طرف بنان ترامب، قبل أن يتصرف برعونة شديدة، دون معرفة دوافعه لهذا السلوك، أهي خلفيات سياسية أم نفسية؟ وهل بالأصل هو صنع الفكرة عن سبق إصرار وتخطيط، أم أنها كانت محض ضربة حظ؟
كنا نقول منذ زمن قولًا لا شعبية له، رغم ثبوته بالوقائع، وكل الشواهد أصبحت تدعمه، وهو إن إيران معادل أميركا لا "إسرائيل" في الصراع، وإن حركات المقاومة في المنطقة هي معادل "إسرائيل"، وازداد هذا التصور رسوخًا بعد حرب الأربعين يومًا، وحازت إيران كقوة إقليمية السبق في منافسة قوة القطب العالمي الأوحد، لتصبح رقمًا صعبًا في المعادلة الدولية.
أميركا في هذه المعادلة خاسرة على كل حال، وهي الخسارة التي ستدفعها أميركا من هيبتها وهيمنتها ونفوذها، ومن صورتها أمام حلفائها قبل أعدائها، الذين يتربصون بها الدوائر، وأصبحوا يدعون جهارًا إلى عالم متعدد الأقطاب كروسيا والصين، وستدفعها أيضًا من قدرتها على تنفيذ مشاريعها ومخططاتها للسيطرة على أميركا الجنوبية و"جرين لاند"، وحتى مشاريعها في كوبا قد تتعثر.
لذا بدت عدوانية الكيان تجاه الضاحية الجنوبية لبيروت في الأسبوع الأخير خطوة أميركية بامتياز، حيث قامت إيران بالرد على قصف الضاحية بقصف الأراضي المحتلة في فلسطين. هنا أعاد ترامب عقارب الساعة إلى الوراء، ليجعل من إيران معادل "إسرائيل" في الصراع لا أميركا، فأميركا لم تقم بمشاركة "إسرائيل" في قصف إيران، بل لعبت لعبة الإطفائي وتلبست دور الوسيط.
وكان هذا نجاحًا باهرًا، لكنه انتهى بفشل مريع، وشكل سلّمًا جيدًا للنزول عن الشجرة، التي صعدها بالعدوان على إيران، وترك "إسرائيل" وحدها لأداء المهام القذرة نيابة عنه، مستعيدًا دور الإطفائي، ليسترجع وهج القوة العظمى كوسيط وضامن ومقتدر ليرمم الشروخ التي أصابت قدرة السلاح الأميركي، ولتعود القوة الأميركية الهائلة أداة للردع لا للاستخدام، أي ستعود قوة ردعية بشكل جازم حين التلويح بها، لا سلاحًا للاستخدام والتجريب غير مضمون النجاح وقابل للفشل.
لقد أعاد ترامب المعادلة الحقيقية إلى نصابها، وهي أن إيران معادل أميركا في الصراع لا "إسرائيل"، وأن الكيان مجرد أداة وضيعة، لا إمكانيات ذاتية تؤهله للنباح إذا ابتعد طوقه قليلًا عن يد سيده، وهذا لن يعطيه أفضلية التسيّد على المنطقة، خصوصًا أنها تدرك أن صراعها مع إيران يسمى في علم النزاعات بالصراع الصفري، لأنه صراع مشاريع، لا نزاعًا مؤقتًا على أزمات وخلافات ومصالح آنية، وبالتالي لا يمكن حسمه بجولة عسكرية، وعليه فإن التفاوض هو امتداد للصراع وأحد أوجهه، وأحد أطواره، وفي حال تم الاتفاق يكون عبارة عن استراتيجية لشراء الوقت، وإن لم يتم، سيكون مناورة استنزفت أغراضها.
إن الفرصة الذهبية التي صنعها ترمب، أو صنعها حسن حظه، أضاعها برعونته الأكيدة أو نرجسيته البليدة، التي قد تكون أوحت له، أنه بما أننا على وشك توقيع اتفاق سيئ مع إيران، سنقوم بضربة استعراضية لإحداث ضجة، تغيب معها صورة سوء الاتفاق، مع الإيحاء بأن إيران جاءت للتوقيع تحت النار وتحت ظل الخوف، للتغطية على الفشل في فتح مضيق هرمز بالقوة، قرر إحداث جلبة تفاوضية للتغطية على هذا الفشل الكبير.