عين على العدو
قال الكاتب والمحلل المختص بالشؤون الأمنية والعسكرية في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، رونين برغمان، إن "إسرائيل" هاجمت أمس الأحد 14 حزيران 2026 ظهرًا أهدافًا تابعة لحزب الله في منطقة الضاحية ببيروت، في خطوة نُفذت، بحسب مصادر مطلعة على التفاصيل، بتوجيه من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس، وذلك رغم تحذيرات مسؤولين كبار في قيادة الجيش "الإسرائيلي" من أن إيران قد ترد بإطلاق وابل من الصواريخ الباليستية على "إسرائيل".
وبحسب برغمان، فقد اقترح بعض هؤلاء المسؤولين تأجيل الهجوم ليوم أو يومين، ربما على أمل أن يتم بحلول ذلك الوقت توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وبالتالي يصبح تنفيذ الهجوم غير ممكن، أو أن كاتس ونتنياهو "يهدآن".
وأضاف: "لم تنبع معارضة كبار المسؤولين في الجيش "الإسرائيلي" من طبيعة الهدف نفسه أو من مخاوف عملياتية فورية، بل من التوقيت: ساعات كان الشرق الأوسط بأكمله يقف خلالها، وفقًا لمصادر مطلعة على المفاوضات، على أعتاب توقيع محتمل لاتفاق أميركي - إيراني واسع النطاق".
خلفية الهجوم
وتابع: "وبرغم التحذيرات من أن أي هجوم على الضاحية، حتى وإن كان محدودًا للغاية، سيؤدي إلى إطلاق صواريخ باليستية باتجاه "إسرائيل"، ما سيجبر "إسرائيل" على الرد، ثم تتكرر الحلقة ذاتها، أي احتمال حدوث تصعيد أكبر بكثير من الهدف الأساس للعملية، فإن نتنياهو وكاتس رفضا هذه الاعتراضات وأمرا بتنفيذ الهجوم. ولم يجرِ تنسيق فعلي مع الولايات المتحدة. فقد أُبلغ الجيش الأميركي قبل دقائق معدودة من بدء العملية، في رسالة تهدف إلى إبلاغه بالأمر الواقع، لا إلى التشاور معه".
وأوضح أنه في خلفية القرار، كانت هناك انتقادات داخلية حادة وُجهت إلى نتنياهو خلال عطلة نهاية الأسبوع، سواء من أوساط اليمين أو من إعلاميين يُعدّون مقربين منه. وكان الادعاء الرئيسي أن رئيس الوزراء فقد قدرته على التأثير في السياسة الأميركية، وأنه لم يعد قادرًا على إحباط صفقة ترى القيادة "الإسرائيلية" أنها خطيرة.
ونقل برغمان عن مصدر مطلع على النقاشات قوله، إن نتنياهو "أصيب بالذعر من الانتقادات"، وإنه أمر ببناء الخطاب الإعلامي على أساس الفصل بين إيران ولبنان، والتركيز على النشاط في لبنان، وإنه، في ظل التأكيدات التي قدمها بأن لبنان والضاحية ليسا جزءًا من الاتفاق، أصدر أوامره بتنفيذ الهجوم. أما مصدر آخر فكان أكثر حدة، إذ قال إن هدف العملية كان "تنفيذ عمل تخريبي ضد الاتفاق"، أي محاولة لإشعال مواجهة تمنع توقيعه.
الأزمة التي أشعلتها "إسرائيل"
ووفقًا لمصدر مطلع على التفاصيل، فإن الخطوة "الإسرائيلية" في الضاحية أشعلت خلف الكواليس أزمة فورية. ومن هنا، كان القلق في واشنطن من سيناريو سريع وواضح: رد إيراني يتبعه رد "إسرائيلي"، يتبعه رد إيراني إضافي، ثم خلال ساعات أو أيام ينهار مسار المفاوضات بالكامل، بحسب برغمان.
وأضاف: "قد نقل ترامب إلى الإيرانيين رسائل تهديد، لكنه، في الوقت نفسه، ومن أجل منع انهيار العملية التفاوضية، كان مستعدًا أيضًا للنظر في تقديم تنازلات إضافية. ووفقًا للمصدر نفسه، فإن الهجوم على الضاحية والأزمة التي أدخلت المفاوضات فيها، دفعا ترامب إلى الموافقة على تعديل الجدول الزمني وترتيب خطوات رفع الحصار المفروض على إيران وعلى مضيق هرمز، وهو تعديل صبّ في مصلحة طهران، وتضمن رفع الحصار الاقتصادي فورًا أو شبه ذلك، إذا تخلت إيران عن خططها للهجوم وكانت مستعدة للتوقيع على الاتفاق على الفور".
النتيجة المعاكسة
ولفت برغمان إلى أنه بحسب مسؤول أمني، جاءت النتيجة العملية معاكسة تمامًا لما قد يكون نتنياهو سعى إلى تحقيقه، وقال المسؤول: "ربما اعتقد نتنياهو أنه سيتمكن من دفع الأمور نحو التصعيد والتدهور وانهيار المفاوضات مع إيران إذا هاجمت "إسرائيل" الضاحية". وأضاف: "لكن ما نراه فعليًا هو أن الهجوم حقق النتيجة المعاكسة تمامًا: الاتفاق تلقّى دفعة هائلة من ترامب الذي يدرك المخاطر ويريد التوقيع فورًا، ولذلك أصبح مستعدًا أيضًا لتحسين الشروط أكثر لصالح إيران. وفي الوقت نفسه، قام بإحراج نتنياهو علنًا عندما كشف، مباشرة بعد انتهاء المكالمة معه، مضمونها المحرج لباراك رافيد".
ترامب مستعد لكبح "إسرائيل"
كما قال مصدر آخر إن التصعيد الذي نشأ وضع ترامب، من وجهة نظره، في موقف مستحيل: فمن جهة، لا يستطيع أن يبدو كأن إيران تتحداه وتواصل إطلاق النار؛ ومن جهة أخرى، يريد الوفاء بوعده والتوقيع على الاتفاق. ولذلك، بحسب المصدر، حاول ترامب احتواء الحدث و"إغلاقه"، ومنع "إسرائيل" من جرّ المنطقة بأكملها إلى منحدر خطير.
وبيّن أنه "لا يزال من غير الواضح ما الذي كان نتنياهو يحاول تحقيقه بالضبط، خصوصًا أنه منذ ثلاثة أسابيع يحاول إعادة صياغة قواعد اللعبة في مواجهة حزب الله، وإظهار نفسه للعالم، وخصوصًا لناخبيه، على أنه لا يعمل تحت وصاية ترامب، وأنه قادر على أن يقول له لا، إلا أن المحاولتين السابقتين انتهتا بفرض ترامب لإرادته، وبإحراج جديد لنتنياهو".
وتابع: "لو كان هذا التصعيد المحدود قد تطور أكثر، فلا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن الأمور كانت ستسير بصورة مختلفة؛ بل ربما كانت ستبدو كإعادة عرض لأحداث الأسبوع الماضي: "إسرائيل" تحاول شد الحبل، وإيران تقترب من الرد أو ترد فعلًا، ثم يتدخل ترامب ويحاول احتواء الموقف قبل أن ينفجر. لكن هذه المرة، وبسبب توقيت الهجوم على الضاحية واقترابه المحتمل من موعد توقيع الاتفاق، فإن الثمن السياسي قد يكون أعلى بكثير".
وختم بالقول: "مهما يكن، فقد كشف هذا الحدث، هذه المرة بصورة أكثر وضوحًا وحدّة، عن الفجوة العميقة بين "إسرائيل" وواشنطن. فرئيس الوزراء "الإسرائيلي" وحكومته ينظران إلى الاتفاق الأميركي - الإيراني باعتباره خطوة خطأ تعرض "إسرائيل" لمخاطر جسيمة. أما ترامب، فيرى في الاتفاق إنجازًا شخصيًا وسياسيًا مصممًا على إتمامه، حتى لو تطلب ذلك كبح "إسرائيل"".