اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي كأس العالم| الجمهور الإيراني يرفع لافتة "ميناب 168" في ملعب لوس أنجلوس

مقالات مختارة

تبرّؤ
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

تبرّؤ "إسرائيلي" جماعي من «الهزيمة»: أميركا كَشَفتنا

108

يحيى دبوق – صحيفة الأخبار
تعكس موجة التذمّر "الإسرائيلية" عقب الحرب على إيران شعوراً عميقاً بالانكشاف، بعدما أظهرت المواجهة حدود القدرة "الإسرائيلية" في ظلّ تراجع الغطاء الأميركي، وذلك خلافاً لفائض القوّة الذي كانت تستعرضه، والذي دفع بها إلى حدّ التطلّع إلى قيام «إسرائيل الكبرى».

عكس العويل "الإسرائيلي" المتواصل منذ ليل أول من أمس، والمرشّح لأن يتزايد مع انقشاع الحصيلة الكلّية للحروب التي خاضتها "تل أبيب" خلال السنوات الثلاث الماضية، وآخرها الحرب على إيران، شعوراً عميقاً بالانكشاف، إذ إن الحرب الأخيرة أعادت "اسرائيل" إلى حجمها الطبيعي، باعتبارها كياناً تابعاً للإرادة الأميركية، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً؛ فعندما اضطرّت الولايات المتحدة، بفعل حساباتها الخاصة وضيق خياراتها، إلى وضع سقف لطموحات حليفتها ولقدرتها على المناورة، انكشفت تل أبيب على حقيقتها المُجرّدة. وما إن تَقلّص الدعم الأميركي لـ"إسرائيل" في هذا السياق، حتّى ظهر العجز البنيوي لدى الأخيرة بلا تجميل، وذلك خلافاً لفائض القوّة الذي كانت تستعرضه، والذي دفع بها إلى حدّ التطلّع إلى قيام «إسرائيل الكبرى»، وفق ما تحدّث به زعماؤها.
ولعلّ الوقائع الدرامية التي أعقبت استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، أول من أمس، وفي مقدّمها التهديدات الإيرانية التي أفضت إلى تسريع فرض وقف شامل لإطلاق النار في لبنان تمهيداً لتوقيع مذكّرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، تقدّم دليلاً إضافياً على صحّة ذلك التقدير، إذ بدت الغارة "الإسرائيلية" محاولة يائسة لانتزاع هامش مناورة أخير قبل إقفال واشنطن باب التصعيد - تمهيداً للتفاهم مع طهران -. غير أن هذه «المقامرة» لم تفشل فحسب، بل سرّعت تثبيت الوصاية الأميركية على القرار "الإسرائيلي" أيضاً. وتلك حقيقة لا يغيّر كثيراً فيها ما إذا كانت الولايات المتحدة شريكة في قرار «المغامرة» أو أنها اكتفت بمراقبته قبل التنصّل منه، مع ثبوت فشله.

لكنّ انكشاف هذا العجز لا يعني الإقرار به داخل إسرائيل، بل يبدو الإنكار جزءاً لا يتجزّأ من آلية التعامل معه. ذلك أن الاعتراف بأن "اسرائيل" تفقد جزءاً أساسياً من قدرتها على الفعل بمجرّد غياب الغطاء الأميركي، يبدو أشدّ وطأة على الجمهور "الإسرائيلي" من فكرة العجز عن تحقيق «النصر». ومن هنا، تترافق موجة التذمّر "الإسرائيلية" الحالية مع حملة واسعة لتقاذف المسؤوليات ومحاولة إلصاقها بمن يُزعم أنه تسبّب بهذه الكارثة، أي بنيامين نتنياهو، إذ توجّهت سهام الاتهام نحو هذا الأخير، من قِبل المعارضة ومن جانب أطراف داخل ائتلافه الحاكم أيضاً، في ما تسعى النخب السياسية والإعلامية صاحبة التأثير إلى تقديم رئيس الحكومة ككبش فداء دفَع ثمن المآل الذي وصلت إليه إسرائيل. وتصبّ هذه الأوساط النقد اللاذع على نتنياهو، وتطالب بمحاسبته على ما تصفه بإفشاله لـ"الدولة»، التي باتت، بسبب سياساته، أسيرة للقرارات الأميركية وتابعة لها، وفقدت قدرتها على اتّخاذ قراراتها السيادية، لتكتفي والحال هذه بتنفيذ ما يُملى عليها من الحليف الأكبر.

المواجهة العسكرية مُرشّحة للتكرار، وإن كانت قد رُحّلت حاليًّا إلى أمد غير منظور


لكن هل ما جرى فشل شخصي لنتنياهو نفسه، أم فشل "إسرائيلي" شامل؟ صحيح أن نتنياهو يتحمّل مسؤولية القرار السياسي، لكنّ مراجعة المواقف "الإسرائيلية" عشية الحرب على إيران تكشف صورة مختلفة؛ فمواقف المعارضة والائتلاف على حدّ سواء، وتقديرات المؤسسة العسكرية والأمنية، واستطلاعات الرأي العام "الإسرائيلي"، كلّها أظهرت وقتذاك تأييداً واسعاً لخيار الحرب. وعليه، فإن الفشل لم يكن فشل رجل واحد، بل فشل منظومة كاملة. على أن مفردات من مثل «الفشل» و"الإذلال» و"الكارثة الاستراتيجية» و"الانتكاسة الكبرى»، وغيرها من التعبيرات التي تطغى على الإعلام "الإسرائيلي" اليوم، لا تعبّر فقط عن قراءة موضوعية لنتائج الحرب، بل أيضاً عن سمة نرجسية ملازمة للشخصية "الإسرائيلية"، بشقّيها الفردي والجماعي، إذ إن هذه الشخصية تميل إلى تضخيم انتصاراتها حتّى حدود الأسطرة، كما تميل في المقابل إلى المبالغة في تقدير هزائمها وخسائرها، بما يفوق وزنها وتداعياتها الفعلية على أرض الواقع.

ولا تعنى هذه المقاربة التقليل من حجم الخسارة "الإسرائيلية"، أو القول بإمكانية تجاوزها بسهولة، تماماً كما لا يمكن الادّعاء أن خصوم "اسرائيل" حقّقوا نصراً نهائياً ومُطلقاً؛ فـ"إسرائيل" والولايات المتحدة خسرتا بالفعل، لكنهما خسرتا جولة من صراع لم ينتهِ بعد. صحيح أن للجولة الأخيرة تداعيات عميقة على موازين القوى في المنطقة بدأت تَظهر بالفعل وهي مرشّحة للازدياد في المرحلة المقبلة، إلا أن الصراع ما زال مفتوحاً على احتمالات متعدّدة، في حين ستبقى الفرص والتهديدات قائمة أمام جميع الأطراف. كما أن المواجهة العسكرية مرشّحة للتكرار، وإن كانت قد رُحّلت حاليًّا إلى أمد غير منظور، ومسارات أخرى قد تكون أكثر صعوبة وتعقيداً. مع ذلك، تكفي النتيجة الحالية لإثبات حقيقة أساسية، وهي أن الانتصار على "اسرائيل" والولايات المتحدة ممكن، وإن كان يلقي على المنتصرين مسؤوليات كبيرة للحفاظ على إنجازهم.

في المُحصّلة، يتأكّد أنْ لا مناص من عودة "اسرائيل" إلى حجمها الطبيعي كلّما تباينت توجّهاتها مع توجّهات حليفها الأكبر أميركا، ولا سيما حين تضطرّ الأخيرة، لضيق خياراتها، إلى تغليب حساباتها الخاصة. والجدير ذكره، هنا، أن ضيق الخيارات الأميركية، في الحالة الراهنة، لم يكن نتاج رغبة "إسرائيلية" في التصعيد قوبِلت بالمنع، بل ثمرة مباشرة للضغوط التي فرضتها إيران وحلفاؤها، والتي أوصلت الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى قناعة بحتمية التسوية الإقليمية، في حين ظهرت "اسرائيل" غير قادرة على المبادرة أو الاستمرار في مواجهة استراتيجية كبرى من دون الأميركيين. ومن هذه الزاوية أيضاً، يمكن فهم طبيعة الحرب التي دارت رُحاها في مختلف الساحات؛ فهي كانت، في جوهرها، حرباً أميركية أولاً و"إسرائيلية" ثانياً. ولذلك، فإن أيّ هزيمة تُمنى بها "اسرائيل" في أيٍّ من هذه الساحات هي، في الوقت نفسه، هزيمة للمشروع الأميركي.

الكلمات المفتاحية
مشاركة