اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي أوروبا في الحرب على إيران.. دعم خفيّ للعدوان الأميركي الصهيوني

مقالات مختارة

إيران والحرب: هذه هي مكامن القوة
مقالات مختارة

إيران والحرب: هذه هي مكامن القوة

113

علي حيدر - صحيفة الأخبار

تكشف الجولة الراهنة من التصعيد الأميركي، قياساً إلى المراحل الأولى من الحرب على إيران، تراجعاً واضحاً في السقف العملياتي الأميركي. ففي بداية الحرب، امتدّت الضربات إلى عمق الأراضي الإيرانية، وذلك في سياق رهان على إحداث انهيار واسع في بنية النظام، وصولاً إلى إسقاطه أو إضعافه جذرياً. أمّا اليوم، فقد بات هامش العدوان أضيق، من دون أن يعني هذا التقلّص استحالة العودة إلى حرب أوسع. يعكس هذا التحوّل تبدلاً في موقع الطرفَين داخل المعادلة الاستراتيجية، خصوصاً من جانب الولايات المتحدة التي بات هدفها الأقصى يقتصر على حماية انتشارها العسكري ومصالحها الإقليمية، وإبقاء الممرّ البحري الاستراتيجي مفتوحاً.

يمكن تفسير جانب من ذلك بسوء التقدير الأميركي والإسرائيلي، سواء لمدى تماسك النظام الإيراني، أو لطبيعة المجتمع الإيراني، أو لفاعلية الضربات المركّزة في إنتاج تداعيات سياسية أسرع من قدرة طهران على احتوائها. لكن العامل المشار إليه، لا يكفي وحده لتشريح قدرة إيران على امتصاص الضربات وإعادة تنظيم صفوفها والحفاظ على أدوات الردّ ورفع كلفة الحرب. ومن هنا، تبرز العوامل الجوهرية التي منعت خصوم إيران من تحويل تفوّقهم العسكري إلى إنجاز سياسي واستراتيجي. في مقدّمة تلك العوامل، طبيعة الدولة ومؤسّساتها؛ فقد أظهرت الحرب أن الجمهورية الإسلامية ليست نظاماً هشاً يرتبط بقائد واحد، بحيث يؤدي ضرب رأسه إلى شلل متسلسل، بل هي بنية مؤسّساتية أكثر تماسكاً ممّا افترضه خصومها، تستطيع أجهزة القيادة والقرار فيها العمل تحت ضغط شديد. إلى جانب ذلك، تؤدّي الهوية العقائدية والسياسية دوراً مركزياً في قدرة النظام على تحمّل الضغط. ففي الحال الإيرانية، تمثّل مسائل الاستقلال السياسي والقدرة العسكرية الذاتية ورفض الإملاءات الخارجية، جزءاً من تعريف النظام لذاته ومصادر شرعيته؛ وهذا ما يفسّر صعوبة إخضاعه.

ففي حين انتظرت الولايات المتحدة «تنازلاً عقلانياً محتملاً لتجنّب الحرب»، عدّت إيران أيّ تنازل من النوع المذكور بداية لتفكيك نظامها وفتح الباب أمام فرض مطالب إضافية عليه، الأمر الذي يجعل تحمّل كلفة الحرب بالنسبة إليها أقلّ خطراً من الاستسلام. أمّا عسكرياً، فقد بنت إيران جانباً مهمّاً من قدرتها على الصمود انطلاقاً من إدراكها لاختلال موازين القوة. فهي لم تحاول مجاراة الولايات المتحدة وإسرائيل في التفوّق الجوي والتكنولوجي، بل طوّرت أدوات أكثر تناسباً مع حرب غير متكافئة، من مثل الصواريخ الباليستية والمجنّحة، والطائرات المسيّرة، والمنظومات المتحرّكة، والقدرات الموزّعة والمخفية. ذلك أن توزيع القوة على مواقع ومنصّات ووسائط متحرّكة، يضاعف صعوبة اكتشافها وتعقبها واستهدافها. ومن هذه الزاوية، يشكّل استمرار الردود الإيرانية والقدرة على تهديد قواعد ومصالح حسّاسة، نفياً عملياتياً لسردية التدمير الكامل للقدرة العسكرية الإيرانية.

بنت إيران جانباً مهمّاً من قدرتها على الصمود انطلاقاً من إدراكها لاختلال موازين القوة


ولا تنفصل هذه القدرة عن العامل الاجتماعي؛ فقد افترض الأميركيون والإسرائيليون أن التذمّر الاجتماعي والاقتصادي يعني استعداداً تلقائياً لتأييد الحرب الخارجية، وهذا ما ثبت خطأه. إذ أدّت الحرب، في الحال الإيرانية، إلى تقدّم الهوية الوطنية على الخلافات الداخلية، وتولّد التفاف دفاعي حتى لدى شرائح لا تتطابق مع جميع سياسات النظام -الذي يمتلك أصلاً قاعدة اجتماعية صلبة وقابلة للتعبئة تعزّز تماسكه تحت الضغط-. وإلى جانب عناصر القوة تلك، يضاف موقع إيران الاستراتيجي على مضيق هرمز، الذي يمنحها أداة ردع وضغط سياسي واقتصادي، يمكنها عبرها تقييد حركة الطاقة والملاحة، ورفع كلفة الحماية العسكرية، ونقل جانب من آثار الحرب إلى خصم تفصلها عنه آلاف الكيلومترات.

تُبيّن هذه العوامل مجتمعةً الفارق بين امتلاك التفوق العسكري والقدرة على تحويله إلى نتيجة سياسية، وهي تفسّر سبب تضاؤل السقف العملياتي الأميركي.

أمّا بالنسبة إلى إسرائيل، فالأكيد أن نجاة إيران من حرب واسعة، ومن ثمّ انتقالها من الدفاع إلى المبادرة، يفرض عليها مراجعة فرضيات أساسية في أمنها القومي. فهي عوّلت طويلاً على التفوق الجوي والاستخباري، لكنها تجد نفسها اليوم أمام خصم لا يكفي تدمير جزء كبير من قدراته لإخراجه من المعركة، بل قد يكون اليوم في طور فرض نموذج يغيّر ميزان الردع الإقليمي، ويقيّد حرية إسرائيل في استخدام القوة مستقبلاً.

الكلمات المفتاحية
مشاركة