اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي "إسرائيل هيوم": في العام 2017 ليبرمان طالب بمهاجمة حزب الله وآيزنكوت عارض

مقالات مختارة

ماذا بقي من دعوى الإبادة أمام محكمة العدل الدولية؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

ماذا بقي من دعوى الإبادة أمام محكمة العدل الدولية؟

63

عمر نشابة - صحيفة الأخبار
بعد ثلاثة أوامر ملزمة أصدرتها أعلى محكمة دولية في العالم إلى «إسرائيل» بوقف القتل في غزة، قُتل عشرات آلاف الفلسطينيين، ومُحيت مدن كاملة، وقُصفت مستشفيات ومدارس ومخيمات، ومُنع الغذاء والدواء والماء، واستمر تدفق السلاح والمال والغطاء السياسي الغربي، وبعض العربي، إلى «إسرائيل».

لو كانت الدولة المتهمة روسيا أو إيران أو أي خصم للغرب، لفرضت الولايات المتحدة وأوروبا تنفيذ أوامر المحكمة فوراً، وهددت كل من يسلحها أو يساعدها. لكن عندما تكون الدولة المتهمة «إسرائيل»، تختفي صفة الإلزام من الخطاب الغربي، وتتحول أوامر محكمة العدل الدولية إلى وجهة نظر، والقانون الدولي إلى نص يمكن تأويله.
هذا هو المعنى الحقيقي للملف الجديد الذي قدمته جنوب أفريقيا إلى المحكمة في 25 آب الماضي: المشكلة لم تعد في إثبات عدم امتثال «إسرائيل» لأوامرها، بل في أن الدول القادرة على فرض الامتثال لا تريد ذلك، وهي الدول نفسها التي أمضت عقوداً في مطالبة العالم باحترام القانون الدولي.

الملف الموسّع الذي قدّمته جنوب أفريقيا يوثّق عدم امتثال إسرائيل للتدابير الموقتة التي أصدرتها المحكمة، وسيُعرض على لجنة من القضاة تتابع تنفيذ التدابير وتبحث في الخيارات المتاحة. وهو لا يشكل دعوى جديدة أو حكماً نهائياً أو أمراً رابعاً، بل مجموعة أدلة تثبت أن الأوامر الثلاثة الصادرة عام 2024 بقيت من دون تنفيذ. وتؤكد بريتوريا أن الوقائع اللاحقة لصدور الأوامر تثبت عدم امتثال «إسرائيل»، مشيرة إلى أن حصيلة الضحايا حتى آب 2026 تجاوزت 73 ألف قتيل و174 ألف جريح، بالتزامن مع تدمير واسع للمستشفيات والمدارس والمساكن وشبكات المياه والصرف الصحي.

وكانت جنوب أفريقيا رفعت دعوى في 29 كانون الأول 2023، متهمةً «إسرائيل» بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وأصدرت المحكمة أوامر في 26 كانون الثاني و28 آذار و24 أيار 2024، ألزمت «إسرائيل» بموجبها وقف القتل الجماعي، ومنع التحريض العلني والمباشر عليه والمعاقبة عليه، وضمان وصول المساعدات والخدمات الأساسية إلى الفلسطينيين، والحفاظ على الأدلة. وفي أيار، أمرتها أيضاً بوقف الهجوم والأعمال العسكرية في رفح، والامتناع عن فرض ظروف معيشية على الفلسطينيين تؤدي إلى قتلهم وتدميرهم.

هذه التدابير ليست نصائح أخلاقية ولا تمنيات دبلوماسية، بل أوامر قضائية ملزمة قانوناً، تصدر لحماية الناس من خطر بالغ قبل اكتمال المحاكمة. وعندما أصدرت المحكمة أوامر موقتة في قضايا تتعلق بدول خصمة للغرب، لم تتردد الولايات المتحدة والدول الأوروبية في التشديد على إلزاميتها. أما حين صدرت بحق «إسرائيل»، فبدأ تفريغها من مضمونها.

منذ عقود، تستخدم الولايات المتحدة والدول الأوروبية القانون الدولي أداةً في سياستها الخارجية. تفرض العقوبات باسم الشرعية الدولية، وتعاقب الدول المتهمة بعدم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وتطالب باحترام المحاكم الدولية، وتربط المساعدات والاتفاقيات بما تسميه النظام الدولي القائم على القواعد. لكن غزة كشفت أن المقصود ليس نظاماً قائماً على قواعد عامة، بل قواعد تُطبّق على الضعفاء والخصوم.

فالولايات المتحدة لم تكتفِ بالصمت عن عدم تنفيذ الأوامر، بل واصلت تقديم السلاح والتمويل والدعم السياسي لـ«إسرائيل»، ومنحتها الغطاء الدبلوماسي لمنع مجلس الأمن من اتخاذ إجراءات فعالة. أما الدول الأوروبية، فواصلت إصدار بيانات القلق من دون أن يترتب عليها وقف للأسلحة أو تعليق للاتفاقيات أو فرض عقوبات جدية. بل أخفق الاتحاد الأوروبي مراراً في تعليق اتفاقية الشراكة مع «إسرائيل». كما عرقلت دول أوروبية، في مقدمتها ألمانيا وإيطاليا، حتى الإجراءات المحدودة المقترحة بحقها.
المفارقة لم تعد أخلاقية فقط، بل قانونية أيضاً. فالدول الأطراف في اتفاقية الإبادة الجماعية ليست ملزمة بالامتناع عن ارتكاب الإبادة فحسب، بل يقع عليها واجب منعها. وبعد صدور ثلاثة أوامر عن محكمة العدل الدولية تتحدث عن خطر حقيقي ووشيك، لم يعد في إمكان أي حكومة غربية الادعاء بأنها لم تكن تعرف به.

تملك محكمة العدل الدولية صلاحية إصدار الأحكام والأوامر، لكنها لا تملك شرطة أو جيشاً أو جهازاً تنفيذياً. وهي تعتمد على امتثال الدول وعلى تحرك المؤسسات السياسية، وخصوصاً مجلس الأمن. والمشكلة ليست في ضعف النصوص القانونية، بل في انتقائية القوة السياسية. القانون موجود، والمحكمة أصدرت أوامرها، والأدلة تتراكم، والضحايا معروفون، والدول الغربية أُبلغت بالخطر رسمياً. ما ينقص ليس دليلاً جديداً، بل قراراً سياسياً بأن حياة الفلسطينيين تستحق الحماية نفسها التي تمنحها هذه الدول لغيرهم.

ويوثّق ملف جنوب أفريقيا استمرار القيود على الغذاء والمياه والدواء والوقود، وعرقلة عمل الصحافيين والمحققين والهيئات الإنسانية، فضلاً عن غياب تحقيقات جدية في التحريض على الإبادة. ويبقى الحكم النهائي من اختصاص المحكمة، لكن انتظار صدوره لا يبرر ترك الناس يُقتلون في الفترة الفاصلة؛ فهذه تحديداً هي الغاية من التدابير الموقتة.

وفي لبنان أيضاً، تطالب الدول الغربية لبنان يومياً بتنفيذ القرارات الدولية حرفياً، وتلقي عليه دروساً في السيادة واحترام الالتزامات الدولية. لكن عندما تنتهك «إسرائيل» سيادته، وتحتل أرضه، وتقصف بلداته، وتقتل المدنيين، تختفي فجأة لغة الإلزام. يحلّ مكانها تعبير خجول عن القلق ودعوات إلى ضبط النفس.

من قانا إلى الضاحية والجنوب والبقاع، قُتل مدنيون ودُمّرت منازل ومؤسسات، فيما بقيت التحقيقات الدولية محدودة والملاحقات شبه معدومة. أصبح قتل اللبنانيين والفلسطينيين حدثاً يعقبه بيان إدانة ثم دعوة إلى ضبط النفس. وهكذا لم يعد الإفلات "الإسرائيلي" من العقاب استثناءً أو نتيجة لفشل عابر. بل قاعدة يصنعها الدعم الأميركي ويحميها العجز الأوروبي والتطبيع العربي.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة