مقالات مختارة
فراس الشوفي - صحيفة الأخبار
أثار قرار البابا لاوون الرابع عشر، الذي عبّر عنه الكرسي الرسولي الأسبوع الماضي من خلال رسالة «التفاهم المشترك» (Mutua concordia)، جدلاً واسعاً في لبنان. وتتضمّن الرسالة تعديلات على القانونين 106 و126 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، بما يتيح للسينودس عزل البطريرك، ضمن شروط وإجراءات بالغة الدقة.
وكان لافتاً حجم الاهتمام الشعبي بالقرار، ولا سيما بين أتباع الكنيسة المارونية في لبنان، إذ امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بالآراء والنقاشات حول خلفياته وتداعياته. وبرز، في هذا السياق، حديث عن صلة مُحتملة بين التعديلات الجديدة وما يُقال عن نية روما التمهيد لعزل بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للموارنة، الكاردينال بشارة الراعي. وفيما بادر عدد من المطارنة إلى تقديم توضيحات حول مضمون التعديلات وأبعادها، إلا أنها لم تحسم الجدل، ولم تقدّم أجوبة قاطعة عن حقيقة وجود صلة بين الخطوة الفاتيكانية والحديث المُتداول عن مستقبل الراعي.
ويُقصد بالكنائس الشرقية الكنائس الكاثوليكية الست المرتبطة بالكرسي الرسولي في الشرق، وهي الكنائس القبطية والسريانية والكلدانية والأرمنية والروم الكاثوليك والمارونية. وليس سراً أن الكنيسة المارونية في لبنان تبدو الأقل إظهاراً لصراعاتها الداخلية بين هذه الكنائس، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة. إلا أن الكنائس الست تواجه فعلياً أزمات عميقة؛ وتنظر إليها روما باعتبارها تواجه تحدّيات وجودية، إذ يتهدّد الزوال رعاياها في دول مثل سوريا والعراق وفلسطين، بفعل الحروب والنزاعات، بينما تعاني في لبنان من هجرة قاسية وتراجع اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.
ومنذ انتخابه في أيار 2025، أظهر البابا لاوون الرابع عشر ميلاً واضحاً إلى اتخاذ مواقف صريحة وجريئة حيال القضايا الدولية وقضايا الكنيسة والإنسان، في استكمال وتزخيم لبعض سياسات البابا فرنسيس. فهو لم يتردّد في معارضة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قضايا عدة، من الحرب على إيران إلى اختطاف رئيس فنزويلا، كما أدان حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وطالب بالوقف الفوري للحرب في أوكرانيا، ورفض سياسات مكافحة الهجرة التي تنتهجها الإدارة الأميركية الحالية، وكذلك توظيف الدين لخدمة أهداف عسكرية وسياسية.
كما طرح لاوون دعوة واضحة إلى «ارتداد بيئي شامل لحماية الخليقة والبيت المشترك»، رابطاً الأزمة البيئية بالسياسات الاقتصادية السائدة وبأزمة أخلاقية واجتماعية أوسع، ومعتبراً أن الحروب والنزاعات لا تدمّر البشر والمجتمعات فحسب، بل تستنزف النظم البيئية وتقضي على أشكال الحياة. وهو موقف يضعه في تناقض واضح مع الحرب الإعلامية والقانونية التي تشنّها الإدارة الأميركية الحالية على سياسات الحدّ من التغيّر المناخي، ومع دعمها للوبيات الوقود الأحفوري وسياسات الاستخراج.
ولم تنجح محاولات ترامب لانتزاع تأييد شامل ومُسبق من الفاتيكان لسياساته الحالية، أو في وضع الكرسي الرسولي «تحت جناحه»، مستنداً في ذلك إلى كون لاوون أول بابا مولود في الولايات المتحدة، وإلى تزامن انتخابه مع عودة ترامب إلى سدّة الرئاسة لولاية ثانية. فقد جاء المسار الذي اختاره لاوون على النقيض من هذه الرهانات؛ إذ يتّخذ البابا موقفاً نقدياً ومستقلاً عن سياسات الإدارة الأميركية، ويتلقّى الهجمات المعنوية التي يشنّها ترامب عليه وعلى موقعه، ويستند في مواقفه الرافضة للحروب والإبادة والتمييز والاستغلال، إلى مرجعية إنجيلية وفكرية راسخة، وإلى رسالة يسوع في الدفاع عن الإنسان. كما يوظّف خبرته الواسعة واطّلاعه المباشر على أوضاع الكنائس ورعاياها، ولا سيما في أميركا اللاتينية والشرق، في صياغة مواقفه، بما أظهر بوضوح أكبر انحياز الكنيسة ضد سياسات الهيمنة والتوسّع.
وفي داخل الكنيسة، سعى لاوون أيضاً إلى خلق دينامية إصلاحية داخلية تنطلق من الكنائس نفسها، وتعيد تحريك المؤسسات الكنسية من الداخل. وفي هذا السياق، تداولت دوائر فاتيكانية أفكاراً عدّة لإحياء هذه الدينامية، من بينها تعزيز مفهوم «السينودسية»، ولا سيما في الكنائس الشرقية.
وفيما تمّ تجاوز طرح تحديد سقف زمني لعمر الحبر الأعظم في الكرسي الرسولي، تمهيداً لفرض سقف مماثل على أعمار رؤساء الكنائس الشرقية، كون ذلك لا ينسجم مع طبيعة موقع البابا، بوصفه «خليفة بطرس الرسول، رأس الرسل وحافظ الرسالة»، ولأنه لا يمكن فرض قيد زمني على رؤساء الكنائس الشرقية من دون أن ينسحب القيد نفسه على رأس الكنيسة الكاثوليكية، فإن الطرح الذي انتقل من دائرة الأفكار إلى حيّز التنفيذ، كان ما تضمّنته الرسالة الصادرة في 29 آب الماضي، من توسيع هامش دور السينودس في المساهمة في إصلاح الكنيسة والتأثير فيها، ومحاولة كسر حالة الجمود التي تعانيها بعض الكنائس الشرقية.
وتجسّد ذلك في منح «سينودس الكنائس البطريركية»، من خلال إجراء منظّم، صلاحية عزل البطريرك من منصبه عندما تصبح العلاقة بينه وبين السينودس، «لأسباب خطيرة»، متضرّرة بصورة يتعذّر إصلاحها. وفي المقابل، حافظ الإجراء على حق البطريرك في الدفاع الكامل عن نفسه أمام السينودس، كما أبقى للكرسي الرسولي صلاحية الموافقة على قرار السينودس، «للتأكد من ضمان الحرية الكاملة للأساقفة في التعبير عن خيارهم، وحمايتهم من أي ضغط غير مشروع مُحتمل، داخلياً كان أم خارجياً».
وخلال ولاية البابا فرنسيس، حاول الكرسي الرسولي إيجاد حلول لأزمات عدد من الكنائس الشرقية، لكن هذه المساعي لم تفضِ إلى حلول حاسمة. بل إن روما، خلال عهد فرنسيس وبعد انتخاب لاوون، أوحت وألمحت (بالأسلوب «الروتالي» الفاتيكاني)، إلى رؤساء الكنائس الشرقية بأفضلية تقديم استقالاتهم، كمدخل لتفكيك بعض الخلافات المستعصية بين البطاركة والسينودسات. ووحده بطريرك الكنيسة الكلدانية السابق لويس ساكو التقط الإيحاءات الآتية من روما وحوّلها إلى خطوة عملية، فتقدّم باستقالته التي قبلها الفاتيكان في أيار الماضي.
يقرّ الجميع بأن لدى البابا لاوون نظرة نقدية في السياسة ورغبة في إحياء الدور الرعوي للكنيسة لمنع هجرة أبناء الشرق سواء كان السبب سياسياً أو اقتصادياً
ولا يمكن فصل المسار الفاتيكاني الجدّي لإعادة إحياء الجسم الإداري الكنسي للكنائس الشرقية عن خطوة تعيين المطران ميشال جلخ، من الرهبنة الأنطونية، أميناً لسرّ دائرة الكنائس الشرقية في الفاتيكان. ويتولّى جلخ، في مهمته الجديدة، متابعة قضايا الكنائس الشرقية الكاثوليكية وشؤونها، وتنسيق علاقتها بالحبر الأعظم، مع صلاحيات إدارية واسعة تتجاوز، في بعض جوانبها، الصلاحيات الإدارية الممنوحة للبطاركة في هذه الكنائس. وبات جلخ يضطلع بدور أساسي في العمل اليومي والإداري المتصل بمختلف الكنائس الشرقية، إلى حدّ أن عدداً من مطارنة المناطق بدأوا يتذمّرون من تنامي مركزية دوره.
ولا ينظر الكرسي الرسولي إلى أزمة الكنائس الشرقية باعتبارها أزمة عابرة أو ظرفية، بل يتعامل معها بقلق متزايد، خشية عدم قدرة هذه الكنائس على أداء دور فاعل في مساعدة رعاياها على مواجهة الظروف القاسية التي تعيشها المنطقة، والحفاظ على وجودها، بعد الخسائر الكبيرة التي لحقت بالوجود المسيحي في الشرق خلال العقود الأخيرة.
ومن هذا المنظور الوجودي، لا يتعامل الفاتيكان مع مسيحيّي الشرق من زاوية كاثوليكية أو مارونية لبنانية فحسب، بل ينظر إلى مجمل الوجود المسيحي في المنطقة، بما يشمل رعايا الكنائس غير الكاثوليكية. إلا أن ذلك لا يلغي الأهمية الخاصة التي يمنحها الكرسي الرسولي لدور البطريرك الماروني، باعتباره رافعة للكنائس الشرقية من خلال موقع الكنيسة في لبنان. وهذا ما يضفي أيضاً بعداً سياسياً على موقع البطريركية المارونية التي طُوّب أخيراً أبرز رموزها وأبرز المؤسّسين لدولة لبنان الكبير البطريرك الياس الحويّك.
في بداية تولّيه منصبه، أبدى البطريرك الراعي تفهّماً عميقاً للرؤية الفاتيكانية، وتحرّك ضمن الفضاء الأوسع الذي ترسمه روما للوجود المسيحي المشرقي. إلا أن مواقف الراعي انحسرت تدريجياً في السنوات الأخيرة، بالتوازي مع تصاعد أصوات التشكيك في صيغة الحويّك، من قوى وشخصيات مختلفة، من دون أن تواجه هذه الأصوات بردّ كنسي حاسم.
فتمسّك الراعي في قرارة نفسه بلبنان الحويك، وبالصيغة التي تجعل من لبنان الكبير مساحة لحياة مشتركة بين أبنائه، لم يعد يصل إلى الجمهور بالوضوح والقوة الكافييْن، في ظل سيل من الدعوات والمواقف المتناقضة التي تتقاذف الرأي العام من كل حدب وصوب. وهذا التمسّك بلبنان الكبير، بما يعنيه من صيغ الحياة الواحدة للبنانيين، عبّر عنه بشكل واضح البابا لاوون في زيارته للبنان بحضور الراعي، وتحرص الدوائر الفاتيكانية عن التذكير به عبر قنواتها المختلفة.
لكن ما يصل إلى الفاتيكان من لبنان لا يقتصر على هذه الصورة. فثمة مُعطيات تثير القلق في روما، من بينها الانتقادات المتزايدة لمظاهر البذخ التي تحيط ببعض المقرّبين من البطريرك الراعي، وما يُنظر إليه على أنه غياب للكنيسة عن أداء دور ريادي في مواجهة الأزمات، أو عن توظيف مواردها بما يساعد على تعزيز صمود أبناء الرعية، فضلاً عن المساحة التي تعطيها الكنيسة لمصرفيين متّهمين بهدر أموال اللبنانيين.
ورغم عدم وجود مؤشرات إلى أن أياً من أساقفة السينودس يسعى حتى الآن إلى استخدام الصلاحية الجديدة التي أقرّها الفاتيكان، إلا أن القرار فتح الباب أمام نقاش جديد داخل الكنائس الشرقية، ومنح الأساقفة هامشاً أوسع للأخذ والرد، وهيّأ مناخاً يمكن أن تخرج منه أفكار إنقاذية جديدة لإعادة تفعيل دور الكنيسة المارونية في مواجهة التحدّيات التي يرصدها الكرسي الرسولي.
وتزداد أهمية هذا المسار إذا ما قرّرت سينودسات الكنائس الشرقية الأخرى التعامل مع الصلاحية الجديدة باعتبارها أداة لحل أزمات مُزمنة، ولا سيما مع تداول معلومات عن تغييرات مُرتقبة في الكنيستين السريانية والأرمنية.
وفي المقابل، تبرز خشية أخرى من أن يؤدّي هذا التعديل، رغم أهميته الإصلاحية، إلى إضعاف موقع البطريرك، أيّاً يكن، في مواجهة السينودس، وأن يتحوّل من أداة لمعالجة الأزمات إلى مدخل لإخراج التباينات الداخلية إلى العلن.