مقالات مختارة
انتخابات كسر العظم: «غودو» "إسرائيل" غير آتٍ
"إسرائيل" أمام مأزق بلا مخرج واضح: نتنياهو يتراجع، لكن خصومه عاجزون عن تشكيل أكثرية من دون العرب الذين ترفض قوى أساسية في المعارضة الاعتراف بهم شركاء في الحكم.
حسين الأمين - صحيفة الأخبار
تتحضرّ "إسرائيل" لانتخابات مفصلية يُفترض أن تُجرى أواخر تشرين الأول المقبل، وسط منافسة حامية تتصدّرها وجوه يمينية لا تفتأ تُزايد بعضها على بعض في التطرّف. وعلى الرغم من أن الجميع يتعامل مع هذه المعركة باعتبارها «كسر عظم»، إلا أن معظم التوقّعات لا تنبئ بتحقّق أغلبية حاسمة لأيّ طرف، ما يعني، في الصورة الصغرى، أن "إسرائيل" ستكون مقبلة على دوامة سياسية جديدة، وفي الصورة الأعمّ، أنه لا «غودو» موعوداً بعد الانتخابات، سيكون في إمكانه، بعصا سحرية، معالجة معضلة الأمن القومي التي يعيشها الكيان حالياً.
تتّجه "إسرائيل" نحو فصل إضافي من أزمتها السياسية، ولو بصيغة جديدة يُتوقّع أن تفرزها انتخابات «الكنيست» المرتقبة أواخر تشرين الأول/ أكتوبر المقبل. فمعظم الاستطلاعات تضع حزب «ياشار»، بقيادة غادي آيزنكوت، في الصدارة، وتُظهر «الليكود» عند أحد أضعف مستوياته منذ سنوات، فيما يبقى معسكر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعيداً عن أكثرية الـ61 مقعداً. غير أن تراجع نتنياهو لا يقابله تشكّل بديل قادر على الحكم؛ إذ تتوزّع القوى المناهضة له بين يمين متطرف، ووسط ليبرالي، ويسار صهيوني، وأحزاب عربية تحتاج المعارضة إلى أصواتها، فيما ترفض قوى أساسية فيها الاعتراف بها شريكاً شرعياً.
ويمنح أحدث استطلاعات قناة «كان»، مثلاً، أحزاب ائتلاف نتنياهو الحالي 48 مقعداً، ترتفع إلى 52 مع حزب «عمخا يسرائيل» الجديد، بقيادة عوفر فينتر، في مقابل 55 للمعارضة، و13 للقائمتَين العربيتَين. وبذلك، تتفوّق المعارضة على معسكر نتنياهو، لكنها تبقى دون عتبة الـ61، في حين يرتفع رصيد القوى المناهضة لزعيم «الليكود» حسابياً إلى 68 إذا أضيفت إليها القائمتان العربيتان. أمّا استطلاع صحيفة «معاريف»، فيرسم صورة أشدّ قتامة بالنسبة إلى نتنياهو، إذ يمنح 43 مقعداً لأحزاب ائتلافه التقليدية، و48 مع فينتر، مقابل 59 للمعارضة، التي تقترب في هذه الحال من الأكثرية من دون أن تبلغها بمفردها.
وهكذا، فإن بلوغ القدرة على تشكيل الحكومة، يبقى جوهر المأزق. ففي استطلاع «كان»، تحتاج المعارضة إلى ستة مقاعد إضافية، وفي استطلاع «معاريف» إلى مقعدَين، ما يجعل بلوغ الأكثرية ممكناً عبر الاستناد إلى الأحزاب العربية، أو استقطاب «شاس» أو قوة أخرى من معسكر اليمين. غير أن هذه الاحتمالات تصطدم بخطوط حمر أعلنها عدد من قادة المعسكر المناهض لنتنياهو، فضلاً عن أن الأخير لا يزال يقود المعسكر الأكثر انضباطاً والتصاقاً بمرشّحه. ولذا، قد يخسر «الليكود» الصدارة من دون أن يخسر نتنياهو القدرة على تعطيل قيام حكومة بديلة، فيما قد يفوز «ياشار» بأكبر عدد من المقاعد من دون أن يملك طريقاً إلى رئاسة الحكومة، لتقترب إسرائيل بذلك من «كنيست» معلّق، تكون الكلمة الفصل فيه لمفاوضات ما بعد الاقتراع.
التنافس لا يتجاوز اليمين
لا يعكس صعود آيزنكوت تحولاً يسارياً في المجتمع "الإسرائيلي"، ولا تراجعاً عن العقيدة الأمنية التي كرّستها سنوات الحرب، بل يعكس انتقالاً في مركز الثقل داخل اليمين من نتنياهو إلى شخصية عسكرية تعارض إدارته من داخل المنظومة نفسها. فرئيس الأركان السابق لا يطرح «تسوية سياسية شاملة مع الفلسطينيين»، ولا يقدّم حزبه بديلاً أيديولوجياً من اليمين، وإنما يركز على المساءلة عن إخفاق السابع من أكتوبر، وتوسيع «الخدمة العسكرية»، وتشكيل قيادة أمنية أقلّ خضوعاً للاعتبارات الشخصية لرئيس الحكومة. وتفسّر هذه الموقعية تقدّمه على نتنياهو في اختبارات الملاءمة لرئاسة الحكومة؛ إذ منحه استطلاع «معاريف» 48% مقابل 37% لنتنياهو، فيما أعطاه استطلاع «كان» 40% مقابل 37%. لكن قوة آيزنكوت لا تختصر بصورته الشخصية، بل تنبع أيضاً من كون حزبه يستقطب ناخبين يريدون تغيير القيادة من دون الانتقال إلى اليسار، مستفيداً في ذلك من تآكل «الليكود»، ومن ضعف بيني غانتس، ومن عجز تحالف نفتالي بينيت ويائير لبيد عن التحوّل إلى القوة الكبرى التي كانا يراهنان عليها. والأمر نفسه ينسحب على نفتالي بينيت، الذي يمثّل اليمين القومي في الكيان، ويأكل من القاعدة الشعبية للأحزاب اليمينية، ويرفع شعارات اليمين نفسها تقريباً، باستثناء مسألة تجنيد «الحريديم» الذين يطالب بتجنيدهم أسوة بباقي "الإسرائيليين".
تراجع نتنياهو لا يفتح تلقائياً طريقاً لآيزنكوت
وفي موازاة ذلك، أحدثَ دخول عوفر فينتر وحزبه «عمخا يسرائيل» شرخاً إضافياً داخل اليمين؛ ففينتر يقتطع أصواتاً من «الليكود» و«الصهيونية الدينية»، ويهدّد خصوصاً موقع بتسلئيل سموتريتش، لكنه لا يطرح نفسه بديلاً ائتلافياً من نتنياهو، وإن أعلن أنه لن يوصي لرئاسة الحكومة إلا به. وهكذا، فإن الحزب الجديد قد يضعف مكوّنات ائتلاف نتنياهو خلال الحملة، لكنه يمكن أن يعود إلى ترميمها بعد الانتخابات، شرط أن يَعبر نسبة الحسم، وألّا يؤدّي تنافسه مع القوائم اليمينية الصغيرة إلى إهدار كتلة واسعة من الأصوات.
الأصوات «المحروقة» تبتلع اليمين الديني
يبدو أن من بين أكثر العوامل الحاسمة في المشهد الانتخابي، مصير القوائم التي تتأرجح حول نسبة الحسم البالغة 3.25%. إذ يشير استطلاع «معاريف» إلى أن نحو 8% من عموم الأصوات تتوزع على أحزاب لا تتجاوز العتبة، وهو ما يعادل نظرياً قرابة عشرة مقاعد. وإذا استمرّت هذه القوائم في خوض الانتخابات منفردة، فقد يخسر أحد المعسكرات فرصته في الحكم من دون أن يكون قد خسر عدداً مماثلاً من الناخبين. ويظهر هذا الخطر بوضوح داخل اليمين، حيث تتنافس «الصهيونية الدينية» بزعامة سموتريتش، وحزب «عمخا يسرائيل»، و«البيت الصهيوني – الاحتياط»، إلى جانب مبادرات أصغر، على قاعدة انتخابية متقاربة. وبينما ينجح إيتمار بن غفير في تثبيت حزبه عند سبعة أو ثمانية مقاعد، يقف سموتريتش على حافة نسبة الحسم، بعدما كان أحد أعمدة حكومة نتنياهو وأبرز ممثّلي المشروع الاستيطاني. ويكشف هذا التفاوت انزياحاً داخل اليمين الديني المتطرّف نفسه، من النخبة الاستيطانية الأيديولوجية التي يمثّلها سموتريتش إلى الشعبوية الكهانية الأكثر صخباً واتساعاً التي يقودها بن غفير. لذلك، يضغط نتنياهو من أجل دمج القوائم اليمينية الصغيرة ومنع تكرار سيناريو «حرق الأصوات». إلا أن الاندماج لا يضمن، بالضرورة، زيادة مجموع مقاعد المعسكر، إذ قد ينقذ سموتريتش من السقوط، لكنه قد ينفّر ناخبين يفضّلون بن غفير أو فينتر منفردَين؛ علماً أن بن غفير لا يزال يعلن رفضه الاندماج مع سموتريتش، حتى الآن. ومن هنا، تتّجه الأنظار إلى عملية إيداع القوائم التي تنتهي مساء الثامن من الشهر الجاري، حيث إن اتصالاً واحداً ينتهي باتحاد قائمتَين ما، قد يعيد خمسة مقاعد أو أكثر إلى الحساب، فيما قد يحرم العناد الشخصي معسكر نتنياهو من فرصة الاقتراب من الـ61.
العرب ضرورة حسابية... وشريك مرفوض
تعيد الاستطلاعات الأحزاب العربية إلى موقع «بيضة القبّان»؛ إذ تمنح «القائمة المشتركة»، التي تضمّ «حداش» و«تعال» و«بلد» ثمانية مقاعد -كما في أحدث استطلاعات «كان» و«معاريف»-، فيما تحصل «راعم»، بقيادة منصور عباس، على خمسة، لترتفع القوة العربية مجتمعة إلى 13 مقعداً. وفي استطلاعات أخرى، تنخفض إلى نحو 11، لكنها تبقى، في الحالَين، قادرة على منع نتنياهو من بلوغ الأكثرية أو منح خصومه غطاءً عددياً لتشكيل حكومة. غير أن المعارضة الصهيونية تقع هنا في تناقض واضح؛ فهي تحتاج إلى العرب لإسقاط نتنياهو، فيما ترفض قوى أساسية داخلها تحويلهم إلى شركاء سياسيين مُعلنين. وفي هذا الإطار، تعهّد بينيت بعدم تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، ويعارض أفيغدور ليبرمان، بدوره، أيّ ائتلاف معها، بينما يُبدي «الديمقراطيون» استعداداً أكبر للتعاون، ويترك آيزنكوت هامشاً للمناورة من دون أن يحسم شكل العلاقة.
من جهته، يحاول منصور عباس تسويق حزبه «راعم» من بوابة فصل المطالب المدنية والاقتصادية عن الموقف القومي الذي تتبنّاه مكوّنات «القائمة المشتركة»، وإقناع الوسط الصهيوني بأن الشراكة معه لا تعني تغيير هوية «الدولة» أو برنامجها الأمني. ومن هنا، يجري عباس محادثات مع النائب السابق عن «يش عتيد» وضابط الشرطة السابق يوآف سيغالوفيتش، سعياً إلى وضع شخصية يهودية في موقع متقدّم على قائمة «راعم»؛ إذ من شأن هكذا خطوة أن تخفّف اعتراض بعض ناخبي الوسط على الاستناد إلى الحزب، وتمنح القوى المناهضة لنتنياهو صيغة أسهل لتبرير التعاون مع عباس. إلا أن التحدي لا يقتصر على هوية القوائم، بل يشمل نسبة الاقتراع في المجتمع العربي. فارتفاع هذه النسبة يمكن أن يضيف مقاعد تغيّر توازن المعسكرات، فيما سيؤدي العزوف إلى تقليص القوة العربية، حتى لو نجحت جميع القوائم في تجاوز نسبة الحسم.
«حكومة وحدة» على حساب نتنياهو؟
إذا بقيت الأرقام على حالها، فقد يكون السيناريو الأكثر استقراراً حسابياً هو الأكثر صعوبة سياسياً في الوقت نفسه، أي سيناريو حكومة صهيونية واسعة تضمّ «ياشار» و«الليكود» وتحالف بينيت ولبيد، وربّما «إسرائيل بيتنا» أو حزباً إضافياً. ففي استطلاع «كان»، يصل مجموع الأحزاب الثلاثة الأولى إلى 59 مقعداً، ويرتفع بسهولة فوق الـ61 بإضافة شريك صغير. وفي استطلاع «معاريف»، يبلغ مجموعها 60 مقعداً قبل احتساب أيّ حزب آخر. غير أن العقبة الأساسية أمام هذه الصيغة ليست عددية، بل شخصية، وتتمثّل في بقاء نتنياهو على رأس «الليكود». إذ يرفض آيزنكوت منح المسؤولين عن إخفاق السابع من أكتوبر تفويضاً جديداً، فيما بنى جانباً كبيراً من حملته على مبدأ المساءلة واستبدال القيادة. وفي المقابل، لا يُظهر «الليكود»، حتى الآن، استعداداً لإزاحة نتنياهو أو الدخول في حكومة يرأسها خصمه.
ولذلك، قد تَعقب الانتخابات، إذا لم تفضِ إلى أغلبية واضحة، معركة داخل «الليكود» نفسه؛ فإمّا أن يحافظ نتنياهو على تماسك حزبه ويواصل تعطيل قيام حكومة بديلة، وإمّا أن تبدأ شخصيات في الحزب البحث عن صيغة تتيح لها البقاء في الحكم من دونه. ويفسّر هذا الاحتمال سعي قوى صغيرة، من بينها غانتس وغلعاد إردان وحيلي تروبر ويوعاز هندل، إلى بناء ما يوصف بـ«الكتلة الثالثة». فهذه القوى لا تملك، منفردة، فرصة جدّية لعبور نسبة الحسم، لكن اندماجها يمكن أن ينتج كتلة وسطية صغيرة تفرض حكومة وحدة، أو تمنح «الليكود» ممرّاً للانفصال عن نتنياهو، من دون تسليم الحكم كاملاً إلى آيزنكوت.
انتخابات لإعادة تركيب النظام
لا يبدو أن الانتخابات المقبلة في "إسرائيل" ستفضي إلى حسم المعركة السياسية التي يعيشها الكيان منذ سنوات. إذ قد تنتقل زعامة المعسكر المناهض لنتنياهو إلى آيزنكوت، ويعاد تشكيل اليمين الديني حول بن غفير وفينتر، ويُستبعد سموتريتش، وتستعيد الأحزاب العربية موقعها كقوة مرجِّحة. لكن مفتاح الحكومة سيبقى معلقاً على تنازل لم يقدّمه أحد بعد، مثل تراجع بينيت أو ليبرمان عن رفض العرب و«الحريديم»، أو انتقال حزب «شاس» إلى المعسكر المقابل المعارض لنتنياهو، أو تخلّي «الليكود» عن الأخير. ومن دون واحد من هذه التحوّلات المصيرية، ستكون النتيجة الأرجح «كنيست» بلا أكثرية طبيعية، ومفاوضات طويلة لتفكيك المعسكرات، وربما جولة جديدة من الأزمة السياسية التي دخلتها "إسرائيل" قبل سنوات ولم تخرج منها فعلياً، بما يعني إمكانية إعادة الانتخابات أكثر من مرّة.