اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي إنذارات العدو.. نهجٌ متعمّد لتهجير أصحاب الأرض

مقالات

كيف يستفيد العرب من درس الانتصار الإيراني؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات

كيف يستفيد العرب من درس الانتصار الإيراني؟

128

كاتب من مصر

الانتصار الإيراني على أميركا وذيولها لم يكن ينتظر مذكرةً للتفاهم أو اتفاقًا، فهو انتصار جلي بدت ملامحه منذ احتواء إيران لضربة الصدمة والرعب وامتلاك زمام المبادرة والتفاف الشعب الإيراني حول القيادة ونظام الثورة وإعلانه التحدي والصمود.

وتأتي مذكرة التفاهم بملابساتها وملامح الاتفاق بعناوينه العامة كتكريس وإعلان لهذا الانتصار التاريخي، والذي يعلن انتصار المقاومة على الاستعمار ووحشيته إذا امتلكت المقاومة الشجاعة والقوة والوحدة في مواجهة الطغيان، مهما كان المناخ المحيط مليئًا بالتواطؤ والخذلان.

وبمعزل عن نكوص معتاد أو غدر مبيت، فقد أعلنت إيران أنها تتعاطى مع العدو الأميركي بظاهر ممارساته، وأنها تتفاوض وتوقع مذكرات التفاهم في مناخ من عدم الثقة، وأن يدها على الزناد، وأن أي نكوص أو غدر أو تلاعب سيعيدها لمربع الحرب، فهي لا تستجدي سلامًا زائفًا ولا تتراجع عن ثوابتها ومبادئها وحلفائها طلبًا للسلامة والخلاص الفردي.

ولتشابك القضايا والملفات والتحديات التاريخية وتقاطعها بين الأمة العربية وإيران، فمن الواجب استعراض هذا الانتصار الإيراني بعين عربية عاشت ذات التحديات وكانت استجابتها مختلفة عن الاستجابة الإيرانية، وهو ما يعطي عبرةً ودرسًا لا بد أن يستخلصه العرب من غير المنتمين لمحور المقاومة، كي تستفيق الأمة العربية لأن التوازنات الجديدة قد تعصف بكل من لا يلتزم عقيدة الاستقلال الوطني والمقاومة، وذلك عبر العناوين المختصرة الآتية:

أولًا: الذهنية العربية والاستعمار والمقارنة مع رؤية الثورة الإسلامية:

على مدى قرون، عانت الأمة العربية من الاستبداد أكثر من الأزمنة التي عانت فيها من الاستعمار، حيث لم تعتبر دول الخلافة وولاياتها مثل العثمانيين وغيرهم استعمارًا، وهذا الاستبداد والفساد هو من جلب الاستعمار إلى المنطقة، وورثت الأمة هذه النظرة للاستعمار حيث اعتبرته قدرًا يفوق طاقتها على المواجهة، بل ولجأت بعض الحركات إلى الاستعانة بالاستعمار للخلاص من الاستبداد بوعود زائفة للاستقلال والحكم الذاتي.

ومع تنامي حركات التحرر الوطني ونجاحها في الوصول إلى السلطة وتدشين المقاومة للاستعمار، ظلت دول أخرى مثل مشيخات الخليج موالية للاستعمار وشكلت خصمًا للمقاومات، كما لم تنجح حركات التحرر الوطني وسط معاركها في غرس ثقافة للمقاومة تحمي مكتسباتها وتحافظ على النهج الثوري في حال الانقلاب عليها، حيث ارتبطت الشعوب بالزعامات والأشخاص أكثر من ارتباطها العقائدي بالمقاومة.

بينما قامت الثورة الإسلامية في إيران على مقارعة الاستكبار كجزء من العقيدة الدينية ولم تعتبر الاستعمار قدرًا بل عدوانًا ينبغي مقاومته، ولم تربط المقاومة بشخص بل بعقيدة وحق هو المرجعية في تقييم الأشخاص وفقًا لالتزامهم، ويُعرفون بالحق ولا يُعرف الحق بهم.

وهذا التمايز للثورة الإسلامية منع كثيرًا من الانحرافات عن الخط المقاوم وشكل جدارًا صلبًا أمام الاستعمار، وكسر الحواجز النفسية للمقاومة، وهو ما أدى إلى نجاح الجمهورية الإسلامية في تلافي العديد من الأخطاء العربية والاستفادة من الدروس التاريخية، وفشلت أميركا في استخدام الأساليب التي جربتها الإمبراطوريات بنجاح مع الأمم المستضعفة مثل العصا والجزرة وفرق تسد وغيرها.

ثانيًا: الذهنية العربية في التفاوض وصلابة ودقة إيران:

لم يخضع العرب لتجربة المفاوضات كثيرًا، بل كانت أشبه بتسويات وإملاءات في معظم المحطات، ولعل تجربة ما بعد حرب 1973 كانت كاشفة لعدم وحدة الرؤية والهدف، ما فرّق الصفوف وجعل التفاوض منفردًا ومن موقع الضعف بدلًا من الحرص على امتلاك أوراق القوة.

وقد خضع العرب في تفاوضهم لنيل المكاسب العاجلة بمعزل عن الرؤية الاستراتيجية لوعود الرخاء والأحلام المؤجلة.

كما لم يتحرَّ العرب الدقة في الصياغات والمصطلحات، وتركوا بنودًا فضفاضة شكلت لاحقًا اختراقات عميقة.

والأخطر أن العرب سمحوا بتمرير الاختراقات دون رد، ما شكل مسارًا لاستباحة الاختراق والهدر للتسويات شكلًا ومضمونًا.

بينما وجدنا المفاوض الإيراني لا يستجدي التفاوض ولا يهرول إليه، ولا يخضع للمساومات، ولا يمرر اختراقًا، ما يوصل رسالة جدية ويأسًا للعدو في الجني بالسياسة ما فشل به في الحرب.

ثالثًا: دور العقيدة الصلبة في الانتصار:

بُني الانتصار الإيراني على عقيدة صلبة لا تتزعزع برفض الذلة وعدم البخل بالتضحية باعتبارها واجبًا وتكليفًا، كما استند إلى مخزون حضاري يعتمد على العلم والتنظيم واتخاذ أسباب القوة، ما راكم تجربة مقاومة قائمة على المؤسسات والاستمرارية والرؤية الاستراتيجية العلمية لتوصيف الصراعات وقراءة العدو بعمق ومعرفة مكامن قوته وضعفه، والاستراتيجية الناجحة في مواجهته.

رابعًا: الوفاء للحلفاء:

ولا شك أن القيم الروحية التي تحلت بها الثورة الإسلامية كانت غريبة عن القاموس السياسي والاستراتيجي للغرب، وفشلت أميركا وذيلها الصهيوني، بل وذيولهم من العرب ممن ساروا في دربهم، في التعاطي مع هذه القيم الروحية والإنسانية، بسبب الانخراط في مدارس براغماتية ميكافيلية واعتبارها التعريفات الوحيدة للسياسة.

وشكلت هذه القيم الإنسانية وعلى رأسها الوفاء للحلفاء عاملًا كبيرًا في النصر وربط الساحات ووحدتها والاستخدام الأمثل للقوة.

خامسًا: كسر الحواجز النفسية واقتحام الأحلام المؤجلة:

الأهم في التجربة الإيرانية هو شجاعتها وإقدامها وإيمانها بقدسية معركة العزة ومواجهة الاستكبار، وإيمانها الحقيقي بالنصر مهما كانت العوامل الموضوعية لفروق القوة وخذلان الأمة، وهو ما كسر الحواجز النفسية وأفسد رهانات العدو، وتحول التحرير وطرد الاستعمار والتحول إلى قوة عالمية إلى هدف في المتناول وليس حلمًا مؤجلًا تتم إحالته إلى مستقبل مجهول وأجل غير مسمى، وبرهانات غير مضمونة على تغير الظروف والمستجدات، بل آمنت إيران والمقاومة بأن سواعد المقاومين وإرادتهم هي التي تغير التوازنات وتصنع المستجدات.

إن تجربة انتصار إيران استراتيجيًا وتحولها إلى قوة إقليمية كبرى ذات وزن عالمي معتبر يجب أن تصبح درسًا مستفادًا لكل المستضعفين وتزيد من ثقتهم وإيمانهم، وأن تصبح عبرة لأنظمة الهوان والانبطاح باعتبار سيدهم الذي ظنوا أنه إله في الأرض يمكن إخضاعه لإرادة المقاومين وأصحاب الكرامة والعزة مهما كانت الصعوبات والتحديات.

الكلمات المفتاحية
مشاركة