اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الشيخ بلال شعبان يزور مقام السيدة خولة (ع) على رأس وفد من حركة التوحيد الإسلامي

مقالات

كيف تحوّلت نهاية الحرب إلى مكسب لطهران وخسارة استراتيجية لـ
🎧 إستمع للمقال
مقالات

كيف تحوّلت نهاية الحرب إلى مكسب لطهران وخسارة استراتيجية لـ"إسرائيل"؟

248

لم يكن الجدل "الإسرائيلي" حول مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية نابعًا من رفض إنهاء الحرب فقط، وإنما أيضًا انطلاقًا من طبيعة التسوية التي رافقت هذا الإنهاء. فالمعضلة، وفق القراءة "الإسرائيلية"، تكمن في أن المذكرة أعادت ترتيب أولويات الصراع بطريقة منحت إيران مكاسب سياسية واقتصادية واستراتيجية مبكرة، بينما أرجأت القضايا التي تعتبرها "إسرائيل" جوهر الحرب إلى مفاوضات لاحقة أو تركتها من دون معالجة واضحة. وبذلك، انتقلت طهران من موقع الطرف الذي كان يُفترض أن يدفع ثمن الحرب إلى موقع الشريك الذي يفاوض على مستقبل المنطقة من موقع أكثر قوة.

ومن هذه الزاوية، تبدو المذكرة وكأنها تعكس انتقال مركز الثقل من الميدان العسكري إلى الطاولة السياسية، فـ"إسرائيل" نجحت، خلال الحرب، في تحقيق إنجازات عملياتية وعسكرية، إلا أن ترجمة هذه الإنجازات إلى مكاسب سياسية طويلة الأمد لم تتحقق. وفي المقابل، استطاعت إيران استثمار صمودها العسكري والسياسي لتحويل نهاية الحرب إلى بداية مرحلة تفاوضية أكثر ملاءمة لمصالحها.

أولًا: تأجيل الملفات الجوهرية... أكبر إنجاز تفاوضي لإيران

أبرز ما تكشفه المذكرة هو أن الملفات التي شكلت المبرر الأساسي للحرب لم تُحسم، بل أُجِّلت إلى الاتفاق النهائي. فمصير التخصيب، ومستقبل المواد المخصبة، وآليات الرقابة، بقيت جميعها خارج إطار مذكرة التفاهم.

وهذا التأجيل لا يمثل مجرد مسألة إجرائية، بل يمنح إيران وقتًا ثمينًا ويبدل ميزان التفاوض. فبدلًا من أن تدخل الجولة المقبلة تحت ضغط العقوبات والعمليات العسكرية، تدخلها بعد حصولها على حزمة واسعة من المكاسب الاقتصادية والسياسية، بينما تكون الولايات المتحدة قد تخلت مسبقًا عن جزء مهم من أدوات الضغط التي كانت تملكها.

ومن هنا ترى "إسرائيل" أن واشنطن قدمت معظم الحوافز في بداية الطريق، في حين أبقت التزامات إيران الحقيقية إلى مرحلة لاحقة غير مضمونة.

ثانيًا: إسقاط الملف الصاروخي من أولويات التسوية

من أكثر ما أثار القلق "الإسرائيلي" غياب البرنامج الصاروخي الإيراني عن المذكرة بصورة شبه كاملة.

فالبرنامج الصاروخي كان دائمًا أحد أعمدة التهديد الذي تتحدث عنه "إسرائيل"، إلا أن الوثيقة لم تتضمن أي التزام إيراني بشأنه. بل إن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي اعتبر فيها امتلاك إيران للصواريخ أمرًا طبيعيًا ما دامت دول أخرى في المنطقة تمتلكها، حملت رسالة واضحة بأن الإدارة الأميركية لم تعد تنظر إلى هذا الملف باعتباره شرطًا لإنهاء الأزمة.

وبذلك، تكون إيران قد نجحت في إخراج أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى "إسرائيل" من إطار المفاوضات الحالية.

ثالثًا: مضيق هرمز... من ورقة ضغط إلى دور إقليمي معترف به

قبلت إيران عدم جبي رسوم لمدة ستين يومًا، وذهبت أبعد من ذلك عندما نصت على حوار تقوده إيران مع سلطنة عمان والدول الساحلية حول إدارة الخدمات البحرية والإدارية في المضيق مستقبلًا.

وهنا تكمن الدلالة السياسية الحقيقية، فبدلًا من التعامل مع إيران باعتبارها مصدر تهديد للملاحة الدولية، أصبحت شريكًا في رسم النظام الإداري للمضيق الذي يعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.

وبذلك، لم تخسر طهران ورقة هرمز، بل تحولت هذه الورقة إلى عنصر يمنحها دورًا مؤسسيًا في أي ترتيبات مستقبلية، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام أدوات غير مباشرة لتنظيم المرور البحري.

رابعًا: مكاسب اقتصادية تعزز استقرار النظام

اقتصاديًا، تبدو المكاسب الإيرانية أكثر وضوحًا، فالمذكرة تسمح باستئناف تصدير النفط الخام والمنتجات البتروكيميائية، وهو ما يعني إعادة فتح أهم مصدر للعملات الصعبة بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني.

كما أنها تتيح الإفراج عن الأموال والأصول المجمدة، من دون حصر استخدامها بالمجالات الإنسانية فقط، بل تمنح البنك المركزي الإيراني هامشًا واسعًا في تحديد أوجه إنفاقها.

ويضاف إلى ذلك إنشاء صندوق اقتصادي لإعادة الإعمار بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، وهو ما يمنح النظام الإيراني فرصة لتقديم الاتفاق داخليًا باعتباره تعويضًا عن أضرار الحرب وانتصارًا سياسيًا واقتصاديًا، حتى لو لم يكن التمويل أميركيًا مباشرًا.

خامسًا: إدخال لبنان في قلب التفاهم

من أهم التحولات التي أبرزتها المذكرة الربط المباشر بين الساحة اللبنانية والتفاهم الأميركي-الإيراني.

فأي تصعيد "إسرائيلي" في لبنان يمكن لإيران أن تعتبره تهديدًا لتنفيذ الاتفاق أو سببًا لتعثر المفاوضات المقبلة، ما يمنحها أداة ضغط سياسية إضافية على واشنطن و"تل أبيب" معًا.

وبذلك، يتحول لبنان من ساحة مواجهة منفصلة إلى جزء من معادلة إقليمية أشمل، تصبح فيها أي عملية عسكرية "إسرائيلية" مرتبطة مباشرة بمصير التفاهمات مع إيران.

سادسًا: "إسرائيل"... إنجازات عسكرية وفشل استراتيجي

في المقابل، تنظر "إسرائيل" إلى نتائج المذكرة باعتبارها دليلًا على الفجوة بين الإنجاز العسكري والنتيجة السياسية.

فالهدف "الإسرائيلي" لم يكن مجرد وقف الحرب، بل تحويل الإنجازات العسكرية إلى واقع استراتيجي دائم يمنع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية والصاروخية ويضمن استمرار حرية العمل "الإسرائيلية"، خصوصًا في لبنان.

غير أن المذكرة لم تحقق أيًا من هذه الأهداف بصورة نهائية، بل أجلتها أو تجاوزتها، بينما منحت إيران مكاسب مباشرة منذ اليوم الأول.

ومن هنا جاء الانطباع "الإسرائيلي" بأن الحرب انتهت قبل أن تحقق أهدافها السياسية.

سابعًا: استبعاد "إسرائيل" من رسم النهاية

ومن أكثر الرسائل إيلامًا داخل "إسرائيل" أن واشنطن تفاوضت مع طهران حول شكل نهاية الحرب من دون مشاركة "إسرائيل" في صياغة هذه الترتيبات.

فـ"إسرائيل" كانت شريكًا رئيسيًا في العدوان العسكري، لكنها لم تكن شريكًا في إنتاج التسوية السياسية.

ويزداد هذا الشعور لأن القضايا التي تناولتها المذكرة تمس الأمن "الإسرائيلي" مباشرة؛ من مستقبل البرنامج النووي، إلى لبنان، وحرية العمل ضد حزب الله، وآليات الرقابة، ومع ذلك صيغت جميعها داخل إطار أميركي-إيراني.

وهذا يعكس تراجع قدرة "إسرائيل" على التأثير في القرار الأميركي عندما تتعارض أولوياتها مع أولويات البيت الأبيض.

ثامنًا: اختلاف الأهداف بين ترامب و"إسرائيل"

تكشف المذكرة أيضًا عن اختلاف واضح في تعريف النجاح بين الجانبين.

فـ"إسرائيل" كانت تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإيران بصورة دائمة، بينما كان هدف ترامب أكثر براغماتية؛ إنهاء الحرب سريعًا، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف الضغوط الاقتصادية العالمية، وتسويق إنجاز سياسي للرأي العام الأميركي.

وبالتالي، أصبحت الأولوية الأميركية هي تثبيت الاستقرار، لا استكمال الضغوط على إيران.

تاسعًا: تراجع النفوذ "الإسرائيلي" في واشنطن

وتشير القراءة "الإسرائيلية" كذلك إلى أن الأزمة كشفت ضعفًا متراكمًا في مكانة "إسرائيل" داخل النظام السياسي الأميركي.

فبعد سنوات من تركيز العلاقات مع الجمهوريين وترامب تحديدًا، تراجعت علاقاتها مع قطاعات واسعة من الحزب الديمقراطي والوسط الليبرالي، الأمر الذي قلّص هامش المناورة عندما ظهر الخلاف مع البيت الأبيض نفسه.

وأصبح اعتماد "إسرائيل" على الولايات المتحدة أكبر من أي وقت مضى، بينما أصبحت قدرتها على التأثير في السياسة الأميركية أقل مما كانت عليه في السابق.

الخاتمة

تكشف مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية عن مفارقة استراتيجية لافتة. فالدولة التي دخلت الحرب تحت ضغط عسكري واقتصادي كبير خرجت منها وهي تمتلك مسارًا لرفع العقوبات، واستئناف تصدير النفط، واستعادة الأصول المجمدة، وصندوقًا لإعادة الإعمار، ودورًا معترفًا به في مضيق هرمز، إضافة إلى ربط الملف اللبناني بالمفاوضات مع واشنطن، من دون تقديم تنازلات حاسمة في الملفات التي كانت تمثل جوهر الصراع، وفي مقدمتها الصواريخ ومستقبل البرنامج النووي.

وفي المقابل، وجدت "إسرائيل" نفسها أمام معادلة معاكسة؛ إنجازات عسكرية لم تُترجم إلى مكاسب سياسية دائمة، وتأجيل للقضايا التي تعتبرها تهديدًا وجوديًا، وتراجع في هامش تأثيرها على القرار الأميركي، فضلًا عن تضييق متوقع لحرية حركتها في لبنان مع تحول التفاهم إلى التزام سياسي تسعى واشنطن إلى حمايته.

ومن ثم، فإن القراءة "الإسرائيلية" للمذكرة لا ترى فيها مجرد اتفاق مرحلي، بل تعتبرها نقطة تحول في ميزان التفاوض؛ إذ انتقلت إيران من موقع الدفاع إلى موقع الشريك الذي يفاوض من موقع قوة، بينما انتقلت "إسرائيل" من السعي إلى فرض شروط نهاية الحرب إلى محاولة الحد من آثار تسوية لم تكن هي من صاغ قواعدها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة