مقالات
كاتب من لبنان
انتهت المفاوضات في سويسرا على مستوى سياسي رفيع بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأميركية بوساطة باكستان وقطر إلى وضع خارطة طريق وآليات عمل تهدف الى تثبيت مذكرة التفاهم التي أرساها الجانبان.
ومن أبرز نتائجها الأولية الاتفاق على تشكيل آلية لمراقبة استمرار وقف الحرب بحضور الوسطاء، ربطًا بالبند الأول من التفاهم الذي يؤكد على وقف النار في جميع الجبهات بما فيها لبنان. وهذه الآلية الجديدة تُعرف باسم "خلية فضّ النزاع" والهدف منها ضمان أن يكون وقف النار في لبنان مستدامًا، وفق ما أوضحت الخارجية الإيرانية. وتبلَّغَ الرئيس اللبناني جوزاف عون من نائب الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء القطري نتائج مفاوضات سويسرا فيما يتعلق بلبنان لا سيما موضوع إنشاء الخلية المشار إليها.
بهذا، لم يعد وقف العدوان "الإسرائيلي" على لبنان موضوعًا لبنانيًا- "إسرائيليًا" بحتًا كما تبحثه مفاوضات واشنطن التي يديرها الجانب الأميركي، وإنما صار جزءًا من آلية إيرانية-إقليمية - أميركية مُلزمة وبندًا أول في المحادثات بين إيران وأميركا، وهو ما اعتُبر تحولًا في الإستراتيجية الأميركية التي سعت على مدى أشهر للفصل بين المسارين، بحسب شبكة "سي بي إس" الأميركية.
حين تبدّلت الموازين: من شروط "إسرائيل" إلى شروط محور المقاومة
ما كان لهذا التطور أن يحصل لولا أن الحرب انتهت الى مأزق للطرفين الأميركي و"الإسرائيلي" بفعل صمود الجمهورية الإسلامية والمقاومة في لبنان، ثم حدث نوع من الافتراق بين المصالح الأميركية الكبرى والأهداف "الإسرائيلية" الأمنية والتوسعية، وهذا ما أدى الى انكشاف "إسرائيلي" أمام ضغوط أميركية بعد تسليم واشنطن بنتائج الحرب، بينما لم يسلّم بها الجانب "الإسرائيلي" إلى الآن ويحاول استيعابها والتقليل من آثارها إن لم يستطع التملص منها.
لقد اتضح أن "إسرائيل" التي جرّت أميركا الى الحرب ضد إيران أضحت وحدها في نهاية الحرب، وهذه "ورطة" و"مأزق إستراتيجي كبير"، وفق تعبير موفد القناة 13 "الإسرائيلية" أور هيلر الى سويسرا، حيث أشار الى أن البيان الختامي للمفاوضات الإيرانية- الأميركية يتحدث عن آلية لإنهاء الصراع في لبنان بدون أن يذكر "إسرائيل" أو يكون لها دور في الحدث.
بناءً على هذا التوصيف، يمكن القول إن العدو "الإسرائيلي" بات في أسوأ وضع له منذ بداية الحرب: يتعرض لتهديد إيراني في حال أخلّ بوقف النار ومبدأ الانسحاب خلال فترة الستين يومًا للمفاوضات، ولضغوط أميركية تنطلق من أن على "إسرائيل" أن تتكيف مع المصالح الأميركية التي تقضي بفتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب في لبنان والمنطقة. يتعرض العدو للضغط ليس من أجل وقف النار فقط، بل للانسحاب من لبنان أيضًا، وهذا يهدد المكاسب الجغرافية التي حققها العدو خلال الحرب على لبنان حيث سيطر على أجزاء من الجنوب، وكان يصرح بأنه سيُبقي عليها كمنطقة أمنية عازلة يضمها الى المناطق الأمنية في سوريا وغزة.
وتتسبب هذه المفارقة بين بداية الحرب ونهايتها، وكذلك بين المكاسب الجغرافية المتحققة وميزان الصراع المستجدّ، إلى حالة تململ في الوسط السياسي الصهيوني: بعضهم يدفع الى التمرد على الولايات المتحدة ورفض وقف الحرب والانسحاب من لبنان، وبعضهم الآخر يدعو إلى مراجعة جردة الأرباح والخسائر وعدم المجازفة في توسيع الفجوة مع الحسابات الأميركية. ويؤيد الفريق الأخير تقديم بعض التنازلات مثل تقليص حجم القوات في جنوب لبنان خلال الأيام المقبلة أو إخلاء بعض المواقع مثل قلعة الشقيف أو القيام بانسحاب جزئي من منطقة "الخط الأصفر" لامتصاص الضغوط.
الفرصة الذهبية التي قد يضيّعها لبنان
على الجانب اللبناني، توجد فرصة مهمة لتعزيز موقع لبنان في المطالبة بوقف العدوان "الإسرائيلي" الذي أخذ شكل استباحة مفتوحة مثل "حرية العمل العسكري" على الأراضي اللبنانية كافة، والاحتفاظ بالسيطرة على المناطق اللبنانية التي احتُلت مؤخرًا بل وزيادة مساحتها لغايات إستراتيجية. فللمرة الأولى منذ بدء المفاوضات المباشرة بين الحكومة اللبنانية والكيان الإسرائيلي، يتعزز موقع لبنان كبلد ودولة في مطالبته بوقف العدوان عليه والانسحاب "الإسرائيلي" من أراضيه، ولم يعد في موقع المتلقي للشروط "الإسرائيلية" أو الذي يبحث عن اتفاق مع "إسرائيل" كيفما كان بحجة أن الموازين مختلّة وأن لبنان ليس لديه خيار لإنهاء العدوان والاحتلال إلا بتلبية الشروط "الإسرائيلية" التي تجعل لبنان مسرحًا للعمليات "الإسرائيلية" والمفهوم الأمني "الإسرائيلي" والتدقيق في خصوصيات العلاقات اللبنانية الداخلية.
هذه الوضعية الجديدة تتطلب من الحكومة اللبنانية إعادة النظر في أدائها التفاوضي السابق الذي يأخذ منحى الاستسلام للرؤية "الإسرائيلية" التي تُترجم "غريزة البقاء للأقوى"، وهذه الرؤية تتحدث عن "حق" الملاحقة والاستهداف في لبنان حتى لو كان أي "تهديد" غير ناشط فعليًا، إضافة الى "حق" السيطرة الدائمة على نقاط جغرافية حاكمة في لبنان وفرض ما يشبه منطقة عازلة خالية من السكان.
المعادلة الجديدة التي أرستها مذكرة الجولة الأولى من المفاوضات الإيرانية- الأميركية تقوّي موقف لبنان وتعزّز مطالبه المشروعة، وتشكل آلية ضغط حقيقية على المحتل "الإسرائيلي". وفي حال واصل لبنان الرسمي المضي في المفاوضات وكأن شيئًا لم يكن، فإنه يفوّت فرصة ذهبية للضغط على الاحتلال "الإسرائيلي" وإرغامه على الانسحاب من الأراضي اللبنانية واستعادة السيادة عليها. وعليه، فإن محاولة "تقريش" ما جرى حتى الآن من ترسيخ بند وقف الحرب على لبنان واستعادة سيادته على أرضه كأولوية في المفاوضات الإيرانية- الأميركية على أنها استدخال غير مرغوب فيه للنفوذ الإيراني إلى لبنان، تُعدّ تقزيمًا للحدث وتفريطًا بعنصر قوة يمكن توظيفه بكل تأكيد لمصلحة لبنان. ونحن نتحدث هنا عن توافر ضغط أميركي اضطراري للمرة الأولى على المفاوض "الإسرائيلي": قبل التوصل الى التفاهم الأميركي- الإيراني، كان الأميركيون يُملون مواقف دعم خالص للرؤية "الإسرائيلية"، وهذا تجلى في بيان التفاهم اللبناني- "الإسرائيلي" الذي أذاعته واشنطن في نيسان / أبريل الماضي ونص على "حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس" بدون الوقوف على حق لبنان بصورة مماثلة، وخلا كذلك من الإشارة الى موضوع الانسحاب "الإسرائيلي". وبسبب هذه الرؤية الأميركية المساندة لـ"إسرائيل"، استمرت الحرب العدوانية "الإسرائيلية" على نحو شرس وترافقت مع عمليات توغل برية عدة، ما أوقع المئات والمئات من الشهداء وتسبب بدمار واسع في البنى المدنية اللبنانية. وفي المقابل، أدى الإصرار الإيراني على وقف الحرب في لبنان الى تغيير في المقاربة الأميركية بحيث اضطرت واشنطن الى الضغط على "إسرائيل" لوقف النار، وهذا ما تم فعلًا في اليومين الماضيين، إضافة الى دخولها في الحديث عن انسحاب ولو جزئي من المنطقة المحتلة، حتى من دون انتظار نتائج المفاوضات اللبنانية- "الإسرائيلية" في العاصمة الأميركية. وهذا الفارق يجب أن يكون محل نظر وعناية من الجانب اللبناني الرسمي.
غير أن التجربة الماضية والمعطيات الحالية لا توحي بوجود مثل هذه المراجعة من جانب رئيس الجمهورية الذي يقود رسميًا المفاوضات من الجانب اللبناني، وهو يمشي واثق الخطى خلف المسار الذي بدأه في الأشهر الماضية، غير ناظر الى توسيع قاعدة التفاهم الداخلي حول هذا الشأن الخطير ولا الى توفير مقومات النجاح للنتائج التي يتوخاها مستقبلًا: ماذا لو وقّع اتفاقًا مع الجانب "الإسرائيلي"، لكنه لا يملك التأييد الكافي للمضي فيه، كما فعل الرئيس أمين الجميل في تجربة اتفاق 17 أيار/ مايو 1983 والتي أدت الى تداعيات داخلية سياسية وأمنية خطيرة. ألا يشكل ذلك بداية تعثر لعهده وأزمة قد لا يستطيع البلد الخروج منها بسهولة؟
من دون شك، فإن الجانب "الإسرائيلي" قد يرى في تلهف السلطة اللبنانية للتوصل الى اتفاق ثنائي بدون البناء على توازن القوى الجديد في المنطقة، فرصة للقيام بمناورة سياسية بعد إخفاق مناورته العسكرية البرية في تحقيق النتائج المطلوبة، عن طريق تحصيل مكاسب سياسية وأمنية لم يستطع تثبيتها على الرغم من شراسة الحرب التي شنها على لبنان. وبدوره، فإن الجانب الأميركي سيسعى لأن يضخّم أي انسحاب جزئي "إسرائيلي" ويقدمه كبادرة "حسن نية" ويطلب ثمنًا مرتفعًا مقابله، في حين أن "الإسرائيلي" لم يكن في وارد الانسحاب قبل أن تفرض إيران هذا الأمر على طاولة المفاوضات مع الأميركي. لبنان بين تفاهم سويسرا ومفاوضات واشنطن: هل تهدر السلطة اللبنانية الفرصة؟
انتهت المفاوضات في سويسرا على مستوى سياسي رفيع بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأميركية بوساطة باكستان وقطر إلى وضع خارطة طريق وآليات عمل تهدف الى تثبيت مذكرة التفاهم التي أرساها الجانبان.
ومن أبرز نتائجها الأولية الاتفاق على تشكيل آلية لمراقبة استمرار وقف الحرب بحضور الوسطاء، ربطًا بالبند الأول من التفاهم الذي يؤكد على وقف النار في جميع الجبهات بما فيها لبنان. وهذه الآلية الجديدة تُعرف باسم "خلية فضّ النزاع" والهدف منها ضمان أن يكون وقف النار في لبنان مستدامًا، وفق ما أوضحت الخارجية الإيرانية. وتبلَّغَ الرئيس اللبناني جوزاف عون من نائب الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء القطري نتائج مفاوضات سويسرا فيما يتعلق بلبنان لا سيما موضوع إنشاء الخلية المشار إليها.
بهذا، لم يعد وقف العدوان "الإسرائيلي" على لبنان موضوعًا لبنانيًا- "إسرائيليًا" بحتًا كما تبحثه مفاوضات واشنطن التي يديرها الجانب الأميركي، وإنما صار جزءًا من آلية إيرانية-إقليمية - أميركية مُلزمة وبندًا أول في المحادثات بين إيران وأميركا، وهو ما اعتُبر تحولًا في الإستراتيجية الأميركية التي سعت على مدى أشهر للفصل بين المسارين، بحسب شبكة "سي بي إس" الأميركية.
حين تبدّلت الموازين: من شروط "إسرائيل" إلى شروط محور المقاومة
ما كان لهذا التطور أن يحصل لولا أن الحرب انتهت الى مأزق للطرفين الأميركي و"الإسرائيلي" بفعل صمود الجمهورية الإسلامية والمقاومة في لبنان، ثم حدث نوع من الافتراق بين المصالح الأميركية الكبرى والأهداف "الإسرائيلية" الأمنية والتوسعية، وهذا ما أدى الى انكشاف "إسرائيلي" أمام ضغوط أميركية بعد تسليم واشنطن بنتائج الحرب، بينما لم يسلّم بها الجانب "الإسرائيلي" إلى الآن ويحاول استيعابها والتقليل من آثارها إن لم يستطع التملص منها.
لقد اتضح أن "إسرائيل" التي جرّت أميركا الى الحرب ضد إيران أضحت وحدها في نهاية الحرب، وهذه "ورطة" و"مأزق إستراتيجي كبير"، وفق تعبير موفد القناة 13 "الإسرائيلية" أور هيلر الى سويسرا، حيث أشار الى أن البيان الختامي للمفاوضات الإيرانية- الأميركية يتحدث عن آلية لإنهاء الصراع في لبنان بدون أن يذكر "إسرائيل" أو يكون لها دور في الحدث.
بناءً على هذا التوصيف، يمكن القول إن العدو "الإسرائيلي" بات في أسوأ وضع له منذ بداية الحرب: يتعرض لتهديد إيراني في حال أخلّ بوقف النار ومبدأ الانسحاب خلال فترة الستين يومًا للمفاوضات، ولضغوط أميركية تنطلق من أن على "إسرائيل" أن تتكيف مع المصالح الأميركية التي تقضي بفتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب في لبنان والمنطقة. يتعرض العدو للضغط ليس من أجل وقف النار فقط، بل للانسحاب من لبنان أيضًا، وهذا يهدد المكاسب الجغرافية التي حققها العدو خلال الحرب على لبنان حيث سيطر على أجزاء من الجنوب، وكان يصرح بأنه سيُبقي عليها كمنطقة أمنية عازلة يضمها الى المناطق الأمنية في سوريا وغزة.
وتتسبب هذه المفارقة بين بداية الحرب ونهايتها، وكذلك بين المكاسب الجغرافية المتحققة وميزان الصراع المستجدّ، إلى حالة تململ في الوسط السياسي الصهيوني: بعضهم يدفع الى التمرد على الولايات المتحدة ورفض وقف الحرب والانسحاب من لبنان، وبعضهم الآخر يدعو إلى مراجعة جردة الأرباح والخسائر وعدم المجازفة في توسيع الفجوة مع الحسابات الأميركية. ويؤيد الفريق الأخير تقديم بعض التنازلات مثل تقليص حجم القوات في جنوب لبنان خلال الأيام المقبلة أو إخلاء بعض المواقع مثل قلعة الشقيف أو القيام بانسحاب جزئي من منطقة "الخط الأصفر" لامتصاص الضغوط.
الفرصة الذهبية التي قد يضيّعها لبنان
على الجانب اللبناني، توجد فرصة مهمة لتعزيز موقع لبنان في المطالبة بوقف العدوان "الإسرائيلي" الذي أخذ شكل استباحة مفتوحة مثل "حرية العمل العسكري" على الأراضي اللبنانية كافة، والاحتفاظ بالسيطرة على المناطق اللبنانية التي احتُلت مؤخرًا بل وزيادة مساحتها لغايات إستراتيجية. فللمرة الأولى منذ بدء المفاوضات المباشرة بين الحكومة اللبنانية والكيان الإسرائيلي، يتعزز موقع لبنان كبلد ودولة في مطالبته بوقف العدوان عليه والانسحاب "الإسرائيلي" من أراضيه، ولم يعد في موقع المتلقي للشروط "الإسرائيلية" أو الذي يبحث عن اتفاق مع "إسرائيل" كيفما كان بحجة أن الموازين مختلّة وأن لبنان ليس لديه خيار لإنهاء العدوان والاحتلال إلا بتلبية الشروط "الإسرائيلية" التي تجعل لبنان مسرحًا للعمليات "الإسرائيلية" والمفهوم الأمني "الإسرائيلي" والتدقيق في خصوصيات العلاقات اللبنانية الداخلية.
هذه الوضعية الجديدة تتطلب من الحكومة اللبنانية إعادة النظر في أدائها التفاوضي السابق الذي يأخذ منحى الاستسلام للرؤية "الإسرائيلية" التي تُترجم "غريزة البقاء للأقوى"، وهذه الرؤية تتحدث عن "حق" الملاحقة والاستهداف في لبنان حتى لو كان أي "تهديد" غير ناشط فعليًا، إضافة الى "حق" السيطرة الدائمة على نقاط جغرافية حاكمة في لبنان وفرض ما يشبه منطقة عازلة خالية من السكان.
المعادلة الجديدة التي أرستها مذكرة الجولة الأولى من المفاوضات الإيرانية- الأميركية تقوّي موقف لبنان وتعزّز مطالبه المشروعة، وتشكل آلية ضغط حقيقية على المحتل "الإسرائيلي". وفي حال واصل لبنان الرسمي المضي في المفاوضات وكأن شيئًا لم يكن، فإنه يفوّت فرصة ذهبية للضغط على الاحتلال "الإسرائيلي" وإرغامه على الانسحاب من الأراضي اللبنانية واستعادة السيادة عليها. وعليه، فإن محاولة "تقريش" ما جرى حتى الآن من ترسيخ بند وقف الحرب على لبنان واستعادة سيادته على أرضه كأولوية في المفاوضات الإيرانية- الأميركية على أنها استدخال غير مرغوب فيه للنفوذ الإيراني إلى لبنان، تُعدّ تقزيمًا للحدث وتفريطًا بعنصر قوة يمكن توظيفه بكل تأكيد لمصلحة لبنان. ونحن نتحدث هنا عن توافر ضغط أميركي اضطراري للمرة الأولى على المفاوض "الإسرائيلي": قبل التوصل الى التفاهم الأميركي- الإيراني، كان الأميركيون يُملون مواقف دعم خالص للرؤية "الإسرائيلية"، وهذا تجلى في بيان التفاهم اللبناني- "الإسرائيلي" الذي أذاعته واشنطن في نيسان / أبريل الماضي ونص على "حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس" بدون الوقوف على حق لبنان بصورة مماثلة، وخلا كذلك من الإشارة الى موضوع الانسحاب "الإسرائيلي". وبسبب هذه الرؤية الأميركية المساندة لـ"إسرائيل"، استمرت الحرب العدوانية "الإسرائيلية" على نحو شرس وترافقت مع عمليات توغل برية عدة، ما أوقع المئات والمئات من الشهداء وتسبب بدمار واسع في البنى المدنية اللبنانية. وفي المقابل، أدى الإصرار الإيراني على وقف الحرب في لبنان الى تغيير في المقاربة الأميركية بحيث اضطرت واشنطن الى الضغط على "إسرائيل" لوقف النار، وهذا ما تم فعلًا في اليومين الماضيين، إضافة الى دخولها في الحديث عن انسحاب ولو جزئي من المنطقة المحتلة، حتى من دون انتظار نتائج المفاوضات اللبنانية- "الإسرائيلية" في العاصمة الأميركية. وهذا الفارق يجب أن يكون محل نظر وعناية من الجانب اللبناني الرسمي.
غير أن التجربة الماضية والمعطيات الحالية لا توحي بوجود مثل هذه المراجعة من جانب رئيس الجمهورية الذي يقود رسميًا المفاوضات من الجانب اللبناني، وهو يمشي واثق الخطى خلف المسار الذي بدأه في الأشهر الماضية، غير ناظر الى توسيع قاعدة التفاهم الداخلي حول هذا الشأن الخطير ولا الى توفير مقومات النجاح للنتائج التي يتوخاها مستقبلًا: ماذا لو وقّع اتفاقًا مع الجانب "الإسرائيلي"، لكنه لا يملك التأييد الكافي للمضي فيه، كما فعل الرئيس أمين الجميل في تجربة اتفاق 17 أيار/ مايو 1983 والتي أدت الى تداعيات داخلية سياسية وأمنية خطيرة. ألا يشكل ذلك بداية تعثر لعهده وأزمة قد لا يستطيع البلد الخروج منها بسهولة؟
من دون شك، فإن الجانب "الإسرائيلي" قد يرى في تلهف السلطة اللبنانية للتوصل الى اتفاق ثنائي بدون البناء على توازن القوى الجديد في المنطقة، فرصة للقيام بمناورة سياسية بعد إخفاق مناورته العسكرية البرية في تحقيق النتائج المطلوبة، عن طريق تحصيل مكاسب سياسية وأمنية لم يستطع تثبيتها على الرغم من شراسة الحرب التي شنها على لبنان. وبدوره، فإن الجانب الأميركي سيسعى لأن يضخّم أي انسحاب جزئي "إسرائيلي" ويقدمه كبادرة "حسن نية" ويطلب ثمنًا مرتفعًا مقابله، في حين أن "الإسرائيلي" لم يكن في وارد الانسحاب قبل أن تفرض إيران هذا الأمر على طاولة المفاوضات مع الأميركي.
هذا كله يستدعي من السلطة اللبنانية - إن كانت تملك قرار الحرب والسلم كما تدّعي- مقاربة الموضوع من زاوية المصلحة اللبنانية، وفي أساسها البناء على صمود المقاومة وعامل التوازن الإيراني الجدي، بصرف النظر عن رأيها فيه، لإعلاء سقف الموقف اللبناني وعدم منح الاحتلال جوائز لقاء تدميره البلدات اللبنانية وارتكابه المجازر. ويمكن لها أيضًا مطالبة العدو بتعويضات عن نسف وجرف البلدات اللبنانية وغيرها من الممارسات المخالفة للقانون الدولي.
هذا كله يستدعي من السلطة اللبنانية - إن كانت تملك قرار الحرب والسلم كما تدّعي- مقاربة الموضوع من زاوية المصلحة اللبنانية، وفي أساسها البناء على صمود المقاومة وعامل التوازن الإيراني الجدي، بصرف النظر عن رأيها فيه، لإعلاء سقف الموقف اللبناني وعدم منح الاحتلال جوائز لقاء تدميره البلدات اللبنانية وارتكابه المجازر. ويمكن لها أيضًا مطالبة العدو بتعويضات عن نسف وجرف البلدات اللبنانية وغيرها من الممارسات المخالفة للقانون الدولي.