مقالات
Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court
عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية
ورئيس المحكمة العسكرية السابق
لم تعد الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية–"الإسرائيلية" في روما تحتاج إلى كثير من التحليل لإدراك أن العقدة لم تعد تقنية، وأن الخلاف ليس فقط حول قرية هنا أو منطقة هناك، ولا حول آلية انتشار الجيش اللبناني وحدود المناطق التجريبية.
المشكلة أصبحت أعمق بكثير. من يملك حق تحديد اللحظة التي يصبح فيها الجنوب اللبناني آمنًا بما يكفي للانسحاب "الإسرائيلي"؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي كشفته المفاوضات الأخيرة، وهو السؤال الذي قد يحدد مصير كل المسار التفاوضي المقبل. فلبنان يدخل المفاوضات وهو يريد شيئًا واضحًا: انسحابًا "إسرائيليًا" من الأراضي اللبنانية، ووقفًا للاعتداءات، وتمكين الدولة اللبنانية والجيش اللبناني من بسط سلطتهما على الأراضي التي تنسحب منها "إسرائيل".
أما "إسرائيل"، فتبدو وكأنها تدخل المفاوضات بمنطق مختلف تمامًا: الانسحاب ليس قرارًا قائمًا بذاته، بل نتيجة مشروطة بتحقق مجموعة من الشروط الأمنية التي تريد "إسرائيل" أن تكون هي الحكم في تقييمها. وهنا يكمن الخطر.
"إسرائيل" لا تفاوض على الانسحاب
في أي تفاوض طبيعي بين دولتين، تكون المسألة الأساسية هي الاتفاق على الالتزامات المتبادلة: تنسحب "إسرائيل"، ينتشر الجيش اللبناني، تُضبط الحدود، وتتوقف العمليات العسكرية. لكن الصيغة التي ظهرت خلال الجولات الأخيرة تذهب في اتجاه آخر.
"إسرائيل" تريد آلية للتحقق من أن المناطق التي ينتشر فيها الجيش اللبناني خالية من أي بنية عسكرية أو سلاح تعتبره تهديدًا. وهذه الآلية تبدو في ظاهرها تقنية ومحايدة، لكنها تحمل في جوهرها سؤالًا سياسيًا بالغ الخطورة: من يقرر أن الشروط قد تحققت؟ إذا كان الجواب هو لجنة دولية مستقلة، بمعايير محددة مسبقًا، وضمن جدول زمني واضح، فإن الأمر يمكن أن يكون مقبولًا. أما إذا بقيت "إسرائيل" صاحبة التقييم النهائي، فإن الانسحاب يتحول من التزام إلى قرار "إسرائيلي" قابل للتأجيل، بل إلى عدم تنفيذه مطلقًا في كل مرة تدّعي فيها وجود خطر جديد.
وهنا يصبح الفرق هائلًا بين اتفاق ينهي الاحتلال واتفاق يدير الاحتلال. ففي الحالة الأولى، هناك نهاية محددة، أما في الثانية، فهناك مرحلة انتقالية مفتوحة يمكن تمديدها بلا نهاية لتصبح دائمة.
المشكلة ليست في كلمة تحقق، بل في استخدامها. المشكلة تبدأ عندما يتحول التحقق إلى حق اعتراض. فإذا انتقلت السيطرة إلى الجيش اللبناني في منطقة معينة، ثم قالت "إسرائيل" إن لديها معلومات استخبارية عن وجود منشأة تحت الأرض أو مخزن أسلحة أو خلية مسلحة، فهل يتوقف الانسحاب من المنطقة التالية؟ وماذا يحدث إذا قالت "إسرائيل" إن المعلومات سرية ولا يمكن كشف مصادرها؟ ومن يملك القدرة على الاعتراض على التقييم "الإسرائيلي"؟ هذه ليست أسئلة نظرية.
حادثة مجدل زون الأخيرة تقدم مثالًا صارخًا على حجم المشكلة. فالقوات "الإسرائيلية" كانت تعمل في المنطقة، ثم تعرضت لهجوم أدى إلى مقتل جنود وإصابة آخرين. وبعد ذلك توسعت العمليات "الإسرائيلية" ووصلت إلى مناطق محيطة، بينها المنصوري، مع إصدار إنذارات للسكان واستمرار القصف.
بمعنى آخر، يستطيع أي حادث أمني جديد أن يعيد تعريف المنطقة الآمنة من وجهة النظر "الإسرائيلية"، وهنا تكمن خطورة المعادلة. إذا أصبح كل حادث أمني سببًا لتأجيل الانسحاب، فإن "إسرائيل" تستطيع عمليًا أن تجعل الانسحاب بلا موعد نهائي ليصبح الاحتلال دائمًا.
المنصوري ليست تفصيلًا
من هنا أيضًا ينبغي قراءة ما يجري في المنصوري. لماذا التركيز "الإسرائيلي" على هذه البلدة بعد حادثة مجدل زون؟ الجواب قد لا يكون في البلدة نفسها فقط، بل في موقعها ضمن المجال الجغرافي الذي تتحرك فيه القوات "الإسرائيلية".
"إسرائيل" لا تتعامل مع جنوب لبنان كقرى منفصلة، وإنما كمساحة عملياتية مترابطة. وإذا اعتبرت أن مجدل زون تحتوي على بنية تحتية عسكرية أو تحت أرضية، فإن المنطقة المحيطة بها تصبح في الحساب "الإسرائيلي" جزءًا من دائرة الخطر.
لكن هنا تظهر المشكلة السياسية. هل تستطيع "إسرائيل" أن توسع تعريف المنطقة الأمنية كلما وجدت مبررًا عسكريًا جديدًا؟ إذا كان الجواب نعم، فإن حدود الانسحاب لن تكون نتيجة تفاوضية ثابتة، بل ستبقى متحركة.
اليوم مجدل زون والمنصوري، وغدًا قد تكون منطقة أخرى، وبعد غد قد تظهر معلومة استخبارية جديدة. وهكذا يتحول جنوب لبنان إلى مساحة أمنية "إسرائيلية" غير معلنة، تمتد عمليًا إلى ما وراء المواقع التي تقول "إسرائيل" إنها تحتاج إلى الاحتفاظ بها لأسباب أمنية.
"إسرائيل" تريد الأمن قبل الانسحاب… لكن من يضمن الأمن بعد الانسحاب؟
هنا يقع التناقض الأساسي. لبنان يقول عمليًا: أعيدوا الأرض إلى الدولة اللبنانية، وانشروا الجيش، وتصبح الدولة مسؤولة عن الأمن. أما "إسرائيل" فتقول: نريد أولًا ضمان الأمن، وبعدها يمكن أن نناقش الانسحاب. لكن من يستطيع ضمان الأمن إذا بقيت "إسرائيل" موجودة عسكريًا؟ ومن يستطيع بناء سلطة الدولة اللبنانية في منطقة تتعرض للقصف "الإسرائيلي" المستمر؟ كيف يمكن للجيش اللبناني أن يثبت قدرته على الانتشار إذا كانت "إسرائيل" تحتفظ لنفسها بحق العودة إلى العمل العسكري كلما قالت إن هناك تهديدًا؟
هذه الحلقة المفرغة تخدم طرفًا واحدًا فقط: "إسرائيل": لأنها تسمح لها بالقول إن الظروف الأمنية لم تنضج بعد، وبالتالي فإن الانسحاب ليس ممكنًا. ثم تستمر في العمليات العسكرية بحجة أن الانسحاب غير ممكن بسبب انعدام الأمن. وهكذا يصبح الاحتلال سببًا لعدم الانسحاب، وعدم الانسحاب سببًا لاستمرار الاحتلال.
المفاوضات التي لا تعطي لبنان شيئًا
وهنا نصل إلى جوهر الموقف "الإسرائيلي". إذا راقبنا ما يريده لبنان وما تطلبه "إسرائيل"، تظهر فجوة واضحة.
لبنان يريد: انسحابًا "إسرائيليًا" ووقف القصف والاعتداءات وتوسيع انتشار الجيش اللبناني وعودة السكان إلى مناطقهم والانتقال من مرحلة الاحتلال إلى مرحلة سيادة الدولة.
أما "إسرائيل" فتريد، في المقابل، ضمانات أمنية واسعة، وآليات تحقق، وحرية أكبر في التعامل مع ما تعتبره تهديدات، وربما الإبقاء على واقع عسكري يسمح لها بالتدخل متى اعتبرت أن أمنها مهدد.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: على ماذا سيحصل لبنان في المقابل إذا وافق على كل المطالب الأمنية "الإسرائيلية"؟ إذا كان لبنان سيقدم انتشار الجيش والتزامات أمنية وضمانات دولية، فما الذي سيحصل عليه الانسحاب؟ هذا ليس تنازلًا "إسرائيليًا" إذا كان الانسحاب من الأراضي اللبنانية هو أساس التفاوض أصلًا. وقف القصف؟ وهذا أيضًا ليس مكافأة، بل شرط طبيعي لإنهاء الحرب. احترام السيادة؟ وهو كذلك ليس ورقة تفاوضية، بل التزام مفترض بالقانون الدولي.
وهنا تبدو الصورة أكثر وضوحًا: "إسرائيل" تريد أن تحصل على ضمانات والتزامات لبنانية مسبقًا، بينما تحاول إبقاء الانسحاب "الإسرائيلي" مرتبطًا بتحقق شروط إضافية. وهذه ليست مفاوضات متوازنة. لماذا قد لا تريد "إسرائيل" إعطاء لبنان شيئًا الآن؟ لأن الظروف الإقليمية تمنحها سببًا إضافيًا للانتظار. فالمنطقة كلها تعيش على إيقاع المواجهة الأمريكية–الإيرانية، ومضيق هرمز أصبح ورقة استراتيجية في الصراع، بينما تحاول واشنطن وطهران الوصول إلى تفاهم حول مستقبل التصعيد. وفي مثل هذه الظروف، قد ترى "إسرائيل" أن تقديم تنازلات كبيرة في لبنان الآن ليس في مصلحتها. لماذا تنسحب اليوم إذا كان المشهد الإقليمي قد يتغير غدًا؟ لماذا تقدم ضمانات نهائية إذا كانت لا تعرف بعد إلى أين ستصل المواجهة مع إيران؟ ولماذا تغلق خياراتها العسكرية إذا كانت تريد الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من هامش الحركة؟
من هذه الزاوية، يمكن فهم السياسة "الإسرائيلية" على أنها تقوم على شراء الوقت. المفاوضات تستمر، القصف يستمر، الوجود العسكري يستمر، والشروط الأمنية تتراكم. أما الانسحاب، فيبقى مؤجلًا.
"إسرائيل" تفاوض على الزمن أيضًا
وهذه ربما أخطر ورقة في يد "إسرائيل"، فالزمن ليس محايدًا. كل يوم يمر مع بقاء القوات "الإسرائيلية" في مواقعها يخلق أمرًا واقعًا جديدًا. وكل قرية تُهجر، وكل منزل يُدمّر، وكل طريق يُقطع، وكل منطقة يُمنع سكانها من العودة إليها، يجعل العودة إلى الوضع السابق أكثر صعوبة.
ولهذا فإن استمرار المفاوضات بلا نتيجة قد يكون في حد ذاته مصلحة "إسرائيلية". فالمفاوضات تعطي انطباعًا بأن هناك مسارًا سياسيًا قائمًا، بينما يستمر الواقع العسكري على الأرض. وهنا تصبح المفاوضات غطاءً لإدارة الأزمة بدلًا من أن تكون طريقًا لإنهائها.
لبنان أمام خطر أخطر من الاحتلال المباشر
الخطر ليس فقط أن تبقى "إسرائيل" في بعض المواقع. الخطر أن تنشأ صيغة جديدة لا تكون فيها "إسرائيل" محتلة رسميًا لمساحات واسعة، لكنها تحتفظ عمليًا بحق التدخل العسكري، وحق الاعتراض على الانتشار اللبناني، وحق تحديد ما تعتبره تهديدًا، وحق تنفيذ ضربات وقائية. أي أن يتحول الجنوب إلى منطقة لبنانية في الإدارة، "إسرائيلية" في تعريف الأمن. وهذه أخطر صيغة يمكن أن يصل إليها التفاوض، لأن السيادة لا تعني فقط أن ترفع الدولة علمها فوق الأرض. السيادة تعني أن تكون الدولة هي صاحبة القرار الأمني داخل أرضها.
إذا بقي القرار النهائي حول ما هو خطر وما هو مسموح وما هو ممنوع بيد "إسرائيل"، فإن الانسحاب العسكري لن يكون انسحابًا كاملًا من الناحية الاستراتيجية. وهنا المطلوب من لبنان أن يعرف ما هو سقف التفاوض، لأن التفاوض الذي لا يؤدي إلى انسحاب محدد زمنيًا، ولا يوقف القصف، ولا يعيد السكان، ولا يثبت سيادة الدولة، يتحول تدريجيًا إلى إدارة للأمر الواقع.
وعلى لبنان أن يرفض معادلة أعطوني ضمانات أولًا، وبعدها أفكر بالانسحاب، فالانسحاب يجب أن يكون جزءًا من الاتفاق، وليس جائزة تمنحها "إسرائيل" بعد كل اختبار أمني جديد. ويجب أن تكون آلية التحقق دولية ومستقلة، بمعايير واضحة، لا آلية تمنح "إسرائيل" حق الفيتو على الانتشار اللبناني. كما يجب أن يكون هناك جدول زمني محدد، لأن المفاوضات المفتوحة زمنيًا تخدم الطرف الأقوى ميدانيًا.
روما ليست المشكلة… المشكلة في ميزان القوة. قد تكون الجولة السابعة انتهت من دون أي اختراق، وقد تعقد جولة ثامنة وتاسعة وعاشرة. لكن المشكلة لن تحل بتكرار الجولات إذا بقيت القاعدة نفسها: لبنان يطلب الانسحاب، و"إسرائيل" تطلب المزيد من الضمانات قبل أن تنسحب.
في هذه الحالة لن يكون هناك اتفاق حقيقي. سيكون هناك تفاوض على مقدار ما تستطيع "إسرائيل" الاحتفاظ به. وهذا هو السبب الذي يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية؛ فإذا بقي القصف "الإسرائيلي" مستمرًا، واستمر التدمير، وبقيت القوات "الإسرائيلية" في مواقعها، واستمرت "إسرائيل" في توسيع مفهومها للتهديد، فإن كل جولة تفاوضية جديدة ستصبح مجرد مساحة زمنية لإعادة ترتيب الواقع الميداني.
وهنا يجب ألا يقع لبنان في الخطأ الأخطر: أن يعتقد أن مجرد استمرار التفاوض يعني أن التسوية تقترب. قد يكون العكس تمامًا، قد تكون "إسرائيل" تفاوض لأنها لا تريد الحرب الشاملة الآن، لكنها في الوقت نفسه لا تريد السلام بشروط تؤدي إلى انسحابها الكامل.
المعركة الحقيقية
المعركة الحقيقية في روما ليست على عدد القرى التي سيُسمح للجيش اللبناني بالانتشار فيها، وليست فقط على صيغة التحقق، وليست فقط على الانسحاب. إنها معركة على سؤال أكبر: من يملك القرار الأمني في جنوب لبنان؟ إذا بقي القرار بيد "إسرائيل"، فإن أي انسحاب سيكون ناقصًا، وإذا أصبح القرار بيد الدولة اللبنانية، فإن الانسحاب يصبح فعليًا.
ولهذا فإن "إسرائيل"، إذا أرادت بالفعل اتفاقًا مستقرًا، عليها أن تقبل بثلاثة أمور لا يمكن فصل أحدها عن الآخر: الانسحاب، وقف الاعتداءات، واحترام السيادة اللبنانية. أما إذا أرادت الحصول على كل الضمانات اللبنانية، مع الاحتفاظ بحقها في تعريف الخطر والتدخل متى تشاء، فإنها في الواقع لا تفاوض على إنهاء الحرب، إنها تفاوض على صيغة جديدة لإدارتها.