خطاب القائد
قدّم قائد الثورة الإسلامية في إيران آية الله السيد مجتبى الخامنئي تعازيه للشعب الإيراني والأمة الإسلامية بمناسبة ذكرى عاشوراء واستشهاد الإمام الحسين (ع)، مؤكدًا أن نهضته تمثل قمة الصراع بين الحق والباطل وتشكل مرجعاً مستمراً لنهج الثورة الإسلامية.
السيد الخامنئي توقف في رسالته عند ذكرى استشهاد آية الله بهشتي ورفاقه، مبيّنًا دوره في تأسيس وتطوير السلطة القضائية، مشيرة إلى أن استشهاده يمثل محطة بارزة في تاريخ النظام.
وأكدأن دور السلطة القضائية يتمثل في حماية حقوق الشعب، ومكافحة الفساد، وإقامة العدالة، داعية إلى تعزيز الإصلاحات الداخلية وتسريع إجراءات التقاضي، وضمان النزاهة والشفافية ومنع أي تدخلات أو وساطات.
كما شدد على ضرورة توسيع مفهوم العدالة ليشمل الحقوق العامة مثل الاقتصاد والبيئة وتكافؤ الفرص، إلى جانب الحقوق الفردية، مع التأكيد على أهمية متابعة الجرائم الدولية ورفعها أمام المحاكم الوطنية والدولية.
واختتم السيد الخامنئي رسالته بالتأكيد أن تحقيق العدالة ومحاربة الفساد يتطلّبان الإخلاص والتقوى والعمل الجاد والاستفادة من التقنيات الحديثة، داعية إلى مواصلة مسار الإصلاح القضائي في البلاد.
وجاء في نص البيان:
بسم الله الرحمن الرحيم
أتقدم بأحرّ التعازي إلى الشعب الإيراني والأمة الإسلامية كافة بمناسبة أيام مصاب آل الله واستشهاد سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه الأوفياء.
إن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته لإقامة الحق وإصلاح الأمة ومواجهة الظلم والطغيان تمثل القمة الشامخة في تاريخ الصراع بين الحق والباطل، والعدل والظلم، وتحمل دروسًا عظيمة وخالدة لجميع أحرار العالم. وقد سُمّي دم سيد الشهداء «دم الله» لأنه يجري في عروق العالم ويصنع ملاحم تبعث الحياة. والثورة الإسلامية الإيرانية، باعتبارها فرعًا مستمدًا من ذلك النبع النوراني، ينبغي أن تظل ساعية لتحقيق أهداف النهضة الحسينية.
ويُذكّر السابع من تير في كل عام بالشخصية البارزة في الثورة، الشهيد آية الله بهشتي، الذي بذل جهودًا متواصلة وهو على رأس السلطة القضائية، حتى ارتقى شهيدًا مع ثلة من رفاقه المخلصين، وكانت مظلوميته واستشهاد اثنين وسبعين من رفاقه شاهدًا على الطابع الحسيني لهذا النظام ومؤسسيه.
إن مكانة السلطة القضائية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتمثل في صون حقوق الشعب، وإحياء الحقوق العامة والحريات المشروعة، ومكافحة الفساد، وإقامة العدل، وتنفيذ الأحكام الإلهية، والإشراف على تطبيق القانون. وإن نجاحها في هذا المسار، إلى جانب نيل رضا الله تعالى، يعزز ثقة الشعب بهذه المؤسسة الأساسية.
ومن حق الجميع أن يتوقعوا من السلطات والأجهزة والمؤسسات المسؤولة أن تعيد تنظيم أدائها بما ينسجم مع المكانة الرفيعة للشعب الإيراني وقيم الجمهورية الإسلامية. وتتمتع السلطة القضائية بموقع فريد، بل لا نظير له، في إصلاح مسار شؤون البلاد وتحريك بقية مؤسسات الدولة، وهذا يتطلب مواصلة الإصلاح وإعادة البناء داخل السلطة القضائية نفسها.
ويتطلع المجتمع اليوم إلى رؤية تجسيد عملي لهذا التوجه، بحيث تتحول عملية التطوير القضائي من مجرد نصوص في وثائق وخطط الإصلاح إلى واقع ملموس يظهر في جميع الميادين، من قاعات المحاكم إلى الفضاء العام، بحيث يلمس المواطنون آثاره في مكافحة الفساد بحزم، وتقليل انتهاك الحقوق، وتسريع البت في القضايا، ورفع مستوى نزاهة ودقة الأحكام القضائية، وتيسير الوصول إلى العدالة.
ويجب أن يبلغ العدل مستوى يجعل كل مظلوم يجد فيه ملاذًا آمنًا، ولا يجرؤ أصحاب النفوذ على التعدي على حقوق الآخرين، وأن يُغلق باب الوساطات والتوصيات بشكل كامل، وألا يكون للمعارف أو العلاقات داخل الجهاز القضائي أي امتياز.
ولا تقتصر صيانة حقوق الشعب على الحقوق الفردية، بل تشمل أيضًا الحقوق العامة والاجتماعية، مثل الأمن الاقتصادي، وتكافؤ الفرص، والانتفاع العادل بالثروات الطبيعية، والبيئة السليمة، والحريات المشروعة، والحكم الرشيد.
ومن أهم القضايا القانونية والقضائية في هذه المرحلة متابعة واستعادة حقوق الشعب الإيراني التي انتهكت بسبب الجرائم التي ارتكبها المجرمون الدوليون وقوى الاستكبار والمعتدون العالميون، ولا سيما خلال عامي 1404 و1405.
فمن دماء شهداء الحرب المفروضة الثانية والثالثة، إلى الأضرار الجسدية والنفسية والمادية والمعنوية التي لحقت بالوطن العزيز وبكل أبناء الشعب الإيراني داخل البلاد وخارجها، ومن قتل الأطفال والجرائم الحربية غير المسبوقة في ميناب ولامِرد، إلى استهداف المراكز العلاجية والخدمية، ومن قتل الأطفال حديثي الولادة إلى كبار السن، وفي مقدمة ذلك استشهاد تلك الشخصية الفريدة والقائد المجاهد العظيم، فإن كل واحدة من هذه الجرائم تشكل مئات بل آلاف الملفات القانونية التي ينبغي متابعتها بجدية أمام المحاكم الوطنية والدولية.
ومن المؤكد أنه يجب ملاحقة المجرمين وإنزال العقاب المستحق بهم.
ومن النقاط المهمة في هذا المجال، أولًا، أن اعترافات بعض قادة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بهذه الجرائم، بل وتفاخرهم بها، تُعد إقرارًا صريحًا بالجريمة، وتمهد الطريق للمطالبة بحقوق الشعب الإيراني.
وثانيًا، فإن تنفيذ توجيهات القائد الشهيد للثورة في آخر لقاء له مع مسؤولي السلطة القضائية بشأن متابعة الجرائم المرتكبة في الحرب المفروضة الثانية، يقتضي توسيع ذلك ليشمل الحرب المفروضة الثالثة أيضًا، ومواصلة المتابعة حتى صدور الأحكام وتنفيذها من قبل الجهات المختصة، وهو ما من شأنه أن يمنع تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلًا.
ولتحقيق النجاح في مسيرة التطوير القضائي الشامل وتسريع الوصول إلى الأهداف المنشودة، فإن هناك متطلبات وإجراءات عديدة، سبق أن أكد عليها القائد الشهيد في لقاءاته السنوية مع مسؤولي السلطة القضائية، ويجب الاهتمام الجاد بها والعمل على تنفيذها، لأنها تمثل مفتاح نجاح مسؤولي السلطة القضائية، وهو ما أؤكد عليه وأطالب به.
إن طريق تحقيق العدالة ومحاربة الظلم والفساد طريق صعب، لكنه يصبح ميسرًا بالإخلاص، والتوكل على الله، والتقوى بأعلى مراتبها، والإرادة الصادقة، والعمل الدؤوب، والشجاعة والحزم، وروح المبادرة، والاستفادة الصحيحة من التقنيات الحديثة والأنظمة الذكية.
ونسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لتحقيق هذه الأهداف في ظل عناية الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، إنه سميع مجيب.