عربي ودولي
آية الله قاسم: مقاومة لبنان امتداد لنهج الحسين وإحياء عاشوراء يجدّد الوعي
آية الله قاسم في ختام موسم عاشوراء 1448هـ: (ماذا بذلتم وماذا كسبتم؟)
أشاد المرجع البحريني الكبير آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم، بصمود أبناء جبهة المقاومة في جنوب لبنان، معتبرًا أنهم يقدمون التضحيات دفاعًا عن الدين والنفس والعرض ووطن الإيمان، وأن ما يبذلونه من دماء وممتلكات ومعاناة يجسد الامتداد العملي لنهج الإمام الحسين (عليه السلام). جاء ذلك في بيان أصدره في ختام موسم عاشوراء لعام 1448هـ بعنوان "ماذا بذلتم وماذا كسبتم؟"، تناول فيه معاني البذل في إحياء ذكرى عاشوراء وثمراته الإيمانية والروحية.
وفي ما يأتي نص البيان:
بسم الله الرحمن الرحيم
ماذا بذلتم وماذا كسبتم؟
أيُّها المؤمنون والمؤمنات المشتغلون هذه الأيام بإحياء الذكرى لثورة الإمام الحسين "عليه السلام" وشهادته، ماذا بذلتم لهذا الإحياء وتبذلون؟ وماذا كسبتم منه وتكسبون؟
أنتم أعلم بما بذلتم من جهد فكريّ ونفسي وجسدي وكم سهرتم، وسعيتم في هذا السبيل، وكم أعطيتم من مالٍ عزيز، ووقت ثمين، وكم واجهتم من عنت ونصب وتحديات ومعاناة، وتحمّلتم من أنواع الكُلَف في هذا السبيل، وأنتم أعلم بما كان من ذلك كلّه امتثالًا لأمر الله الغنيّ الحميد بعيدًا عن الأغراض الدنيويّة الحقيرة.
ولئن كَثُرَ البذل وغَزُرَ العطاء منكم على هذا الطريق فهو مما أعطاكم الله من فضله، ووفّقكم إليه، ومَنَّ عليكم بالأخذ به، وما بذلتم من شيء منه إلا كان لنفعكم، لأنّ كلّ شيء فقير إلى الله، والله مالك كلّ شيء وما به من حاجةٍ لشيء، وهو مصدر العطاء كلّه، والمنّ والجميل كلُّه لله وحده، وأمر الله عزَّ وجلّ بعباده للانتصار لدينه تشريف لهم، وطريق لنجاتهم وفوزهم وابتلاء منه لكشف سرائرهم ليعرفوا عدله في جزائهم، وعفوه عن مسيئهم، وإحسانه العظيم للمحسن منهم.
إنّ حقوق الله لا توفّى من أيّ عبدٍ من عبيده وإن اجتهد في ذلك كلّ الاجتهاد.
هذا عن حقّ الله، وإنّ للحسين "عليه السلام" وثورته المباركة التي أحيت الأمّة وفتحت الطريق لنجاتها بالاستقامة على طريق الله من الهلكات لحقًّا، لكون ذلك عطاء لا تعدله في قيمته الكبرى كلّ أنواع العطاء الأخرى بين النّاس، ولأن ما بذله في هذا السبيل استجابةً لأمر الله لا يزنه بذل، أعطى لذلك كلّ غال وعزيز من مال وولد وأخ ونفس راضيًا كلّ الرضا ومسترخصًا مستقلًا لما أعطى، وعرض حَرَمَه وهو قمّة شاهقة في الشرف والغيرة والاعتزاز بالعِرض والكرامة، وحماية الحمى والذود عن الحياض لسبي الأعداء، والتشهير بالأهل من بلدٍ إلى بلد في وضع من الشماتة يفطّر القلوب صبرًا منه على قضاء الله وامتثالًا لأمره سبحانه نصرةً لدينه وحفاظًا عليه، وتأسيسًا لنهضة غير قابلة للقضاء عليها وإن امتدّ الزمن؛ نهضة لا بد من انتصارها وسحقها لكلمة الباطل، وجبهة الظلم والضلال في الأرض.
أنتم أعطيتم الكثير وإن قلّ أمام حقّ الله، وحقّ ابن بنت رسول الله "صلّى الله عليه وآله"، الإمام الحسين المعصوم سيد شهداء الجنّة.
وعلى طريق ما أعطيتم من أجله وهو دين الله الحقّ، وخطّ أنبيائه ورسله وأهل بيت نبيّه المصطفى محمد "صلّى الله عليه وآله"، وخط ثورة كربلاء لكم إخوة في جبهة المقاومة في الجنوب اللبناني وأخوات يبذلون من دمائهم أنهارًا، ومن ممتلكاتهم ومساكنهم وكلّ البنية الأساسيّة لموطنهم، ومقوّمات حياتهم وتاريخهم، وأمنهم، ما يستغرب له العالم. يبذلونه مع كلّ الآلام والنصب الشديد والتشريد والتهجير والملاحقة ليلًا ونهارًا والقتل الذي لا يفرّق بين عسكري ومدني، ومقاتل وغيره، ورجل أو امرأة، أو عجوز منهك أو طفل لا يعرف معنى الحرب وحتى من كان في سن الرضاعة من الأطفال.
يبذلون كلّ ذلك ويعانون من كلّ ذلك ويسترخصون كلّ ذلك استجابة لأمر الله عزَّ وجلّ ودفاعًا عن الدين والنفس والعرض ووطن الإيمان. يفعلون ذلك ويتحملون ذلك ولا يستكثرونه للخط نفسه الذي تشتغلون أنتم بإحيائه هذه الأيام؛ خط القرآن والسنّة وخط الحسين "عليه السلام" وكربلائه وثورته.
والسؤال الآن ماذا كسبتم وماذا كسب إخوانكم في جبهة المقاومة الذين هان عليهم تعظيمًا لأمر الله وفي سبيله بذل كلّ غال وعزيز مما أذن الله ببذله في سبيله؟ وماذا كسبتم أنتم من إحيائكم لذكرى ثورة الإمام الحسين "عليه السلام" وشهادته؟
كسبوا وكسبتم أن أحييتم جميعًا أنفسكم والأمّة، واستقيتم وعيًا لا توفره لكم مئات السنين الخاوية الخاملة، الخالية العجاف، ورجولة وشهامة وحميّة إيمانيّة وبسالة وهدى وتقوى وطهرًا ورؤية واضحة، وبصيرة نافذة وعزمًا شديدًا ونظرة موضوعيّة ثاقبة، وإشعاعات روحيّة وأخلاقيّة أخّاذة، ونية كريمة، وانشدادًا عظيمًا إلى الله ودينه القويم.
وهذا هو عطاء الطريق الحقّ، والصراط المستقيم الذي سلكوا وسلكتم أجمعين.
فهل منكم من يفكّر في مغادرة هذا الصراط؟!
لا يُظنّ بأحدٍ منكم ذلك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عيسى أحمد قاسم
29 حزيران/ يونيو 2026م
14 محرم 1448هـ