مقالات مختارة
يحيى دبوق - صحيفة الأخبار
يكشف الجدل السياسي والأمني المتصاعد في إسرائيل، والمصحوب بردّات فعل مؤيّدة ومعارِضة ومنتقِدة في الإعلام العبري، عن مدى عمق الأزمة التي يمرّ بها رئيس الحكومة "الإسرائيلية"، بنيامين نتنياهو، والتي وصلت إلى حدّ توجيه اتهامات مباشرة إليه بتزييف الوعي، واختلاق روايات غير واقعية، بشأن التهديد الإيراني. وتصاعدت حدّة هذا السجال بعد مقابلة تلفزيونية ادّعى فيها نتنياهو أن إيران امتلكت بالفعل قنابل نووية، وأنه تدخّل مرّتَين لـ«منع إبادة "إسرائيل"»، مهدّداً بضربة ثالثة إذا لزم الأمر.
وأثارت هذه التصريحات ردود فعل عنيفة من جانب خصوم نتنياهو السياسيين؛ إذ وصفها المرشّح المنافس له في الانتخابات المقبلة، غادي آيزنكوت، بأنها اختلاق لواقع مزيّف بهدف ترهيب الجمهور، بينما ذهب المنافس الآخر، نفتالي بينيت، إلى أبعد من ذلك، بوصفه إيّاها بأنها «كذبة ومحاولة لهندسة التاريخ بأثر رجعي». وتحدّث بينيت، الذي تولّى رئاسة الحكومة لفترة وجيزة قبل سنوات، عن خلل جوهري في الاستراتيجية الأمنية "الإسرائيلية" خلال عهد نتنياهو، كاشفاً عن غياب أيّ خطة هجومية ضدّ المنشآت النووية الإيرانية، وعدم تمويل الوسائل اللازمة لتدميرها، في إشارة منه إلى الاتكال التامّ على الحليف الأميركي، والذي يفسّر فشل الحرب على إيران، وخروج "اسرائيل" منها من دون تحقيق أيّ من أهدافها المُعلنة.
ويأتي ذلك السجال في وقت يواجه فيه نتنياهو ضغوطاً قضائية وسياسية - داخلية وخارجية - متعاظمة، وتراجعاً متسارعاً في ثقة الجمهور "الإسرائيلي" به، وهو ما يدفعه، على ما يبدو، إلى توظيف الملفّ الإيراني من جديد، بوصفه أداة للبقاء في السلطة. وفي هذا السياق، يبدو أن رئيس الحكومة، في سعيه لترميم صورته بوصفه حامياً لأمن "إسرائيل"، يجد نفسه مُجبَراً على المبالغة في سرد الإنجازات الأمنية، أو اختراع تهديدات سابقة لتبرير إخفاقاته الاستراتيجية، خاصة في ظلّ الانتقادات التي تطاول سياسته تجاه «رأس الأخطبوط» الإيراني. ويمثّل «الردح» المتصاعد بين نتنياهو وخصومه، نموذجاً لتداخل الحسابات الانتخابية مع القرارات الأمنية المصيرية، والذي ينعكس استقطاباً حادّاً لا يفتأ يؤدّي إلى تآكل الثقة بين المؤسسة السياسية والأجهزة الاستخباراتية والعسكرية، وبين المؤسّستَين نفسيهما والجمهور. أيضاً، يعكس وصول الأمور بنتنياهو إلى حدّ فاضح من التناقض والادّعاءات غير المسبوقة، مأزقاً وجودياً يعيشه النظام السياسي "الإسرائيلي"، حيث تتحوّل القضايا الاستراتيجية الكبرى إلى مجرّد أوراق مساومة في معارك البقاء الشخصي، وهو ما يُفقِد «الدولة» بوصلتها الحقيقية، ويضعها أمام الفشل مُجدّداً.
مع هذا، يُتوقّع أن تشهد الفترة المقبلة مزيداً من المزايدات والمبالغات، الهادفة إلى تبرير إخفاقات الحرب، أو حتّى تبرير ما بعدها، حيث يجد نتنياهو نفسه مُلزماً بالتحرّك مُجدّداً لمنع تفاقم التهديد، أو خروج إيران منتصرة من معركة كان الهدف منها إسقاطها، لكنّ «القيود» الأميركية لا تفتأ تمنعه من ذلك. والواقع أن أيّ قرار بشنّ حرب أو توجيه ضربة ثالثة إلى إيران، لن يُتخذ بناءً على تقييمات استخباراتية لدى "إسرائيل"، أو حاجة يفرضها عليها التهديد الذي تستشعره لأمنها القومي، مهما علا مستواه، بل إرادة أميركية في تحديد ما يجب وما يمكن أن تواجَه به طهران، وصولاً إلى شكل التسوية معها، وترك المشاكل التي تُحدِثها لـ"تل أبيب"، بلا حلول حقيقية. وإذ ستبقى "إسرائيل"، في ظلّ الانقسام الحالي، أسيرة صراعات داخلية تستنزف قدراتها، فإن خصمها الإقليمي، إيران، لا يزال يراقب المشهد بعناية فائقة، مستفيداً من حالة الشلل والتردّد التي تفرضها الحسابات الشخصية والقيود الخارجية الأميركية على صنّاع القرار في "تل أبيب"، ومتحيّناً الفرص لانتزاع المكاسب، ولا سيما في ظلّ ميل الجانب الأميركي إلى التسوية معه، حتّى على حساب أيّ خيارات عسكرية جدّية تفضّلها "إسرائيل".