اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي نقل جثمان الإمام الشهيد إلى مصلى طهران بالعاصمة الإيرانية

مقالات مختارة

1000 يوم من الحرب: عقيدة
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

1000 يوم من الحرب: عقيدة "اسرائيل" الجديدة لا تجلب لها النصر

59

يحيى دبوق - صحيفة الأخبار
بعد نحو ألف يوم من الحروب المتواصلة، تواجه العقيدة الأمنية "الإسرائيلية" الجديدة اختباراً قاسياً بين ما تطرحه من مبادئ تقوم على الحسم العسكري والاعتماد على القوّة، وبين واقع ميداني كشف حدود القدرة على ترجمة تلك الرؤية إلى إنجازات استراتيجية مستدامة.

قبل ثلاث سنوات من زلزال السابع من أكتوبر، وتحديداً في تشرين الأول/ 2020، كتب الرئيس السابق لـ"مجلس الأمن القومي» "الإسرائيلي"، يعقوب عميدرور، وثيقة بحثية حملت عنوان «مفهوم الأمن القومي "لدولة إسرائيل"»، حاول فيها تقديم إطار نظري شامل للمبادئ التي ينبغي أن توجّه السياسة الأمنية للدولة العبرية، متبنّياً مقاربة تختلف عن القاعدة الكلاسيكية التي تقوم على أن الحرب مجرّد استمرار للسياسة بأدوات أخرى، إذ ذهب عميدرور إلى ضرورة عدّ الحرب، في العقل الأمني "الإسرائيلي"، هي الغاية ذاتها، معتبراً أن الأهداف الاستراتيجية يجب أن تتحدّد بما تُحقّقه القوّة العسكرية في الميدان، لا بما تسفر عنه المفاوضات في أعقابها.
ورغم أن هذه الوثيقة لم تحظَ، حتّى اليوم، بموافقة رسمية من الحكومة أو المؤسّسة العسكرية، إلا أنها عكست بوضوح وقتها التوجّه الفكري السائد في أروقة صنع القرار في تل أبيب، قبل أن تتحوّل إلى الركيزة غير المُعلَنة لسياسات "اسرائيل" في مواجهة «التهديدات» المستجدّة. وبعد ألف يوم من التبنّي العملي لتلك النظرية، بات من الممكن ربّما تقييم فاعليتها بوصفها العقيدة الأمنية "الإسرائيلية" الجديدة، وذلك على أساس المبادئ الخمسة التي ترتكز عليها:

1- الحرب غاية لا وسيلة: بموجب هذا المبدأ، لم تعُد الإنجازات العسكرية ورقة تُستخدم في المفاوضات لترجمتها إلى حقائق سياسية، بل أصبحت النتيجة الميدانية هي الهدف الأخير بذاته. وهكذا، لم تعُد "اسرائيل" تخوض الحروب لتُفاوض من موقع قوة، بل لتفرض واقعاً جديداً بالقوة المجرّدة، بما يجعل أيّ مفاوضات لاحقة مجرّد آلية لتثبيت هذا الواقع.
2- لا ثقة إلا بالسلاح: يقوم هذا المبدأ على قناعة راسخة بعدم الوثوق بأيّ اتفاق سياسي مع أيّ طرف، سواء كان عدواً أو حليفاً. ويستند رفض العقيدة "الإسرائيلية" الجديدة فكرة تحقيق الأمن عبر ضمانات خارجية، أو وساطة أطراف ثالثة أو التزامات دولية، إلى إخفاقات الاتفاقات السابقة، من «أوسلو» إلى «كامب ديفيد»، وصولاً إلى تفاهمات وقف إطلاق النار مع «حماس» و"حزب الله».
3- المقياس الوحيد للنجاح هو الميدان: يُقاس النجاح أو الفشل بالإنجاز العسكري المباشر على أرض المعركة، لا بالاتفاقات التي تُعقد في أعقاب القتال. ولذا، فإن أيّ ورقة موقّعة في واشنطن، أو قرار أممي، لا قيمة لهما من دون حقائق ميدانية يفرضها السلاح. وهذا ما يفسّر رفض تل أبيب لأيّ ترتيبات لا تتضمّن سيطرة عسكرية مباشرة، وإصرارها على الاحتفاظ بحرية العمل العسكري حتّى في ظلّ وقف إطلاق النار.

هل يعيد العدوّ صياغة عقيدته الأمنية ويعترف بعدم قدرته على خوض حروب طويلة من دون أفق سياسي؟


4- الاعتماد على الذات: ينطلق المبدأ الرابع من قناعة بقدرة "اسرائيل" على الدفاع عن نفسها بقواها الذاتية، من دون التعويل على أيّ قوة خارجية في لحظة الحسم الوجودي. وإذ يستند هذا المبدأ إلى إرث مؤسّس الدولة، ديفيد بن غوريون، فإنه يجري العمل على استيلاده اليوم بحلّة جديدة أكثر تطرفاً.
5- الحرب الاستباقية والاجتثاث: تقوم هذه العقيدة على أن أفضل طرق الدفاع هي نقل المعركة إلى أرض العدو، وذلك عبر ضربات استباقية، وتوغّل في عمق أراضي الخصوم لكسر إرادتهم، ومن ثمّ السيطرة على منطقة أمنية ممتدّة وفي العمق، للحؤول دون تكرار زلزال السابع من أكتوبر 2023. ويُعدّ هذا أهمّ المبادئ التي تحكم العقيدة الأمنية "الإسرائيلية" الجديدة، حتّى لو جاء على حساب الاتفاقات السياسية والمفاوضات وفوائدها؛ ووفقاً له، لا تعتمد "اسرائيل" على الردع عنصراً حاسماً، بل على اجتثاث التهديد بمكوّناته المادّية والبشرية، واستهداف أيّ قدرة عسكرية في طور التشكّل، وأيّ عنصر بشري يملك إرادة استخدامها.
لكن في اختبار الواقع، تعجز "اسرائيل" عملياً، من منظور أوسع، عن تطبيق هذه العقيدة، رغم أنها تسعى لتنفيذها. وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالمقاربة الجديدة التي تحوّلت إلى عقيدة متبنّاة بلا نزاع، لا تفتأ تثبت الوقائع الميدانية أنها غير قابلة للتحقّق، ليس لضعف فاعليتها، بل لأن "اسرائيل" تفتقر إلى القدرة الفعلية على ترجمتها. فالمبدأ الأول مثلاً يصطدم بواقع أن "اسرائيل" لا تستطيع الاستمرار في حرب مفتوحة، من دون انهيار اقتصادي واجتماعي، في حين أن المبدأ الثاني يتناقض مع حقيقة الاعتماد الكلّي على الولايات المتحدة - في السلاح والذخيرة والدعم الدبلوماسي، وحتى في الهجوم والدفاع المباشرَين -، والذي لا يُعدّ خياراً استراتيجياً بل ضرورة وجودية. وهذا ما تجلّى بوضوح في السياق الإيراني، حيث فرضت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وقفاً لإطلاق النار، وكشفت محدودية قدرة تل أبيب على فرض إرادتها حتّى على حليفها الأقرب، في حين استطاعت إيران أن تؤثّر في ساحات أبعد، وفق ما تفيد به حالة الربط بينها وبين الساحة اللبنانية.

إزاء ذلك، يُطرح السؤال الآتي: إذا كانت ألف يوم من الحروب كشفت عجز "اسرائيل" عن ترجمة عقيدتها الأمنية، وتحويل إنجازات تكتيكية متراكمة إلى إنجازات استراتيجية مستدامة، فما الذي سيحدث في المرحلة المقبلة؟ السيناريو الأول، الأكثر واقعية، هو أن تستمرّ تل أبيب في التمسّك بهذه العقيدة نظرياً، مع قبولها واقعياً بالتنازلات التي تفرضها عليها واشنطن. وعليه، ستستمرّ "اسرائيل" في خوض حروب محدودة بسقف أميركي، وتقبل بوقف إطلاق النار عند الطلب، ومن ثمّ تعود إلى القتال عندما تسمح الظروف بذلك.
أمّا السيناريو الثاني، فهو إعادة صياغة العقيدة الأمنية بما يتوافق مع القدرات الفعلية، والاعتراف بالحاجة إلى التنسيق مع الحلفاء، وبعدم قدرة "اسرائيل" على خوض حروب طويلة من دون أفق سياسي. وهذا السيناريو هو ما سيفرضه الواقع الميداني فعلياً، لكن من دون إعلان رسمي، نظراً إلى أن نتنياهو وحكومته يفتقران إلى الشجاعة السياسية للاعتراف بفشل العقيدة الجديدة. والواقع أن أيّ اعتراف من النوع المذكور سيعني ضمنياً الإقرار بالإنجاز الفلسطيني، ومن ثمّ إنجاز «محور المقاومة» بمركباته الأخرى، والذي كشف محدودية قدرة تل أبيب، وهشاشة استراتيجيتها الأمنية الجديدة، رغم كلّ تحمّله من إجراءات قاسية ووحشية.

الكلمات المفتاحية
مشاركة