اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الأمين العام لمنظمة (D-8) يشارك في مراسم وداع الشهيد الإمام الخامنئي

نقاط على الحروف

قوموا لمواراة الشمس 
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

قوموا لمواراة الشمس 

141

لم يكن أبناء هذا الجيل في ذلك اليوم من شباط عام 1979، يوم زلزل الإمام روح الله الموسوي الخميني الأرض بعباءته، ولم يُكحِّلوا أعينهم بطلعته المهيبة التي اختصرت تاريخًا من كبرياء الأنبياء وعزم الأوصياء. ولم يذوقوا لوعة الفقد المريرة في ذلك اليوم الحزين من نهاية الثمانينيات، حين ضاقت طهران بأهلها، وكان النعش هودجًا طائرًا يسير على أمواج من القلوب المفجوعة، في واحد من أضخم التجمعات البشرية التي سجلها التاريخ الأرشيفي الحديث. رحل مؤسس الجمهورية الإسلامية قبل أن تولد ملامحهم، وكبروا وهم يسمعون في حكايا الآباء غصّة ذلك الحزن، فظنوا أنهم نجوا من قسوة اليتم التاريخي، حتى جاء السابع والعشرون من أيلول ليعيد رسم الفاجعة برحيل سيّد شهداء الأمة، ثم يكتمل المشهد الملحمي بشهادة القائد.


حين تفتحت عيون هذا الجيل على مشهد المنطقة المأزومة في مطلع القرن الحادي والعشرين، وتحديدًا في أعقاب المنعطفات الكبرى التي تلت عامي 2000 و2006، ومعارك العزة التي صاغت وعيهم، لم يشعروا باليتم يومًا؛ لأنهم، بمجرد أن التفتوا نحو منبر القيادة، وجدوا فيه امتدادًا حيًا وصارمًا لتلك المدرسة الخمينية العظيمة. لقد كان هذا الجيل شاهدًا على حقبة صاخبة من الصراع؛ فبينما كان النظام الدولي يسعى إلى فرض أيديولوجيا «الهيمنة» (Hegemony) الأحادية، كان المستضعفون يلوذون بعباءة القائد ورؤيته الاستراتيجية ليستعيدوا توازنهم الروحي والفكري.

كم تبدو تلك التفاصيل اليوم ثمينة ونابضة بالحسرة، والأمة تقف وجهًا لوجه أمام حقيقة الفقد وعمق الخسارة.


عند الغوص في فكره، يتبين أن القائد لم يكن يومًا مجرد «رجل سياسي» يدير أزمة، ولا «مرجعًا دينيًا» بالمعنى التقليدي المحض؛ بل كان شخصية بالغة التركيب والعمق الإنساني، تتقاطع في عوالمها ثقافة إيرانية كلاسيكية تنبض بالحب الجارف للشعر والموسيقى التقليدية، مع وعي تاريخي حاد مناهض للاستعمار، شُحِذ بأدبيات التحرر الهندية ونفحات الأدب الثوري السوفيتي. عُرف بشغفه بالروايات العالمية، وإلمامه العميق باللغة العربية، واطلاعه الواسع على آدابها؛ بدءًا من انغماسه المبكر في ترجمة فكر سيد قطب، وصولًا إلى تذوقه قصائد الجواهري. لقد امتلك تلك القدرة الاستثنائية على استيعاب الثقافات المتباينة وصهرها فكريًا في خدمة خط المقاومة، بينما كان، في المقابل، الرجل الزاهد في الدنيا، وهو الذي يشرف دستوريًا على مؤسسات اقتصادية كبرى تُقدَّر أصولها بمئات المليارات.
إن فهم هذه المرجعيات الثقافية والروحية والنفسية هو المفتاح الحقيقي لفهم قراراته الجيوسياسية؛ فهي التي صاغت، في الوعي، مفاهيم «المقاومة» و«الهوية» و«الاستقلال»، وبها وجّه دفة الأمة نحو هذه الرفعة والاقتدار. لقد كان المربي الفيلسوف الذي صاغ وعي جيل بأكمله على امتداد جغرافية المقاومة.


أما اليوم، فإن الأمة تقف أمام لحظة فارقة تفطر السبع الشداد، وتضعها وجهًا لوجه أمام تراجيديا الغياب، وتعيش المحنة ذاتها التي ظن كثيرون أن التاريخ قد تجاوزها. فالجرح القديم تجدد في الصدور، والدمع عاد ليفجّر في المآقي أنهارًا من اللوعة، ليتذوق هذا الجيل مرارة تشييع قائد أمة ووالد مسيرة صمدت في وجه أعنف العواصف.


قوموا لمواراة الشمس… ولكن أخبروهم: كيف تُوارى الشمس تحت التراب؟ وكيف يخبو الضياء الذي استنارت به دروب المستضعفين في شرق الأرض وغربها؟
إنها اللحظة التاريخية الكبرى التي تزلزل الكيان، حيث يبدو أن جزءًا عظيمًا من الذاكرة السياسية والثقافية المعاصرة يُدفن معه في ذلك الضريح. لكن أبناء هذه المسيرة يعاهدون روحه الطاهرة أن يكونوا كما أرادهم دومًا: جيل البصيرة النافذة، والمقاومة الصلبة، والتمهيد الواعي خلف السيّد مجتبى، لحفظ كيان الأمة واستمرار مكتسباتها. لن يثني الفقد أحدًا عن مواصلة الدرب، فالراية التي حملها بكل أمانة واقتدار لن تسقط، والمسير متواصل نحو الهدف الأسمى والعهد الأساس: تحرير القدس، التي كانت تسكن نبضات قلبه الطاهر، وتشكل قطب رحى استراتيجيته.


وداعًا يا خمينيَّ الزمان، لترقد الروح الطاهرة بسلام بجانب الأستاذ والملهم الأول، وبجانب إخوتك الشهداء الذين سبقوك، واشتاقت النفس إلى لقائهم؛ من السيّد حسن وحاج قاسم إلى بهشتي ورجائي، وكل قوافل النور.
وسلامٌ عليك يوم وُلدت، ويوم قدت الأمة بالحكمة والبصيرة، ويوم عدت إلى جوار ربك راضيًا مرضيًا.

الكلمات المفتاحية
مشاركة