مقالات
د. احمد الشامي
من يقرأ التاريخ لا يصدمه الحاضر، ورغم محاولات الإيحاء بأنّ التطورات التي شهدها الاجتماع السياسي في لبنان منذ نهايات القرن العشرين قد طوت حقبات مؤلمة ومثيرة من تاريخ شيعة لبنان لجهة المس باستقرارهم الوجودي، تأتي الوقائع تباعاً بما يخالف تلك السردية، فشيعة لبنان بقيت عليهم المسؤولية والتبعات المباشرة للمحافظة على أرضهم ووجودهم، رغم أن اتفاق الطائف قدّم بوصفه المظلّة النهائية التي ستعزز الحماية والمواطنية لجميع المكونات اللبنانية.
تشير وقائع الحاضر إلى أنّ الخطط العميقة في ماضيها ما زالت تفعل فعلها في الوعي لدى شريحة وازنة في لبنان لها امتدادات إقليمية ودولية، فاتفاق الطائف ومندرجاته، والذي يعدّ التطور السياسي الأهم في تاريخ لبنان الحديث – يبدو بالنسبة إلى هذه الشريحة - هو نتاج ظرف موضوعي قهري أكثر من كونه قناعات أنتجتها حقائق، وحين استشعروا التغيّر في هذا الظرف خرج المخبوء في وعيهم، بسلوكيات ومواقف تتماهى مع اللحظات التأسيسيّة الأولى للبنان الكبير وما تضمنته من قناعات تسببت لهذا البلد وأهله بكثير من المآسي والحروب.
حين يحكم الماضي سياسات الحاضر يُصبح من الضرورة العودة إليه للكشف على تفاصيله، لا سيّما، أنّ هناك من يراهن دائماً على إحداث انقطاع في الذاكرة مع الماضي لدى الأجيال الحاضرة، فمن شأنه الإسهام في تضليل وعيهم وأخذهم نحو مساحة من عدم الوضوح في الرؤية، تحت ذريعة مخادعة بأنّه يجب إعارة الظهر للماضي والتطلّع نحو المستقبل.
حين التقى الاحتلال الفرنسي والبريطاني على طاولة تقسيم التركة العثمانية بعد نهاية الحرب العالميّة الأولى، اتفقا على استحداث كيانين يمثلان رعاية مصالح الغرب في المنطقة، الأول يميني إسرائيلي في فلسطين برعاية بريطانيا، والثاني يميني لبناني برعاية فرنسا، وهنا، برزت بلاد جبل عامل كما يصفها المفكر الراحل جورج قرم بحدود المنطقة الحاجزة بين تقاطعات النفوذ وتوزيع الأدوار. لقد أراد الفرنسي ضمّها إلى لبنان الكبير، بينما سعى البريطاني لتكون هذه البلاد الحدود الِشمالية للدولة الموعودة لليهود.
والمفارقة التاريخية الأوضح دلالة، أنّه لمّا تمسكت فرنسا بمطلب لبنانية جبل عامل، سارع اليمين اللبناني ليؤيّد مطلب اليمين الصهيوني بأن يكون الجبل وأهله ضمن الكيان الإسرائيلي الموعود. وقد علّل اليمين اللبناني موقفه، بأنّ هذا الضم سوف يزيد المسلمين عدداً في لبنان، وسيعرقل وجودهم الغالب على الحدود الجنوبية التفاهمات المطلوبة مع الكيان الإسرائيلي، فيما علّلت الحركة الصهيونية مطلبها لضم الجبل؛ نظراً لما يملكه من موارد طبيعية إستراتيجية واقتصادية تجعل من كيانهم أكثر قوّة واستقراراً.
صحيح أنّ الفرنسي استطاع تثبيت رؤيته بضم جبل عامل إلى لبنان الكبير، ولكن اليمين على ضفتيه، اللبنانية والإسرائيلية، شرع بخطوات منسّقة وممنهجة للتضييق على شيعة الجبل من أجل الرحيل. فمن جهته، تولّى الجانب الإسرائيلي استدامة تهديدهم الأمني، فيما تولّى الجانب اللبناني عدم توفير الحماية لهم ومقومات الصمود. وقد ورد حول ذلك الكثير من الكتابات الموثقة لمحاضر لقاءات ومراسلات بين عتات اليمين اللبناني والحركة الصهيونية، منها على سبيل المثال، ما نشرته الباحثة "كيرستين شولتزة" في كتابها،"دبلوماسية إسرائيل السرّية في لبنان"، وأيضاً ما نشره "رؤوفين إرليخ"، في كتابه "المتاهة اللبنانية".
ففي اجتماع عقد في بيروت بين الرئيس اللبناني "بشارة الخوري" والسياسي الصهيوني "إلياهو ساسون" في 11 آب 1941، قال خلاله الرئيس اللبناني: يوجد بيننا وبينكم حائل يجب إزالته وهو جبل عامل. ثمّة ضرورة لإخلائه من سكانه الشيعة الحاليين الذين يشكلون خطراً دائماً على البلدين والذين تعاونوا في أثناء الأحداث مع العصابات العربيّة التابعة للمفتي المقدسي.
ويكمل المؤلف، أنّه لأجل ذلك اقترح الخوري إخلاء جبل عامل من سكانه الشيعة واستبدالهم بالموارنة، وذلك عبر قيام المشروع الاستيطاني اليهودي بإقراض البطريرك الماروني "عريضة" مبلغاً من المال من أجل شراء جبل عامل وتوطين الموارنة فيه ليكونوا جيراناً لليهود ويتمكنوا من التعاون معهم بدون عوائق.
لقد بات منطقياً طرح السؤال، لماذا لم يستطع اليمين اللبناني والإسرائيلي أن يفرضا على الشيعة الرحيل عن جبل عامل، على الرغم ممّا مارسوه ضدهم من شتى أشكال التنكيل السياسي والاقتصادي والعسكري.
تتعدد الإجابات، لكن يبرز وسطها ما يشير إلى حقيقة العلاقة العقائدية التي تربط الشيعة بهذه الأرض والتي يجهلها الكثيرون، فحين انفتح وعيهم على التقاء بين هذا الجذر العقائدي وأحدث ما أنتجه التطور البشري على مستوى حقوق الإنسان، أدركوا بأن واجبهم – الديني والأخلاقي- التصدي، لذلك قرروا أن يكونوا مجتمعاً مقاوماً.
وهذا ما يعني بكل موضوعيّة، أنّ المسلمين الشيعة في لبنان لمّا صاروا مجتمعاً مقاوماً نشأت ثنائية العلاقة الجدليّة بين السلاح وحماية البقاء، وهذا ما يسهم في الكشف عن الدوافع الأساسيّة لهذا الإصرار المحلي، الإقليمي، والدولي، على نزع السلاح من يدهم، وعلى استهداف قياداتهم ذات التوجه المقاوم؛ لأنّ هذا الخيار بعقيدته وسلاحه لا يزال يحبط المخطط الثلاثي لترحيل الشيعة من جنوب لبنان.
فما عاد من الممكن الفصل بين نزع السلاح وإلغاء الوجود، ليس لأن الشيعة يريدون أن يكونوا دولة ضمن الدولة كما يحلوا لخصومهم التاريخيين أن يتهموهم بها، فهذا الانعزال يعرّفه المسلمون الشيعة أنه يخالف منطق الاجتماع السياسي الحديث، ويرهقهم ويحمّلهم تبعات كبرى، بل لأن توالي الأحداث ووقائعها تزيدهم قناعة أنّهم كلّما صاروا أكثر قدرة على مواجهة التحديات صار قرار شطبهم من المعادلة السياسيّة عموماً والوجوديّة في جنوب لبنان تحديداً أكثر إلحاحاً لدى هؤلاء الخصوم.
يلاحظ ذلك من خلال ما يظهره الرسم البياني لمسار الحروب التي خاضها العدو ضد المسلمين الشيعة في لبنان بوصفهم رأس حربة في خيار المقاومة، من 7 أيام في عام 1993، إلى 16 يومًا في 1996، واشتدت ضراوتها بعدما استطاعوا إنجاز التحرير في العام 2000، فامتدت 33 يومًا في 2006، و64 يومًا في 2024، وقد تجاوزت المئة يوم في العام 2026، ولم تقتصر المسألة على زيادة عدد الأيام بل لحجم الأثمان البشرية والمادية.
هنا، برز الداعم الإقليمي للمقاومة عامة والمسلمين الشيعة في لبنان على وجه التحديد، فوحدة الساحات باتت فاعلاً أساسياً يلجم مخططات الأعداء، فالحرب الوجودية على شيعة لبنان صار لها بعد إقليمي، لا سيّما، أن روابط هذه الساحات هي عقائدية أكثر منها سياسيّة، وهذا ما عقّد الأمر على إلحاق الهزيمة بها، فالإسناد حقيقي وإن كان مكلفاً إلى حد خوض حرب إقليمية كبرى، لذلك، بات الأعداء أمام تحدِّيين؛ نزع السلاح وفصل المسارات لتحقيق أهدافهم التاريخية.
آخر ابتكارات اليمين اللبناني لتحقيق أهدافهم، رفعهم شعار "لبنان أولاً"، وتحت هذا الشعار الخديعة سارعوا إلى إبرام اتفاق إطار مع اليمين الصهيوني، يطلبون منهم عدم الانسحاب من جنوب لبنان، ولا السماح بعودة السكان والإعمار، قبل أن يُفرض على الشيعة مسألتان: تسليم السلاح، وفصلهم عن داعميهم في الإقليم، أي بتجريدهم من كل عناصر القوة بما فيها الاجتماعية، والاقتصادية، والإعلامية، والثقافية. والمفارقة، أن اليمين اللبناني ينتمي إلى محور أمريكي يرفع شعار"إسرائيل أولاً".
يتوهّم اليمين اللبناني أنه أمام فرصة تاريخية، حيث انخرطت الولايات المتحدة في صراع مباشر مع الساحات الإقليمية للمقاومة، انعكاساً لتأثير اللوبي الصهيوني الذي فرض شعار "إسرائيل أولاً" ما أمكن الأخيرة أن تزيل معالم الحياة في المنطقة الحدودية من جنوب لبنان، وهذا ما يدغدغ أحلام هذا اليمين التاريخية بأن يراها خالية من الوجود الشيعي، إنفاذاً لقرار عمره من عمر لبنان.
ولكنَّ غرق أمريكا في وحول المنطقة هو فرصة تاريخية أيضاً للمقاومة ومحورها عامة، وشيعة لبنان خاصة، فما ارتكبه اليمين اللبناني والإسرائيلي بمباركة أمريكية، في اتفاقيّة الإطار، وما سبقها من قرارات حكومية تصنف مقاومة الاحتلال حركة مارقة خارجة عن القانون، إنّما هي أخطاء استراتيجية، فماذا لو أدى الغرق الأمريكي إلى فرض معادلات جديدة، سيكون الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المحتلة هو أقل أثمانها، عندها يمكن القول، إن العودة الآمنة لأهل جبل عامل حتميّة طالما بقي فيه مقاومة بعمر لبنان.