خاص العهد
في المحطات التاريخية الخالدة، لا تبقى الأناشيد مجرد أعمال فنية، بل تتحول إلى لغة تعبّر عن وجدان الناس، وتختصر مشاعرهم وآمالهم. هكذا كان حال نشيد «باید برخاست» (يجب أن ننهض أو قوموا لله)، الذي انتقل خلال أسابيع قليلة من فضاء المجالس الحسينية إلى واحد من أبرز الأعمال الثورية حضورًا في إيران، قبل أن تعتمد موسيقى رسمية لمراسم وداع وتشييع قائد الأمة الإمام الشهيد المجاهد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (رض).
إن هذا النشيد لم يولد في سياق مراسم التشييع، بل ظهر أولًا في الأوساط الهيئية والثقافية بعد فترة من عدوان الـ12 يومًا على إيران، ولكنه برز خلال العدوان الأخير، بصوت الرادود محسن محمديپناه، ومن كلمات حجة الإسلام مروستي، ليلفت الأنظار بسرعة بفضل لغته التي تجمع بين الروح الحسينية والخطاب الملحمي، وتستحضر مفاهيم «القيام لله» و«العهد» و«الثبات» في مواجهة التحديات، فالكلمات تستلهم الآية القرآنية: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾، وتربط بين النهضة الحسينية، والانتظار المهدوي، وروح المقاومة ودور القيادة.
ومع الإعلان عن مراسم وداع الإمام الشهيد، اكتسب هذا النشيد بعدًا جديدًا، فقد أصدر مكتب حفظ ونشر آثار الإمام الشهيد النسخة الموسيقية الرسمية للعمل، لتكون الموسيقى الخاصة بمراسم الوداع، فيما تبنت اللجنة المنظمة عبارة «باید برخاست» (قوموا لله) شعارًا محوريًا للمراسم، في خطوة عكست المكانة التي بلغها هذا العمل في الوعي الشعبي خلال فترة زمنية قصيرة.
وخلال هذه الفترة، منذ بداية العدوان على إيران، وفي التجمعات الشعبية، وكذلك مراسم الوداع في مصلّى الإمام الخميني (رض) بطهران، حضر النشيد بقوة في المشهد.
تجديد للعهد مع المسيرة التي مثّلها إمام المستضعفين
ومع انطلاق ألحانه، رددت الحشود كلماته بصورة جماعية، بينما ارتفعت صور الإمام المجاهد الشهيد السيد علي الخامنئي، والإمام السيد مجتبى الخامنئي، وراية إيران ورايات المقاومة.
ولم يكن التفاعل معه تفاعلًا فنيًا فحسب، بل كان تجديدًا للعهد مع المسيرة التي مثّلها إمام المستضعفين.
كما حظيت «باید برخاست» باهتمام واسع في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، وتداول المستخدمون تسجيلاتها ومقاطعها المصورة على نطاق كبير، فيما خصصت وسائل إعلام عديدة تقارير لتحليل مضمونها الأدبي والفكري.
إن نجاح هذا العمل لا يرتبط فقط بجمال اللحن أو قوة الأداء، بل بقدرته على تحويل مفاهيم قرآنية وثقافة عاشوراء إلى خطاب معاصر يخاطب الأجيال الجديدة بلغة مباشرة وحماسية. ولهذا لم تعد عبارة «باید برخاست» (يجب أن ننهض أو قوموا لله) مجرد عنوان لنشيد، بل أصبحت شعارًا يختزل فكرة النهوض، والثبات، وتحمل المسؤولية، ورسالة تؤكد أن الشعوب التي تستلهم ثقافة الشهادة لا ترى في الفقد نهاية للطريق، بل بداية لمرحلة جديدة من الصمود والوفاء.
تنفيذ لأمر الله تعالى
وفي حوارٍ خاص مع موقع العهد الإخباري، قال الرادود الحسيني محسن محمدي بناه، الذي قرأ هذه الأنشودة الملهمة، إن نشيد «باید برخاست» مستلهم من كلام الله، وهي آية من القرآن الكريم، وهي تنفيذ لأمر الله تعالى بـ«القيام لله»، فهذا شيء أمرنا الله به.
وأضاف: "فعندما تقول كلام الله بإخلاص، فإن الله يضع أثره بنفسه، لقد بارك الله في هذا العمل، فقد كان خالصًا له، ونحن فقط رفعنا رايته بأيدينا، فكان الأمر لله."
وقال: "لقد كان هذا العمل بمثابة اللوحة التي وضعها الله عند هذا المنعطف التاريخي".
وحول تأثير هذا العمل وتوقعه لذلك، قال: "لم نكن نتوقع، أنا رادود منذ 20 أو 25 عامًا، وحاولنا أن نتحرك في هذا المسار، ولم نكن نتوقع أن ينظر الله يومًا ما إلى عملٍ لنا بهذا الشكل ويبارك فيه. أنا سعيد، ومن جانب آخر أشعر بمسؤولية أكبر، وأنا محتاجٌ لدعاء كل الناس، وبالأخص أعزائي في المقاومة الإسلامية في لبنان".
وفي رسالة لأبناء المقاومة في لبنان، قال الرادود محسن محمدي بناه: "قلبي ينبض لهم، صدقوني عندما يُذكر اسم شباب حزب الله لبنان في جلساتنا، نشعر أنهم إخوتنا، كإخوتنا من نفس الأب والأم، ولدينا شعور خاص تجاه الشعب اللبناني العزيز، وبالأخص حزب الله، أوصلوا سلامي إليهم، وقولوا لهم: أنا لا أساوي شيئًا، ولكن إذا كان الله قد وضع لي ثوابًا في هذا العمل، فإنني أتقاسمه مع الشعب العزيز في لبنان وأبناء حزب الله المقاوم".
وبشأن أمله في قراءة الأناشيد والمراثي، قال: "أملي أن أقرأ من أجل تحرير القدس، ومن أجل فتح القدس على يد جبهة الحق، وسنرى ذلك اليوم إن شاء الله".