مقالات
تشييع الإمام الخامنئي غطى على الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة
بداية جديدة لإيران ونهاية للإمبراطورية الأميركية؟
أستاذ تاريخ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
يوم السبت الواقع في الرابع من تموز/يوليو 2026، بدأت مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية الراحل الإمام السيد علي الخامنئي. عشرات ملايين المريدين في إيران وعدد آخر من الدول احتشدوا في ساحات عدد كبير من المدن لتوديع الإمام الذي قاد الجمهورية الإسلامية منذ رحيل الإمام روح الله الخميني في العام 1989. إضافة إلى هؤلاء الملايين من الحشود، كان اللافت حضور رؤساء وممثلي دول ووفود من مئة دولة حول العالم، ليشكل هذا واحدًا من أكبر مظاهر التشييع في العالم.
كان اللافت في التشييع مرافقة تلاوة آيات من القرآن الكريم، حيث خصص لكل وفد آية معينة شكلت نوعًا من الرسائل المبطنة لكل دولة من جهة، ومقدمة لترسيخ أسس العلاقات مع هذه الدول في المستقبل بناءً على موقفها من إيران، خصوصًا خلال العدوان الذي شنته عليها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى.
كذلك، فقد كان اللافت في التشييع الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على الدول لعدم المشاركة في التشييع، وكأنه لم يكن كافيًا بالنسبة لها وللكيان الصهيوني استشهاد الإمام الخامنئي، لتلاحقاه حتى بعد انتقاله إلى بارئه. وقد عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تفاجئه بكاء الإيرانيين على الإمام في موقف تجاوز حدود اللياقة الإنسانية.
حقيقة الأمر أنه كان وراء موقف الولايات المتحدة أسباب أخرى تدفعها إلى محاولة جعل تشييع الإمام الخامنئي يبدو هزيلًا أمام العالم، إن لجهة المشاركة الدولية أو لجهة حجم الحشود المشاركة في التشييع داخل إيران. فواشنطن كانت تراهن على أن تؤدي مشاركة هزيلة من الإيرانيين إلى الطعن في شرعية نظام الجمهورية الإسلامية الذي صمد أمام محاولات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لإسقاطه على مدى العقود الخمسة الماضية، إلى الحد الذي دفعهما إلى تجاوز كل الخطوط الحمراء واغتيال القائد نفسه في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي.
إضافة إلى السبب آنف الذكر، فقد كانت هنالك أهداف أخرى لتجاوز ترامب كل الأصول الدبلوماسية واللباقة الإنسانية عبر ممارسة الضغوط على عدد كبير من الدول للامتناع عن المشاركة، من ضمنها إظهار الجمهورية الإسلامية على أنها دولة معزولة ومنبوذة من قبل العالم. أما السبب الذي لم يتنبه له أحد، فقد تمثل في أن تشييع الإمام القائد كان سيبدأ في يوم الرابع من تموز/يوليو 2026، وهو اليوم الذي كان يفترض أن تحتفل فيه الولايات المتحدة باستقلالها، علمًا أن لهذا العام خصوصية بالنسبة إلى الأميركيين، لأنه كان يفترض أن يشهد احتفالات ضخمة، إذ إن هذا العام هو العام الـ250 على إعلان استقلال الولايات المتحدة. وكان المفترض ألّا يكون هنالك أي حدث يمكن أن يخطف الأضواء حول العالم من هذا الحدث الذي كان ترامب يريده مناسبة لإعلان تجديد قوة وهيمنة الولايات المتحدة على العالم تحت شعار جعل أميركا عظيمة مجددًا.
لقد شكلت المشاركة الجماهيرية الحاشدة في تشييع الإمام الخامنئي، خصوصًا من قبل الإيرانيين، تجديدًا لشرعية نظام الجمهورية الإسلامية في تحدٍ واضح لفرضيات واشنطن و"تل أبيب" عن ضعف وهزال بنية الدولة في إيران. كذلك، فقد شكلت المشاركة الدولية الواسعة في التشييع دليلًا على حضور إيران بنظامها الجمهوري الإسلامي على الساحة الدولية. وما يوازي ذلك في الأهمية هو أن تشييع الإمام الخامنئي شكل محور الأحداث العالمية، ما أدى إلى التغطية على احتفالات الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 على تأسيسها.
بناءً على ذلك، فإن هذا العام الذي أرادته الولايات المتحدة مناسبة لتجديد هيمنتها على العالم عبر ضربها لإيران كمقدمة لعزل روسيا والصين ومحاصرتهما، تحول إلى مناسبة لتجديد إيران البيعة للولاية عبر المشاركة الحاشدة في التشييع، وهو الحدث الذي تحول إلى محور الاهتمام الدولي. وإذا عدنا إلى الثقافة الدينية للإسلام الشيعي، فإن هذا التشييع سيشكل بداية بالنسبة إلى إيران وليس نهاية. وقد تكون هذه البداية هي أول خطوة في نهاية عصر الإمبراطورية الأميركية.