اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حبُّ الإمام الخامنئي يسكن قلوب الصغار... طفلة عراقية تُلقي عبر "العهد" شعرًا في وداعه

خاص العهد

🎧 إستمع للمقال
خاص العهد

"اتفاق الإطار" .. مقاربة قانونية تثير أسئلة حول الدستور والشرعية الدولية

78

لم يقتصر الجدل الذي رافق الإعلان عن الاتفاق الموقع في واشنطن في 26 حزيران/يونيو 2026 بين ممثل الدولة اللبنانية وممثل كيان الاحتلال "الإسرائيلي" على أبعاده السياسية والأمنية، بل امتد ليشمل نقاشًا قانونيًا ودستوريًا حول طبيعته وحدود الصلاحيات الدستورية التي يستند إليها، إضافة إلى موقعه من المرجعيات العربية والدولية التي حكمت تاريخيًا أي مسار تفاوضي مع الاحتلال.

وفي هذا السياق، قدّم المتخصص في العدالة الجنائية الدكتور عمر نشابة، في حديث لموقع العهد الإخباري، قراءة قانونية للوثيقة، معتبرًا أن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في مضمونها، بل في الإطار الجديد الذي تؤسس له، والذي يراه خروجًا عن المرجعيات الدستورية اللبنانية، والشرعية الدولية، والإطار العربي الذي اعتمدته الدول العربية منذ سنوات في التعاطي مع الاحتلال "الإسرائيلي".

توصيف الاتفاق قانونيًا

استهل نشابة حديثه بالتأكيد أن النقاش الدائر حول الاتفاق يحتاج أولًا إلى توصيف قانوني دقيق، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي الذي رافق الإعلان عنه. وقال إن هناك "ضجيجًا إعلاميًا كبيرًا وتهويلًا واسعًا"، إلا أن النقاش القانوني يجب أن يبدأ من تحديد طبيعة الوثيقة نفسها.

وأوضح أن المادة 52 من الدستور اللبناني تعطي رئيس الجمهورية، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، صلاحية التفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات، لكنها لا تمنحهما صلاحية إبرامها بصورة نهائية، إذ إن الاتفاقيات الدولية تخضع لآليات دستورية محددة قبل أن تصبح ملزمة.

وأضاف أن الوثيقة الحالية لا يمكن اعتبارها اتفاقًا دوليًا ملزمًا من الناحية القانونية، وإنما هي وثيقة تحدد إطارًا للتفاوض، موضحًا أن "هذا لا يعني التقليل من خطورتها، بل على العكس، لأن توصيفها الصحيح يسمح بفهم آثارها الفعلية". وأشار إلى أن الخلط بين الاتفاق الملزم وبين اتفاق تحديد إطار التفاوض يؤدي إلى قراءة غير دقيقة لما يجري.

 لماذا يحتوي اتفاق إطار على ملحق أمني؟

وانتقل نشابة إلى إحدى أكثر النقاط إثارة للاستغراب في الوثيقة، وهي وجود ملحق أمني ضمن اتفاق يفترض أنه يحدد فقط إطار التفاوض. وأوضح أن الاتفاقات الإطارية، وفق الأعراف القانونية، لا تتضمن عادة ترتيبات أمنية تفصيلية، لأن وظيفتها تقتصر على رسم المبادئ العامة التي ستنطلق منها المفاوضات. وهنا يبرز السؤال الأول الذي يجب طرحه هو: كيف يمكن لاتفاق يقتصر على تحديد الإطار أن يتضمن ملحقًا أمنيًا؟

 هذه النقطة بحسب نشابة تستدعي نقاشًا معمقًا لأنها تكشف عن محاولة دمج الترتيبات الأمنية داخل وثيقة يفترض أنها ذات طابع سياسي وإجرائي.

 الحاجة إلى إطار جديد.. أم تجاوز للإطار القائم؟

ورأى نشابة أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بمضمون الإطار الجديد، بل بسبب الحاجة إلى استحداثه أساسًا وأن الإطار الذي يحكم أي عملية تفاوض مع الاحتلال "الإسرائيلي" موجود أصلًا، ولا يحتاج إلى إعادة صياغة، وعليه فإن هذا الإطار يستند إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية:

الشرعية الدولية - القانون الدولي- المرجعية العربية التي كرستها مبادرة السلام العربية.

وأضاف أن هذه المرجعيات كانت طوال العقود الماضية تشكل الأساس الذي تستند إليه أي عملية سلام في المنطقة، وبالتالي فإن إنشاء إطار تفاوضي جديد يعني عمليًا استبدال المرجعية القائمة بمرجعية أخرى.

ماذا يقول القرار 1701؟

وتوقف نشابة عند القرار الدولي 1701 الذي كثيرًا ما يجري الاستناد إليه في النقاشات السياسية اللبنانية، إذ إن القرار لا يقتصر على تنظيم الوضع الأمني في جنوب لبنان، بل يتضمن أيضًا إشارة واضحة إلى أن السلام العادل والشامل ينبغي أن يقوم ضمن إطار الأمم المتحدة والشرعية الدولية.

وأضاف أن القرار يحيل بصورة واضحة إلى القرارات الدولية الأساسية التي ترسم مسار التسوية في المنطقة، ما يعني أن المرجعية القانونية موجودة أصلًا، ولا حاجة إلى البحث عن إطار تفاوضي جديد خارجها.

 القرارات الدولية تحدد إطار السلام

وأوضح نشابة أن الإطار القانوني الدولي يستند بصورة رئيسية إلى قرارات مجلس الأمن، القرار 242 الذي وضع مبدأ الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، و338 الذي أكد ضرورة تنفيذ القرار 242 والانطلاق في مفاوضات لتحقيق سلام عادل، إضافة إلى القرار 1515 الذي تبنى خريطة الطريق الخاصة بإقامة الدولة الفلسطينية. بالتالي فإن هذه القرارات تمثل المرجعية القانونية الدولية المعترف بها لأي عملية سلام، وتجاوزها يطرح أسئلة قانونية وسياسية كبيرة.

خروج عن الإطار العربي

ورأى نشابة أن الوثيقة لا تبتعد فقط عن المرجعية الدولية، بل أيضًا عن الإطار العربي الذي توافق عليه العرب منذ سنوات لأن مبادرة السلام العربية رسمت بصورة واضحة شروط إقامة السلام مع الاحتلال "الإسرائيلي"، وربطت ذلك بالانسحاب من الأراضي المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية. لذلك، فإن الذهاب إلى إطار تفاوضي جديد خارج هذا التوافق العربي يعني، بحسب رأيه، الانتقال إلى مسار مختلف عن الذي اعتمدته الدول العربية طوال السنوات الماضية.

الاتفاق لا يناقش الجنوب فقط

 نشابة تطرق في حديثه لـ"العهد" إلى أن البند الأول من الوثيقة يعلن أن الهدف منها هو تحديد إطار عملية السلام، وليس فقط معالجة الوضع الأمني في الجنوب اللبناني. وبيّن أن هذا الأمر يعني أن جميع ملفات الصراع ستكون مطروحة على طاولة البحث، بما فيها مستقبل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وحق العودة، وسائر الملفات المرتبطة بالتسوية النهائية، وأن هذه القضايا كانت تاريخيًا جزءًا من الإطار الذي رسمته الأمم المتحدة والقرارات الدولية، وبالتالي فإن نقلها إلى إطار تفاوضي جديد يثير العديد من علامات الاستفهام.

 المسألة قانونية قبل أن تكون سياسية

وشدد نشابة على أن قراءته لا تنطلق من موقف سياسي مؤيد أو معارض، وإنما من زاوية قانونية بحتة وأن القضية الأساسية ليست في تقييم الخيارات السياسية، وإنما في أن الإطار القانوني للتفاوض موجود سلفًا، وأي محاولة لاستحداث إطار آخر تعني عمليًا تغيير المرجعية القانونية التي تستند إليها العملية التفاوضية وأن النقاش يجب ألا يقتصر على توصيفات سياسية أو تبادل الاتهامات، بل ينبغي أن يركز على مدى انسجام الوثيقة مع الأطر القانونية والدستورية القائمة.

 ثلاثة أوجه للمخالفة

وفي خلاصة موقفه، عرض الدكتور عمر نشابة أسباب خروج الوثيقة عن المسار القانوني الملزم على ثلاثة مستويات أساسية:

المستوى الأول يتمثل في تجاوز الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن التي شكلت أساس أي عملية سلام في المنطقة.

أما المستوى الثاني، فيتعلق، بحسب قراءته القانونية، بتجاوز أحكام الدستور اللبناني التي تحدد صلاحيات السلطات الدستورية في التفاوض وإبرام الاتفاقيات الدولية.

في حين يتمثل المستوى الثالث في الابتعاد عن المرجعية العربية التي أرستها مبادرة السلام العربية، والتي شكلت الإطار الجماعي للعلاقات العربية مع الاحتلال "الإسرائيلي".

وختم نشابة حديثه لموقعنا بالتأكيد أن جوهر النقاش لا ينبغي أن يقتصر على وصف الاتفاق بأنه خطوة سياسية مثيرة للجدل، بل يجب النظر إليه بوصفه محاولة لإعادة رسم الإطار القانوني والسياسي الذي ستستند إليه أي مفاوضات مستقبلية، وهو ما يجعل النقاش حوله يتجاوز مضمون الوثيقة نفسها ليطال المرجعيات التي تحكم مستقبل الصراع ومسار التسوية في المنطقة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة