مقالات
Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court
عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية
ورئيس المحكمة العسكرية السابق
لم يعد السؤال المطروح اليوم: إلى أين يتجه "الشرق الأوسط"؟ بل أصبح: من سيكتب خرائطه الجديدة، ومن سيدفع ثمنها؟ فالإقليم يشهد أكبر عملية إعادة تشكيل منذ عقود، تتداخل فيها القوة العسكرية والمصالح الاقتصادية، وتتقدم فيها الجغرافيا السياسية على القانون الدولي، بينما تتحول الدول الضعيفة إلى ساحات اختبار لمشاريع الآخرين.
وللأسف، يبدو لبنان من أكثر الدول المرشحة لدفع كلفة هذه المرحلة، لا بسبب ضعف إمكاناته فحسب، بل لأن سلطته السياسية اختارت، بإرادتها أو بعجزها، أن تنتقل من موقع الدفاع عن الحقوق إلى موقع إدارة التنازلات.
إن أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس العدوان "الإسرائيلي" وحده، بل العقل السياسي الذي يتعامل مع هذا العدوان وكأنه قدر لا يُقاوم، أو واقع يجب التكيف معه. فالاحتلال لا يكتفي بما يسيطر عليه بالقوة، بل يسعى دائمًا إلى تحويل الوقائع العسكرية إلى حقائق سياسية، وهنا تكمن خطورة الأداء الرسمي اللبناني الذي بدا في كثير من المحطات وكأنه يلهث خلف الضغوط الدولية بدلًا من أن يتمسك بثوابته الوطنية.
لقد قيل للبنانيين إن ما سُمِّي (بـاتفاق الإطار) سيشكل مدخلًا إلى تثبيت الاستقرار وحماية لبنان. لكن ما الذي تحقق عمليًا؟ هل توقفت الاعتداءات "الإسرائيلية"؟ هل انسحبت "إسرائيل" من الأراضي اللبنانية التي ما زالت تحتلها؟ هل توقفت الخروق الجوية والبرية؟ هل توقفت الإبادة العمرانية؟ هل استعاد لبنان كامل سيادته على حدوده؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فمن حق اللبنانيين أن يسألوا: أي إطار هذا الذي لم يوقف العدوان، ولم يحمِ السيادة، ولم يُلزم المعتدي بأي ثمن سياسي أو قانوني؟.
إن ما يُسمى "اتفاق الإطار"، لم يكن إطارًا لحماية الحقوق اللبنانية، بل إطارًا لتنظيم الضغوط على لبنان. فمنذ دخوله حيِّز التنفيذ، ازداد الحديث عن نزع عناصر القوة اللبنانية، وعن إعادة رسم التوازنات الداخلية، فيما بقيت "إسرائيل" تتصرف من موقع القوة، مستفيدة من دعم سياسي وعسكري غير محدود.
ولعل الأخطر من الاتفاق نفسه هو الذهنية التي أدارته. فبدلًا من أن تتعامل السلطة مع التفاوض باعتباره وسيلة لتحصيل الحقوق، تعاملت معه وكأنه غاية بحد ذاته، حتى أصبح مجرد استمرار المفاوضات يُقدَّم للرأي العام على أنه إنجاز، ولو بقيت النتائج معدومة.
لقد اختزلت السلطة مفهوم الواقعية السياسية بمعادلة خطيرة: كل ما تطلبه القوى الكبرى يجب مناقشته، وكل ما ترفضه "إسرائيل" يجب تأجيله. وهكذا تحولت الواقعية إلى مرادف للتراجع، والدبلوماسية إلى اسم آخر للعجز.
إن الدول تحترم نفسها أولًا، ثم يفرضها الآخرون احترامًا. أما الدولة التي تتنازل عن أوراقها قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض، فلن تحصد سوى مزيد من الضغوط. وهذه قاعدة أثبتها التاريخ في كل النزاعات الدولية، من فيتنام إلى جنوب أفريقيا، ومن الجزائر إلى أميركا اللاتينية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا بقي في يد الدولة اللبنانية؟ لقد تآكل الاقتصاد، وانهارت العملة، وتفككت الإدارة، وتراجعت الثقة بالقضاء، واستُبيحت الحدود، ثم جاءت السلطة لتقنع اللبنانيين بأن المطلوب منهم تقديم المزيد من التنازلات، لا المطالبة بالمزيد من الحقوق.
والمفارقة أن السلطة التي تعجز عن تأمين الكهرباء والمياه والدواء، تتحدث بثقة عن مشاريع كبرى لإعادة رسم مستقبل لبنان. فأي مستقبل يُبنى على دولة فقدت ثقة شعبها؟ وأي إصلاح يمكن أن يبدأ قبل إصلاح مفهوم السيادة نفسه؟.
إن "الشرق الأوسط الجديد" لا يُبنى على الشعارات، بل على موازين القوى. وكل دولة تدخل هذه المرحلة وهي فاقدة لوحدتها الداخلية، أو عاجزة عن الدفاع عن مصالحها، ستجد نفسها موضوعًا للتسويات لا شريكًا فيها.
وليس المقصود هنا الدعوة إلى الحرب، ولا التقليل من أهمية العمل الدبلوماسي، بل التأكيد على حقيقة بديهية: لا قيمة لأي تفاوض إذا كان الطرف الآخر مطمئنًا إلى أن الضغوط ستنتزع ما عجزت القوة عن انتزاعه. فالدبلوماسية الناجحة تستند إلى عناصر قوة، وإلى موقف وطني موحد، وإلى سلطة تعرف أن مهمتها الدفاع عن حقوق الدولة، لا تسويق الشروط المفروضة عليها.
إن أخطر ما تفعله السلطة اللبنانية اليوم أنها تُطبع اللبنانيين مع فكرة التراجع. تريد منهم أن يعتادوا خسارة الأرض، وأن يعتبروا انتهاك السيادة حدثًا عاديًا، وأن يقتنعوا بأن أقصى الطموح الوطني هو تخفيف حجم الخسائر. وهذه ليست سياسة دولة، بل سياسة إدارة هزيمة.
لقد علمتنا التجارب أن الاحتلال لا يتوقف عند الحد الذي يُمنح له، بل عند الحد الذي يُمنع من تجاوزه. أما من يعتقد أن التنازل يجلب الأمن، فإنه يقرأ التاريخ بالمقلوب.
إن لبنان لا يحتاج إلى سلطة تجيد مخاطبة السفراء أكثر مما تجيد مخاطبة شعبها، ولا إلى مسؤولين يقيسون نجاحهم بحجم الرضا الخارجي عنهم، بل إلى رجال دولة يدركون أن الشرعية تُستمد أولًا من الدفاع عن الوطن، لا من التصفيق في المؤتمرات الدولية.
قد تكون موازين القوى مختلة، وقد تكون الضغوط هائلة، لكن التاريخ لم يخلِّد دولة لأنها كانت ضعيفة، بل لأنه كان فيها رجال رفضوا تحويل الضعف إلى عقيدة، والتنازل إلى سياسة، والإذعان إلى برنامج حكم.
وفي زمن يُعاد فيه رسم "الشرق الأوسط"، لن يسأل التاريخ كم كانت الضغوط على لبنان، بل سيسأل: ماذا فعلت السلطة عندما وُضع الوطن بين خيار الدفاع عن حقوقه أو التسليم بها؟ ذلك هو السؤال الذي سيبقى، أما البيانات والوعود، فستنتهي كما انتهت عشرات البيانات التي سبقتها، تاركةً للبنانيين وطنًا أقل سيادة، وأكثر ارتهانًا، وأشد قلقًا على مستقبله.