اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي تقرير لبلومبرغ: تصاعد التوتر بين السعودية والإمارات يثير قلق المؤسسات المالية العالمي

مقالات

استراتيجية البقاء بين الحياة والشهادة: قراءة في مدرسة الإمام الخامنئي (قده)
🎧 إستمع للمقال
مقالات

استراتيجية البقاء بين الحياة والشهادة: قراءة في مدرسة الإمام الخامنئي (قده)

156

يطرح مشهد التشييع الذي شهدته طهران في تموز/يوليو 2026 إشكالية تتجاوز حدود الحدث الديني والاجتماعي، لتلامس صميم العلاقة بين الدولة والشرعية والاستمرارية السياسية. فحين تتحول جنازة قائد إلى حدث عالمي تتبارى في تغطيته وسائل الإعلام الغربية والصينية والروسية، فإن السؤال المركزي لا يعود: من هو الراحل؟ بل كيف تُدار الدولة حين يتحول رحيل قائدها إلى اختبار لمتانة بنيانها؟

 تكشف الوثائق المرجعية أن تجربة القيادة الممتدة على مدى نحو أربعة عقود قامت على معادلة مزدوجة: إدارة الحياة السياسية اليومية للدولة من جهة، وتوظيف منطق الشهادة كأداة لإعادة إنتاج الشرعية من جهة أخرى. وتقود هذه الورقة سؤالًا تحليليًا: كيف تحولت لحظة الفقد القيادي، بحسب الروايات الإعلامية والوثائق المرجعية، من نقطة ضعف محتملة إلى رافعة لتماسك النظام واستمراريته؟

مفهوم الحكم وبناء النظام

استندت فلسفة الحكم إلى الجمع بين التمسك الصارم بثوابت الإمام الخميني (قده) والمرونة الدستورية اللازمة لإدارة الأزمات المتلاحقة. فقد حرصت القيادة على صون التنسيق بين السلطات الثلاث لمنع ازدواجية القرار، ووجهت الحكومات المتعاقبة نحو أولوية الملفات الاقتصادية والمعيشية. وشكّل إنشاء المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي عام 2018 أداة مؤسساتية لتسريع القرار في أوقات الحصار، بينما تحول مفهوم "اقتصاد المقاومة" -المعلن رسميًا عام 2014- إلى إطار عمل يهدف لتحييد سلاح العقوبات عبر الإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي. هذا المزيج بين الثابت العقائدي والمتحرك الإداري هو ما مكّن، بحسب الوثائق المرجعية، من امتصاص صدمة الانتقال بعد عام 1989 وتحويلها إلى قاعدة انطلاق نحو قوة إقليمية.

من الحياة إلى الشهادة... الشهادة كاستراتيجية بقاء

تحول مفهوم الشهادة، في الخطاب الرسمي وفي قراءة جزء من الإعلام الدولي، من قيمة دينية فردية إلى وظيفة سياسية جماعية. فقد قرأ الإعلام الروسي حجم المشاركة الشعبية في التشييع باعتباره دليلًا على رسوخ الهوية الوطنية وقدرة المجتمع على الالتفاف حول قيادته في مواجهة الضغط الخارجي. وبصرف النظر عن التباين في تقدير الدوافع، فإن الحشود التي امتدت لأميال شكّلت، من زاوية علم اجتماع السياسة، مصدرًا لإعادة إنتاج الشرعية المجتمعية؛ إذ إن الحضور الجماهيري الطوعي في لحظة الفقد يمنح النظام رأسمالًا رمزيًا يصعب توليده في الظروف العادية، ويحوّل الخسارة القيادية إلى مناسبة لتجديد العقد بين الحاكم والمحكوم.

السيادة العلمية وبناء القوة الوطنية

تُرجم شعار "نستطيع" إلى مسار تراكمي من الإنجازات العلمية: تخصيب اليورانيوم وتطوير دورة الوقود النووي محليًا، إطلاق القمر الصناعي "سينا 1"، تطور الصناعات النانوية والحوسبة الفائقة، إضافة إلى الصناعات الدفاعية كمقاتلة "صاعقة". وقد أُريد لهذه المنجزات، بحسب الوثيقة المرجعية، أن تتجاوز البعد النفعي المباشر لتصبح أداة سيادة تكسر احتكار القوى الكبرى للمعرفة التقنية، وتُدرَج ضمن معادلة الأمن القومي بوصفها ضمانة لعدم الخضوع للإملاءات الخارجية.

أولوية الحق ومواجهة الظلم

قُدّم دعم فلسطين ولبنان وسوريا والعراق، في أدبيات القيادة، بوصفه ثلاثي الأبعاد: واجبًا شرعيًا، وخيارًا استراتيجيًا، وسياسة ردع متقدم تحول دون انتقال ساحة الصراع إلى الداخل. وقد جرى الدفاع عن هذا الموقف بوصفه امتدادًا لعقيدة المقاومة الإقليمية التي تربط الأمن القومي الإيراني بأمن دول الجوار، وهو ما يفسر، من زاوية تحليل السياسات، استمرار الإسناد رغم الكلفة الاقتصادية والسياسية المرتفعة.

لنا بالحسين (ع) أسوة حسنة

في خطبة "جمعة النصر" أواخر عام 2024، أُعيد تعريف استشهاد القادة بوصفه امتدادًا للنموذج الحسيني: فقدٌ لا يورث اليأس بل يبعث الحياة والإلهام. وهذا التوظيف الرمزي حوّل العزاء من طقس حزن إلى طاقة تعبوية، إذ تستدعي الثقافة الشيعية في لحظات الفقد مخزونًا رمزيًا عميقًا يعيد شحن الجمهور بدل أن يُضعفه، وهو ما يفسر انتقال المشيعين، بحسب مشاهد التغطية الإعلامية، من الصمت إلى الهتاف خلال ساعات معدودة.

الجمهور المحب وولاية القلب

وصفت صحيفة "الغارديان" بعض المشيعين وهم يرفعون شعار كونهم "صواريخ إيران الحقيقية"، في إشارة إلى تماهي الجمهور مع سردية الصمود. هذا التماهي هو ما يمكن قراءته سوسيولوجيًا كتعبير عن "ولاية القلب"، أي كشكل من الولاء العاطفي الذي يسبق الولاء المؤسسي ويغذيه. فالحشود التي جاءت من مختلف الشرائح والمناطق -بحسب شهادات نقلتها وسائل إعلام غربية عدة- شكّلت، بمعزل عن مدى تمثيلها الإحصائي للمجتمع الإيراني ككل، رأسمال رمزيًا وظفته المؤسسة الحاكمة لتأكيد تماسكها بعد الحرب واحتجاجات كانون الثاني.

من الدعم السلبي إلى الدعم الإيجابي

يكشف تحليل المشهد فرقًا جوهريًا بين المؤيد الصامت الذي يكتفي بعدم المعارضة، والمؤيد الفاعل الذي يتحول إلى شريك في إنتاج الصمود. فالأزمة، حين تُدار إعلاميًا عبر خطاب يبرز الإنجاز لا الخسارة فحسب، تعمل كأداة تعبئة تحوّل الجمهور من متلقٍ سلبي للأحداث إلى فاعل يعيد إنتاج الخطاب بنفسه، كما ظهر في الشعارات واللافتات التي صاغها المشيعون أنفسهم لا الأجهزة الرسمية وحدها. وهنا تلتقي نظرية التعبئة الاجتماعية بنظرية الهوية الاجتماعية: فكلما تعزز الشعور بالانتماء الجمعي، ازداد استعداد الأفراد للمشاركة الفعلية بدل الاكتفاء بالتعاطف.

حرب الروايات وإدارة الوعي

أولت القيادة اهتمامًا خاصًا لما وُصف بـ"حرب الروايات"، من خلال الحض على بث الأمل ومواجهة الخطاب الذي يركز حصرًا على نقاط الضعف. وقد تجلى ذلك في تباين حاد بين رواية غربية ركزت على البعد التفاوضي وموازين القوى، ورواية استندت إلى وقائع ميدانية -كحجم الحشود ونطاق التغطية الدولي- لتقديم صورة مغايرة عن حال الداخل الإيراني بعد الحرب.

قراءة مقارنة للرواية الإعلامية

ركزت الرواية الغربية، كما عبّر عنها محللون في صحف ودوريات أميركية، على الأثر السياسي للحشود في تصليب الموقف التفاوضي الإيراني وعلى حالة عدم اليقين التي لا تزال تخيم رغم استعراض القوة. في المقابل، شددت الرواية الصينية على البعد الرمزي والبروتوكولي للجنازة كرسالة موجهة للحلفاء والخصوم، بينما اعتبرت الرواية الروسية أن اتساع المشاركة الشعبية يفنّد الرهان الأميركي "الإسرائيلي" على تفكك الداخل الإيراني. ويكشف هذا التقاطع أن الروايات الثلاث، رغم اختلاف زوايا النظر، تتفق على أن التشييع تجاوز طابعه الفردي ليتحول إلى مؤشر سياسي واستراتيجي، فيما تبقى الرواية الشعبية الميدانية أكثر التصاقًا بأسئلة الهوية والاستمرارية منها بحسابات موازين القوى.

الخاتمة

تُظهر القراءة المركبة لمنظومة الحكم أنها لم تكن مجرد إدارة سياسية بالمعنى المؤسسي الضيق، بل تحولت تدريجيًا إلى مكوّن من مكونات الهوية الجمعية للدولة. وقد أسهمت لحظة الفقد، بحسب مجمل الروايات الإعلامية المستعرضة، في تحويل ما كان يمكن أن يشكل نقطة استضعاف إلى محطة لإعادة تثبيت الشرعية، في وقت لم تُترجم فيه الرهانات الخارجية على إضعاف الداخل الإيراني، إلى نتائج حاسمة على الأرض.

الكلمات المفتاحية
مشاركة