اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الهرمل تحتضن فعالية "إمام الشهداء" تكريمًا للإمام السيد علي الخامنئي (قده) والشهداء

مقالات

السلطة التي باعت ظلها!
🎧 إستمع للمقال
مقالات

السلطة التي باعت ظلها!

161

في عالم السياسة الذي فقد بوصلته الأخلاقية، تبدو حكاية بيتر شليمل التي خطها أدلبرت فون شاميسو أكثر من مجرد خرافة أدبية (1)، فهي اليوم التوصيف الأدق لسلطة سياسية تخلت عن ظلها مقابل حفنةٍ من المكاسب الشخصية والوعود الزائلة. لقد باع هؤلاء ظلالهم للغرب الصهيوني، ظنًّا منهم أنهم سيحققون الثراء والنفوذ، لكنهم في الواقع فقدوا جوهر وجودهم، وباتوا كائناتٍ بلا جذور تتقاذفها أمواج المصالح الدولية، وتنزع عنهم إنسانيتهم كلما تعالت صرخات الأطفال تحت الأنقاض.

عند النظر في بنود مذكرات إطار التفاهم التي تطفو على السطح، وتحديدًا تلك المواد التي تغلغل فيها الغموض القانوني المريب، يدرك المتابع أنها ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل هي صكوك تنازل مكتوبة بحبرٍ من خيانة السيادة. إن المادة 13 وغيرها من البنود تشكل في جوهرها تفريطًا ممنهجًا بحقوق الشعب اللبناني وبجزءٍ غالٍ من الأرض اللبنانية، وتشرعن وجود العدو تحت غطاء التنسيق الأمني، لتتحول الدولة بهذا السلوك إلى مجرد أداةٍ وظيفية تخدم أمن المحتل وتستبيح حرمة الأرض التي رويت بدماء الشهداء.

المشهد اللبناني اليوم هو الفصل الأكثر قتامةً في مسارٍ طويل من الضغوط التي مارستها القوى الدولية والإقليمية لانتزاع قرار هذا البلد وتحويله إلى مجرد ساحةٍ تابعة للمنظومة الغربية، فما نشهده ليس وليد اللحظة، بل هو تتويج لاستراتيجية أميركية ممتدة لأكثر من أربعين عامًا سعت بكل الوسائل، من الغزو العسكري المباشر إلى الضغوط الاقتصادية والسياسية، إلى كسر إرادة لبنان الحرة. لقد أدركت واشنطن بعد محاولات تغيير الأنظمة والاحتلال المباشر أن الهيمنة الأكثر ديمومةً هي تلك التي تأتي من الداخل، عبر توظيف هذا الطقم السياسي العفن الذي وجد في الارتهان للخارج طريقًا وحيدًا للبقاء في السلطة، رابطًا مصيره بأجندات تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة مع مطامع الكيان الصهيوني وبعض القوى الإقليمية.

في مشهدٍ سياسي باتت فيه الخطوط الفاصلة بين المواقف الوطنية ومطالب العدو تتلاشى، يبرز الخطاب التبريري لرأس الهرم في الدولة اللبنانية كحلقةٍ في سلسلةٍ من الخطوات التي تكرس التماهي مع الرؤية "الإسرائيلية". إن التقاطع الصارخ بين هذا الخطاب وما يصدر عن نتنياهو ليس مصادفةً، حيث يعلن العدو استراتيجيته القائمة على فرض واقعٍ أمني دائم في الجنوب، وحيث تتلقف السلطة هذا الواقع لتغلفه بمفرداتٍ دبلوماسية باهتة تحاول من خلالها شرعنة الاحتلال المقنع لمنطقة الحزام الأمني. والأنكى من هذا، محاولات رئيس الحكومة التلاعب بالصيغ والالتفاف حولها، والتي لا تعدو كونها مناورةً مكشوفةً لبيع الوهم، فمهما حاول إيجاد التبريرات، فلا يمكن هضمها ولا استيساغها لما تحتويه من تنازلاتٍ بنيوية ومصيرية تمس جوهر وجود فئةٍ كبيرة من اللبنانيين.

إن حالة التآكل التي تعيشها مؤسساتنا ناتجة عن تفشي النزوات الفردية التي طغت على أي حس وطني، حيث أصبح الهدف الوحيد لهذه القوى هو إرضاء أسيادهم الخارجيين، ضاربين عرض الحائط بكل القيم التي تحمي المجتمع وتصون كرامته. هؤلاء المسؤولون، الذين باتوا بلا دين وبلا مبادئ، لا يرون في تدمير البيوت وقتل الأبرياء إلا أرقامًا في معادلاتهم الشخصية، مفضلين البقاء في دائرة الضوء الزائف الذي يمنحه لهم الغرب، متجاهلين أن الظل الذي فقدوه هو الذي كان يربطهم بهذه الأرض وهويتها.

هذا الانحدار الأخلاقي والوطني لن يمر دون حسابٍ أمام ذاكرة التاريخ، فالمراهنة على استقرارٍ يُبنى على التنازل عن السيادة هي سرابٌ يحسبه الظمآن ماءً. إن ما نراه اليوم هو عملية مسخٍ للكيان اللبناني ومحاولة لتدجين شعبه على القبول بالهزيمة كأمرٍ واقع، غير مدركين أن الإرادة الشعبية التي جبلت على التضحية لا يمكن أن تُشترى بصكوك التفاهم المشبوهة، وأن كل مسؤول يضع توقيعه على وثائق تفرط بحبة ترابٍ واحدة سيجد نفسه في نهاية المطاف في عزلةٍ تامة، بلا ظل يحميه وبلا وطنٍ يؤويه، حين تستعيد الأرض وجهها الحقيقي وتلفظ كل من باع ضميره في سوق النخاسة السياسية.

رئيس الجمهورية، وفي تعليقٍ له أمام مجموعةٍ من القانونيين، قال: البند الثالث عشر يتحدث عن "تعليق" الأعمال العدائية، بينما النص الحرفي هو "وقف" وليس تعليق، بحسب النص باللغتين العربية والإنكليزية، وهنا النص حرفيًّا كما ورد:

"انسجامًا مع هدفهما المشترك المتمثل في إقامة علاقاتٍ مستقرة وسلمية، تلتزم "إسرائيل" ولبنان باتخاذ إجراءاتٍ بحسن نية تعكس نواياهما الإيجابية، بما في ذلك "وقف" كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، والعمل على البحث عن الرفات وإعادتها، والإفراج عن المحتجزين".

وأيضًا في اللغة الإنكليزية عن وزارة الخارجية الأميركية حرفيًّا:

13- (In line with their shared goals to establish stable and peaceful relations, Israel and Lebanon commit to take good faith measures that demonstrate positive intent, including the "cessation" of all hostile or adverse actions in international political or legal fora, and pledge to work towards the search for and return of remains and the release of detainees).

لماذا هذا التضليل والوثائق باتت علنيةً وللجميع؟ أم أن حجم الخطيئة لا يغتفر ويريد أصحاب السلطة تغطية السماوات بالأبوات.

لقد استمر هذا النهج في التدخل السياسي والأمني في الشؤون اللبنانية عبر سلسلةٍ طويلة من السفراء الذين تعاقبوا على تمثيل المصالح الأميركية في عوكر، بدءًا ممن جاءوا قبل جيفري فيلتمان، الذي شهدت فترة عمله محطاتٍ مفصلية بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وصولًا إلى ديفيد هيل ودوروثي شيا، وغيرهما من الدبلوماسيين الذين عملوا بالتنسيق مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية مثل باربرا ليف، حيث سعى هؤلاء لتوجيه مسارات الأحداث بما يخدم الأجندات الإقليمية والدولية لواشنطن. ارتبطت فترات تواجد هؤلاء المسؤولين بمحطاتٍ شهدت اضطراباتٍ سياسية واقتصادية وأمنية عميقة، بدءًا من الانقسامات الحادة التي تلت اغتيال رفيق الحريري، وصولًا إلى الضغوط الدبلوماسية والمالية المكثفة التي تزايدت في السنوات الأخيرة. تعتمد هذه السياسة على استخدام مجموعةٍ من الأدوات التي تتراوح بين فرض العقوبات الاقتصادية، ودعم قوى سياسية ومجتمع مدني محددين، والتحريض المستمر ضد أطرافٍ معينة، وكل ذلك في إطار السعي لفرض تغييراتٍ بنيوية في التوازنات الداخلية اللبنانية، ما خلق حالةً من عدم الاستقرار الدائم وأدى إلى تعميق الشرخ بين المكونات اللبنانية، وهو ما يراه العديد من المراقبين دفعًا ممنهجًا نحو حالةٍ من الفوضى التي قد تهدد السلم الأهلي، خاصةً في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها البلد. إن هذا الدور الممتد لسنواتٍ طويلة يجسد رؤيةً أميركية تنظر إلى لبنان كساحةٍ لتصفية الحسابات السياسية، حيث تتداخل الأهداف الأمنية مع الاستراتيجيات الجيوسياسية، ما يجعل من الصعب على اللبنانيين الوصول إلى تفاهماتٍ وطنية بعيدًا عن هذه الضغوط الخارجية، التي تستغل كل ثغرةٍ لتعزيز نفوذها وتوسيع رقعة الانقسام، وهو ما يؤكد أن سياسة واشنطن لم تكن يومًا بعيدةً عن التدخل المباشر في أدق تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر مستمرة على الاستقرار العام. الآن جاء من ينفذ الرغبة الأميركية "الإسرائيلية" عبر الثنائي السلطوي وأعوانهم، والذين باتوا يلعبون على المكشوف بالتعاون مع الصهيوني بلا أي رادع، ووضع البلد مباشرةً تحت الوصاية الأميركية "الإسرائيلية"، والإعلام العبري ما زال، ومنذ لحظة توقيع "الوثيقة الفضيحة"، يحتفي ويقول: ما عجز عنه الجيش "الإسرائيلي" نفذته السلطة اللبنانية، وكفى بذلك إدانةً لا لبس فيها.

وأيضًا عندما تأتي الإدانة على لسان دبلوماسي بريطاني سابق، Craig Murray، عندما يقول في مقالته على موقعه:

https://substack.com/home/post/p-204105714

" This is an astonishing development. I did not think I could have a lower opinion of the appalling bloated traitor “General” “President” Aoun but not even I - nor I think any commentator - believed he would make such a deal with Israel. The plan is that the Americans, Israelis and Lebanese Army will act together to forcibly eliminate

الترجمة:

"إن هذا التطور مذهل، لم أكن أعتقد أن رأيي في "الجنرال" "الرئيس" عون، ذلك الخائن المتضخم والمروع، يمكن أن ينحدر إلى مستوى أدنى، لكنني لا أعتقد أنني أو أي معلقٍ آخر تخيلنا أنه سيبرم مثل هذه الصفقة مع "إسرائيل". الخطة تقضي بأن يعمل الأميركيون و"الإسرائيليون" والجيش اللبناني معًا للقضاء قسرًا على المقاومة".

(1) قصة بيتر شليمل هي رواية رمزية للكاتب الألماني أديبرت فون شاميسو تتناول رحلة شابٍ يبيع ظله للشيطان مقابل ثروةٍ لا تنضب، ليجد نفسه منبوذًا من المجتمع الذي يقدس المظاهر والارتباط بالهوية والظل. يعيش البطل صراعًا وجوديًّا مريرًا بعد اكتشافه أن فقدان ظله يعني فقدان جزءٍ من جوهره الإنساني ومكانه في العالم، مما يدفعه في النهاية إلى التخلي عن كنوزه الدنيوية بحثًا عن الخلاص واستعادة ذاته الحقيقية. تعد هذه الحكاية نقدًا عميقًا للاغتراب الإنساني ومحاولة الإنسان المعاصر التضحية بقيمه الأصلية من أجل امتلاك القوة والمادة.

 

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع
 
الكلمات المفتاحية
مشاركة