مقالات
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
في المشهد الإيراني الراهن، لا تتحرك الدبلوماسية بمعزل عن الميدان، كما لا تُستخدم القوة العسكرية بوصفها بديلاً عن التفاوض. فالإستراتيجية الإيرانية، في جوهرها، تقوم على مبدأ التكامل بين الأدوات، حيث تتقدم الدبلوماسية محمولة على رصيد من عناصر القوة، بينما تتحول القدرات العسكرية إلى رافعة تفاوضية تهدف إلى تعديل سلوك الخصوم وإجبارهم على الالتزام بالتعهدات. وهذا ما عبّرت عنه مؤسسات الدولة الرسمية، إذ أكد مسؤولوها أن الحرب والمفاوضات ليستا مسارين متناقضين، بل جناحان لإستراتيجية واحدة، وأن المطلوب هو التنسيق بين الأداتين بما يخدم المصالح والأمن الوطنيين.
لذلك لا يمكن قراءة المشهد الإيراني الراهن من خلال ثنائية الحرب أو التفاوض، فما يجري داخل مؤسسات القرار الإيراني ليس سوى بلورة إستراتيجية متكاملة لإدارة الصراع مع الولايات المتحدة، تقوم على هرمية واضحة لصنع القرار تبدأ من مداولات المجلس الأعلى للأمن القومي، لتصل إلى القائد الأعلى الذي يملك حق الموافقة أو الرفض النهائي. والأهداف المركزية والثوابت الجامعة التي تحكم هذه الإستراتيجية، رسمها القائد الأعلى في ورقته ذات النقاط العشر، والتي تتقدّمها ثلاث أولويات كبرى: منع واشنطن من فرض شروطها على إيران، والحفاظ على توازن الردع الذي أفرزته الحرب الأخيرة، ووقف إطلاق النار في الجبهات كافة. غير أن جوهر الإستراتيجية يتحدد في موقع التفاوض داخل هذه المعادلة؛ هل يظل أداةً من أدوات الصراع وإدارة الأزمات، أم أن التطورات الميدانية تستدعي إعادة تعريف دوره؟
الميدان والدبلوماسية.. جناحان لإستراتيجية واحدة
في الإستراتيجية الإيرانية، لا تتحرك الدبلوماسية بمعزل عن الميدان، فالصراع مع الولايات المتحدة يُنظر إليه بوصفه حرباً وجودية تتجاوز حدود الحكومات والرؤساء الأميركيين، لتتصل بإستراتيجية أميركية ثابتة وممتدة تستهدف إسقاط إيران وتقويض مكانتها الإقليمية. غير أن هذا التوصيف، بدلاً من أن يقود إلى شطب خيار الدبلوماسية، يدفع إلى إعادة تعريف وظيفتها ضمن معادلة الصراع ذاتها.
فالمفاوضات، وفق هذه الرؤية، لا تشكل مساراً بديلاً عن القوة والميدان، بل هي امتداد عضوي لهما. فالدبلوماسية لا تصنع ميزان القوى، بل تستثمره وتوظفه. والميدان هو الذي يزود المفاوض الإيراني بأوراق ضغطه، فيما تمنح المفاوضات الإنجازات العسكرية شرعية سياسية وقانونية، شريطة أن تُفضي إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ تحفظ المصالح الوطنية ولا تمس بثوابت الأمن القومي.
ومن هنا، فإن التأكيد على أن الفصل بين الحرب والتفاوض يشكل "خطأً إستراتيجياً" يحمل دلالة تتجاوز الموقف التكتيكي، لتعكس تحولاً في العقيدة السياسية الإيرانية ذاتها؛ إذ لم تعد الحرب والدبلوماسية مسارين متوازيين، بل أصبحتا جناحين لإستراتيجية موحدة، تتقدّم إحداهما أو تتراجع وفقاً لمقتضيات اللحظة ومتغيرات الميدان. فالسيطرة الإيرانية على مضيق هرمز تُقدّم بوصفها إنجازاً ميدانياً تحول إلى ورقة تفاوضية ضاغطة، بما يعني أن القوة العسكرية ليست سوى وسيلة لإعادة صياغة شروط التفاوض وإجبار الخصم على التعامل مع وقائع فرضها الميدان، لا مع نصوص كتبتها الدبلوماسية على طاولات المفاوضات.
ويقول كبير المفاوضين الإيرانيين قاليباف في هذا السياق: "يجب أن تكون نظرتنا في الحرب أو التفاوض واقعية وبعيدة المدى وقائمة على أساس المصالح والأمن الوطنيين"، مضيفاً: "يجب أن نكون قادرين على إيجاد تنسيق بين الأسلوبين العسكري والدبلوماسي، ولا ينبغي أن نهاب الحرب أو المفاوضات... فالمفاوضات في هذه المرحلة لا تعني المساومة، بل هي إلى جانب الحرب جزء من إستراتيجية المقاومة وصون المصالح الوطنية". إنها رؤية تعيد الاعتبار للدبلوماسية بوصفها أداة ردع، لا منصة للاستسلام.
هرمز: الجغرافيا بوصفها أداة ردع
يدرك صناع القرار في طهران، أن امتلاك أوراق الضغط الجيوسياسية لا يقل أهمية عن امتلاك القدرات العسكرية التقليدية. ويُعد مضيق هرمز أبرز هذه الأوراق، نظراً لموقعه الاستثنائي في معادلات الطاقة العالمية. فالمضيق الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يشكل شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسعار الطاقة وسلاسل التوريد والأسواق المالية العالمية. وعلى الرغم من أن إيران استخدمت التهديد بإغلاق المضيق مراراً خلال العقود الماضية، فإن التطور اللافت اليوم يتمثل في ربط هذا الملف بشكل مباشر بالتزامات الولايات المتحدة تجاه وقف إطلاق النار في لبنان، وتحويله إلى أداة إستراتيجية لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك الإقليمي.
وقد جاءت موافقة القائد الأعلى على الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة استجابة لاقتراح تقدّمت به مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للأمن القومي، وبعد تعهد صريح من رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي بالالتزام بالثوابت التي حددها القائد، وفي مقدمتها النقاط العشر الناظمة للمفاوضات، وصون المصالح العليا للثورة ولإيران وشعبها. وهذا مؤدّاه أن أي مسار تفاوضي لا بد أن يخضع لضوابط واضحة تمنع تحوله إلى مساومة، وتضمن بقاءه في إطار إستراتيجي متكامل.
ولعلّ أحد أبرز المتغيرات التي أعادت تشكيل البيئة السياسية المحيطة بصنع القرار في طهران كان التشييع المهيب والتاريخي وغير المسبوق للإمام الشهيد السيد علي الخامنئي في إيران والعراق، والذي تجاوز كونه حدثاً شعبياً عابراً إلى كونه استعراضاً إستراتيجياً للتماسك الداخلي والالتفاف الشعبي حول الدولة، والقيادة السياسية والعسكرية، وخياراتها المصيرية. وقد حمل هذا المشهد المهيب رسائل قوة وردع لم تكن موجهة إلى الداخل الإيراني فحسب، بل إلى واشنطن وتل أبيب أيضاً، باعتباره مؤشراً واضحاً على أن الضغوط العسكرية والاقتصادية لم تنجح في إحداث شرخ بين القيادة والبيئة الشعبية الحاضنة لها.
وقد أدركت الولايات المتحدة دلالات هذا المشهد، ولا سيما ما يعكسه من محبة عميقة يكنّها الشعب الإيراني لقائده، إذ لم تنتظر انتهاء مراسم التشييع لتباشر استهداف محيط مدينة مشهد، عبر قصف منطقة سكك الحديد في مدينة نيشابور، في محاولة لعرقلة تدفق المشاركين في مراسم التشييع، ولتوجيه رسالة مضادة تسعى إلى الحد من الأثر السياسي والمعنوي الذي أفرزه هذا الحشد الشعبي التاريخي.
معادلة الردع: النووي بالنووي
أما على المسار العسكري الإستراتيجي، فقد وجّه الجنرال يحيى رحيم صفوي، مستشار قائد الثورة الإسلامية، رسالة ردع إستراتيجية قوية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، تقوم على تثبيت معادلة جديدة في ميزان الردع، حيث قال: "إن شنّ ضربة نووية على إيران سيكون القرار الأكثر عبثية. تبلغ مساحة إيران نحو 1.6 مليون كيلومتر مربع. جزء كبير من أراضيها صحراوي، ولا شك أن ضربة نووية تكتيكية ستلحق بها أضراراً جسيمة ومأساوية، وستؤدي إلى خسائر بشرية فادحة. مع ذلك، لن تدمر الضربة النووية التكتيكية إيران، فمساحة أراضيها ستسمح لها بالبقاء. لكننا سنردّ بضربات مباشرة على منشأة ديمونا النووية وغيرها من المراكز النووية الإسرائيلية. بالنسبة لدولة صغيرة كإسرائيل، سيؤدي ذلك إلى انهيارها. هذا هو الخيار الآن لترامب".
هنا يشير اللواء صفوي إلى حقيقة جيوسياسية ثابتة تتمثل في اتساع الجغرافيا الإيرانية الفسيحة وقدرتها الفائقة على امتصاص الضربات، مقابل هشاشة الجغرافيا الإسرائيلية وضيقها المتناهي، بما يحوّل أي مغامرة عسكرية ضد إيران إلى تهديد وجودي حقيقي لإسرائيل ذاتها. إنها معادلة ردع تقوم على تفوق العمق الإستراتيجي، وتستند إلى قدرة إيران على تحويل أي عدوان إلى كارثة وجودية على المعتدي، وهو ما يعيد تعريف مفهوم الردع في المنطقة برمتها.
قواعد اشتباك جديدة
أما ميدانياً، فقد وسّعت إيران نطاق ردها ليشمل قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية في أكثر من دولة بالمنطقة، مستهدفة مراكز قيادة ومنظومات رادار ومستودعات وقود ومنشآت لوجستية. والرسالة التي حاولت طهران إيصالها واضحة: أي قاعدة تُستخدم في استهداف الأراضي الإيرانية يمكن أن تصبح جزءاً من ساحة الرد.
وبغض النظر عن حجم الأضرار الفعلية لكل طرف، فإن المؤشر الأبرز يتمثل في أن مسرح العمليات لم يعد محصوراً داخل الأراضي الإيرانية، بل امتد ليشمل شبكة الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج، الأمر الذي يزيد من تعقيد الحسابات العملياتية والسياسية معاً.
الاستنزاف… المعضلة الأمريكية
الجانب الأكثر حساسية بالنسبة لواشنطن لا يتمثل فقط في استمرار العمليات، وإنما في كلفتها المتراكمة. فصحيفة فايننشال تايمز البريطانية نقلت عن مسؤولين أمريكيين سابقين أن الضربات الدقيقة تتطلب موارد عسكرية واستخباراتية هائلة، وأن استمرارها لفترة طويلة يؤدي إلى استنزاف الذخائر الاعتراضية والمنظومات القتالية، ويؤخر إعادة تموضع القوات في ساحات أخرى تعدها الولايات المتحدة أكثر أهمية في المنافسة الدولية. ويضاف إلى ذلك البعد الاقتصادي الداخلي، حيث انعكس التصعيد على أسواق الطاقة، مع ارتفاع أسعار النفط والوقود، وهو تطور يحمل كلفة سياسية مباشرة على الإدارة الأمريكية في عام انتخابي حساس.
ومن هنا، يبدو أن واشنطن تواجه معضلة مركبة؛ فهي لا تستطيع التراجع بسهولة بعدما رفعت سقف أهدافها، وفي الوقت نفسه لا تملك ضمانات بأن استمرار العمليات سيقود إلى نتيجة إستراتيجية حاسمة.
ففي النهاية؛ تكشف المواجهة الحالية أن الصراع تجاوز كثيراً شعاراته الأولى؛ فالمسألة لم تعد مقتصرة على البرنامج النووي الإيراني أو الصواريخ الباليستية، بل أصبحت ترتبط مباشرة بمن يملك حق إدارة أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم. وبينما تواجه الولايات المتحدة تحديات عسكرية واقتصادية وسياسية متزايدة، تشير المؤشرات إلى أن إطالة أمد الصراع قد ترفع كلفته أكثر مما تحقق أهدافه، وهو ما بدأ ينعكس حتى في النقاشات داخل المؤسسات الأمريكية نفسها.