خاص العهد
صحافية لبنانية
هي الرسالة الأولى العلنية التي يُخاطب فيها قائد الثورة الإمام السيد مجتبى الخامئني مجاهدي المقاومة الاسلامية في لبنان، بعد حوالي 5 أشهر من العدوان "الاسرائيلي" الذي لم ينتهِ الى الآن. لغةٌ بليغة تحمل في مفرداتها رسائل أمام الملأ ودول الحرب لا بدّ من التوقف عندها.
في اليوم الذي بعث المقاومون رسالة بيعة وطاعة لمن يحمل لواء الإسلام المحمّديّ الأصيل، كانت الإجابة سريعة لم تتأخر الى 24 ساعة لاحقة، أتت على الأثر في اليوم نفسه. يقول السيد مجتبى الخامنئي، في رسالته التي وجهها الى مجاهدي حزب الله، إن "الحزب في لبنان، بوصفه رائد فصائل الجهاد، يقف صخرة صلبة في مواجهة عدوان الكيان الصهيوني الوحشي وداعميه"، مشيرًا الى أن: "هذا الصمود غدا رسالة مُلهمةً لشعوب العالم الحرة، في مسيرتها نحو التحرر من ظلم الاستكبار العالمي وأتباعه"، ومُشيدًا بـ"صبر الشعب اللبناني ونبله وتضحياته وتكاتفه، وا سيما أبناء الجنوب".
الأهمّ، في رسالة السيد مجتبى، تجديد التزام القيادة الإيرانية بصون السيادة اللبنانية في مواجهة العدوان، إذ قال حرفيًا إن" "جمهورية إيران الإسلامية، انطلاقًا من النهج الذي رسمه القائد المعظم وشهيد الثورة الإمام السيد علي الخامنئي -رضوان الله تعالى عليه- قد جعلت من الدفاع عن هؤلاء المجاهدين المظلومين المقتدرين سياسة استراتيجية ثابتة، وأدرجت صون السيادة اللبنانية وإنهاء عدوان الكيان الصهيوني بصورة كاملة ومن دون أي قيد أو شرط، شرطًا أول في مذكرة تفاهم إنهاء الحرب المفروضة مع أمريكا المعتدية".
العلاقة المتينة بين القيادة وأهل الميدان
الباحث والكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير يرى، في رسالة السيد مجتبى الخامنئي، أهمية قصوى في التوقيت والمضمون والشكل.
في حديث لـ"العهد"، يُعدّد قصير دلائل الرسالة وما حملته من معانٍ مباشرة:
* تأكيد العلاقة المتينة التي تربط قيادة الجمهورية الاسلامية بشبان حزب الله ومجاهديه.
* تشديد على الدور الكبير الذي قام به حزب الله في مواجهة العدو "الاسرائيلي"، وهي تذكير بما قاله الامام الخميني (قده)، في بداية تأسيس حزب الله: "إن جهاد أبناء حزب الله في لبنان هو حجة إلهية على العلماء كلهم في العالم".
* التعبير عن مكانة لبنان في الجمهورية الاسلامية، فهو في سلّم أولوياتها في هذه المرحلة الصعبة، لاسيما على صعيد وقف إطلاق النار، وأن حماية سيادة لبنان والانسحاب "الاسرائيلي" من جنوبه من أولوياتها.
* لحظ خصوصية الشعب اللبناني، وبيئة المقاومة كلها، والحرص على استقرار لبنان.
* الوقوف عند الجانب المعنوي والعاطفي في العلاقة مع المقاومين، واستذكار جهاد الشهداء وعلى رأسهم السيد حسن نصر الله (رض).
بحسب قصير، يُستنتج من رسالة السيد مجتبى الخامنئي ثبات القيادة، وأن الموقع المتقدّم لحزب الله في محور المقاومة، لا سيما في المواجهات والحرب الأخيرة، وتأكيدها العلاقة الاستراتيجية بين الجانبين، ردًّا على من يقول إن اهتمام إيران بحزب الله انتهى أو خفُت، وأن حزب الله لم يعد له دور.
يلفت قصير الى أن أولوية لبنان واستقراره بالنسبة إلى القيادة الإيرانية ترجمت سابقًا بردّ الجمهورية على العدوان "الاسرائيلي" على الضاحية الجنوبية، وجعل لبنان النقطة الأولى في اتفاق وقف إطلاق النار، ويجزم مجدّدًا أن أيّ اتفاق جديد مع الولايات المتحدة سيكون للبنان محورًا أساسيًا فيه.
كذلك يتوقف قصير عند سرعة التخاطب بين السيد مجتبى والمجاهدين في الرسائل المتبادلة، فيؤكد أن هذا العامل يعد ردًا على الشائعات التي تعمل دائمًا على النيل من موقع سماحته ودوره، في إدارة المرحلة الحالية في إيران وتمتين العلاقة مع المجاهدين في المحور.
لبنان في عقل القيادة الإيرانية
بدوره، يقارب الأستاذ في الحوزة العلميّة والدكتور العلوم الإسلامية الشيخ خليل رزق رسالة السيد للمقاومين من منطلق الوفاء المتبادل بين القيادة والرعيّة.
يقول الشيخ خليل رزق إن القائد يفتتح الرسالة بآية تؤكد وجوب القتال مع إشعار العدو بالغلظة، بناء على الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} (التوبة، 123)، ما يعني أن القتال مع هذا العدو ماضٍ ومستمرّ، خلافًا لما يعتقده البعض من أن المقاومة أصيبت في هذه الظروف بنكسات وأزمات تمنعها من مواصلة المواجهة والتصدّي لاعتداءات الصهاينة.
الشيخ خليل رزق يُجمل، في حديثه لـ"العهد"، ما حملته الرسالة أيضًا من دلالاته:
* تأكيد مواصلة القتال واستمراريته.
* رسالة للعدو والى المحبّين والموالين، على حدّ سواء، بأن نهج المقاومة والتصدي لن يتوقف أو يخمُد.
* تذكير بظلم الإدارة الامريكية وجرائم العدو الصهيوني ليقول لنا إنه أمام هذا العدو لا ينفع معه أي شيء سوى الجهاد والمقاومة والثبات في خطّ المواجهة، وإن كلّ أساليبه التي يحاول فرضها، من تطبيع أو صُلح أو مسار تفاوضي غير مجدية، والأمر المُجدي الوحيد هو مواصلة الجهاد.
بناءً على مضمون رسالة السيد، يشدّد الشيخ رزق على أن الهدف الجليّ من كلام قائد الثورة التمسّك بمبدأ أن الطريق الوحيد الذي يُنزل علينا النصر ويحققه هو طريق الجهاد، وأن المقاومة الاسلامية يجب أن تكون مع الله الذي وحده يحقّق النصر.
بتقدير الشيخ، "الرسالة تشحن الهِمَم ونفوس المقاومين بالأدلّة لتثبيت عزيمة المجاهدين". ويضيف: "القائد يرى، في رسالته، المقاومة في لبنان رائدة فصائل الجهاد والصخرة الصلبة في مواجهة العدوان، وهذا يحمّلها مسؤولية كبيرة ويؤكد دورها الريادي للاستمرار في الجهاد ضدّ العدو. ويُشير سماحته، في رسالته أيضًا، الى أن مقاومة حزب الله هي رسالة لشعوب العالم كلّها حتى تمضي نحو التحرر ومواجهة الاستكبار العالمي، ويعد نموذج المقاومة في لبنان شعلة مضيئة تنير الطريق لشعوب العالم كلها، كما أنه لم ينسَ الشعب اللبناني فأشاد بصموده وتضحياته".
ويرى الشيخ رزق أن: "السيد أعاد التذكير بثبات إيران على وفائها في دعم المقاومة، وكيف وضعت إنهاء العدوان على لبنان في أولويات التفاوض وشروطه أمام الأمريكيين، وبندًا أول في مذكرة التفاهم".
ويخلص الى أن: "لبنان، في عقل السيد مجتبى وفكره والجمهورية الاسلامية كلّها، وسيبقى كذلك في أيّة مفاوضات مقبلة أو تفاهم قادم، والمحسوم أن أي مذكرة جديدة لن تخلو من خصوصية لبنان ولحظها".