خاص العهد
عاد ملف التجديد لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" إلى واجهة النقاش السياسي والدبلوماسي، لكن هذه المرة ضمن مقاربة تتجاوز مسألة التمديد السنوي، لتشمل طروحات تتعلق بمستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان، وإمكان استبدال القوة الحالية بقوة أوروبية أو متعددة الجنسيات، أو تعديل مهامها وصلاحياتها.
وفي هذا السياق، لا يزال موعد زيارة الوفد العسكري الأميركي إلى لبنان غير محسوم، فيما لم تطرح واشنطن حتى الآن بصورة رسمية فكرة نشر ضباط أميركيين على الأرض لمراقبة تنفيذ الاتفاق بين السلطة اللبنانية و"إسرائيل"، مقابل تداول أفكار حول دور أوروبي، ولا سيما إيطالي، في أي آلية مستقبلية للمراقبة والتحقق.
وتشير المعطيات إلى أن مستقبل "اليونيفيل" كان حاضرًا في الاتصالات اللبنانية – الأميركية الأخيرة، في ظل البحث عن آليات تحول دون حدوث فراغ أمني في جنوب لبنان، مع استمرار النقاش حول مصير القوة الدولية بعد انتهاء ولايتها الحالية.
وفي موازاة ذلك، يجري تداول تصورات دبلوماسية لإنشاء قوة أوروبية جديدة تنتشر بقرار من مجلس الأمن الدولي، على أن تتمتع بصلاحيات أوسع من تلك الممنوحة لـ"اليونيفيل"، تشمل مراقبة أي محاولات لإعادة بناء القدرات العسكرية أو إعادة التسلح في منطقة جنوب لبنان.
وتفيد المعلومات بأن فرنسا وألمانيا تقودان هذا التوجه، في إطار سعيهما إلى الحفاظ على حضور أوروبي فاعل في شرق البحر المتوسط، مع احتمال انضمام دول أخرى، بينها إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، فيما يبرز أيضًا طرح يتحدث عن دور تركي محتمل ضمن أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
ولا تقتصر النقاشات على شكل القوة الجديدة، بل تشمل أيضًا نطاق انتشارها، إذ تتناول بعض الطروحات إمكان توسيع مهامها مستقبلًا لتشمل، إلى جانب منطقة جنوب الليطاني، مناطق شمال الليطاني، مع تداول أفكار تتعلق بمنطقة البقاع ضمن أي آلية رقابة محتملة.
في المقابل، تتحدث معطيات عن مساعٍ "إسرائيلية" لإجهاض أي مساعٍ أوروبية لأن تتواجد كخيار بديل عن "اليونيفيل"، في وقت تعمل فيه دول أوروبية على إعداد تصور يمتد لعدة سنوات، يتضمن دعمًا إضافيًا للجيش اللبناني وتعزيز قدراته، إلى جانب برامج لمراقبة الحدود ومكافحة تهريب الأسلحة.
وبحسب السيناريوهات المتداولة، تنتهي الولاية الحالية لـ"اليونيفيل" في 31 كانون الأول/ديسمبر 2026، على أن يعقب ذلك انسحاب تدريجي للقوة التي تضم نحو 10,800 عسكري ومدني، وصولًا إلى استكمال الانسحاب بحلول منتصف عام 2027، بالتوازي مع البحث في ترتيبات أمنية جديدة بالتنسيق مع لبنان وعدد من الدول المعنية.
وفي موازاة هذه الطروحات، يبقى الحديث عن نشر قوة دولية أو متعددة الجنسيات سابقًا لأوانه، إذ إن أي تقييم لهذا الخيار يتوقف على طبيعة المهمة، والدول المشاركة، والإطار القانوني الذي سيحكم عملها، وما إذا كانت ستنتشر تحت مظلة الأمم المتحدة وبقرار من مجلس الأمن، أم ستكون قوة متعددة الجنسيات تعمل خارج هذا الإطار.
كما أن ما يُعرف بـ"اتفاق الإطار"، لم يتضمن أي نص يتعلق بإنشاء قوة دولية جديدة، فيما تقتصر الآلية المنبثقة عنه على ثلاثة أطراف هي لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل، من دون أي إشارة إلى تعديل البنية الحالية أو استحداث قوة بديلة.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى أي ترتيبات قد تُبنى على الاتفاق باعتبارها لا تزال موضع نقاش، خصوصًا في ظل استمرار الاعتداءات "الإسرائيلية"، وعدم انسحاب القوات "الإسرائيلية" من الأراضي المحتلة، وعدم معالجة ملفات الأسرى وعودة الأهالي إلى المناطق الحدودية.
في المقابل، يبقى تعزيز قدرات الجيش اللبناني أولوية في أي مقاربة مستقبلية، باعتباره المؤسسة الوطنية المخولة حماية السيادة والأمن، فيما تواصل قوات "اليونيفيل"، وفق ولايتها الحالية، أداء دورها في مراقبة الانتهاكات "الإسرائيلية" وتوثيقها، وهو الدور الذي ظل موضع اعتراض "إسرائيلي" ومحاولات متكررة للحد من فعاليته.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي منير الربيع أن الطرح المتداول يقوم على إشراف أميركي غير مباشر، بحيث لا تنشر الولايات المتحدة قواتها على الأرض، بل توكل المهمة إلى دول أوروبية. ويشير إلى أن فرنسا وألمانيا تدفعان نحو تشكيل قوة أوروبية جديدة قد تنضم إليها لاحقًا دول أخرى، في حين لا يزال لبنان يتمسك بخيار التمديد لـ"اليونيفيل"، رغم غياب مؤشرات واضحة على إمكان تحقيق ذلك.
ويعتبر الربيع أن البدائل المطروحة قد تتراوح بين قوة أوروبية، أو قوة متعددة الجنسيات، أو إعادة تفعيل آلية مراقبة الهدنة، مشيرًا إلى أن أي قوة جديدة، في حال إقرارها، ستتمتع بصلاحيات أوسع من تلك الممنوحة حاليًا لـ"اليونيفيل"، إلا أن تنفيذ هذا السيناريو يبقى مرتبطًا بقرار من مجلس الأمن الدولي، وسط تعقيدات سياسية كبيرة.
ويخلص إلى أن هذه الطروحات لا تزال في إطار النقاش، وأن المشهد سيبقى مرتبطًا بالتطورات الإقليمية والدولية، وبأي تفاهمات قد تنعكس على الساحة اللبنانية، إلى جانب عوامل داخلية ستحدد مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان.