اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي قوات الاحتلال تنفذ حملة اعتقالات في الضفة الغربية المحتلة

نقاط على الحروف

لستُ رأيًا آخر..!
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

لستُ رأيًا آخر..!

205

كاتب فلسطيني من غزة

حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية

 ودورة في القانون الدولي

نعيش، في هذه الأيام، ذكرى ثورة يوليو/تموز في العام 1952. في العام 1956 من القرن الماضي، قام الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس، وقد رأها البعض في حينها مغامرة هائلة ومقامرة بلا أفق، ومنهم أعضاء في مجلس قيادة الثورة، لا سيما، بحسب رأيّ هؤلاء، أنّ الثورة ما تزال في مهدها، وليس من الحكمة وضعها في صدامٍ عنيف مع الغرب.

لكنّ عبد الناصر اتخذ قراره وأعلن التأميم، فدفعت مصر الثمن كاملًا،  تدمير مدن القناة واحتلال سيناء وآلاف الشهداء والجرحى، فيما عُرف بــ"العدوان الثلاثي على مصر". كذلك دفعت غزة الثمن، بحكم وقوعها ضمن الإدارة المصرية، حيث احتلت بالكامل، مع مجازر انتقامية ارتكبتها عصابات أرئيل شارون، راح ضحيتها مئات الشهداء، خصوصًا ما اشتُهر منها في خانيونس ورفح.

 لكن النتائج، كما نعرفها وكما سجلها التاريخ، كانت انزواء الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وانحسار الاستعمار،وولادة قطب عربي فاعل ورئيسي في السياسة الدولية. إذ قال أحد الدبلوماسيين الأمريكيين: "لا تكتمل اللعبة الدولية، إلّا بوجود ناصر على الطاولة"، هذا مع أنّ الميزان العسكري يومها لم يكن على الإطلاق في مصلحة مصر.

بينما ماذا سيكون الحال لو افترضنا التماس الرضا الاستعماري، وتهيّب الصدام لاختلال موازين القوة؟ ثم عدم الإقدام على خطوة التأميم؟ النتائج لن تكون بحاجةٍ إلى خيالٍ جامح؛ لنعرف النتائج المترتبة على الرضوخ للإملاءات الغربية، بديهيًا: لا تنمية ولا قطاع عام ولا السدّ العالي ولا وزن دولي أو إقليمي.

لكن هذا ليس محاضرة في التاريخ، هو للإضاءة على مفارقةٍ في الوعي الجمعي. في ذلك الوقت، وإثر احتلال قطاع غزة، طُرح مشروع قرار في الأمم المتحدة، في العام 1957، لوضع غزة تحت إدارةٍ دولية. كانت هذه الإدارة ستعيد الإعمار وتوفر الخدمات، وما يُعرف بالحياة الكريمة، وكانت نسخة مشابهة لما يُعرف اليوم بـ"مجلس السلام". خرج أهل غزة على قلب رجلٍ واحد، في مظاهرات حاشدة، ضد القرار وضد الاحتلال وضد القوات الدولية، والتي أطلقت النار فأوقعت الشهداء.. لكنّ المظاهرات كان لها مطلبٌ واحد من شقّين،، رفض الاحتلال والإدارة الدولية، وعودة الإدارة المصرية.. والمفارقة، أنّ الجماهير كانت تحمل صور الرئيس جمال عبد الناصر وتهتف باسمه، مع أنّه بحسب منطق بعض مثقفي ومفكري اليوم، هو سبب احتلال غزة وتدميرها واستشهاد أبنائها.

في مذكراته "إسرائيل كما عرفتها"؛ يروي الدكتور أحمد شوقي الفنجري، حين كان يعمل في مستشفيات قطاع غزة إبّان العدوان الثلاثي، مشاهد تشيب لها الولدان لإجرام العصابات الصهيونية، وعن جمع الناس من سنّ 12 عامًا فما فوق، ونقلهم إلى صحراء النقب، وقد كان الفنجري من ضمنهم، وأنجته العناية الإلهية؛ حيث كان يعمل مع المنظمات الدولية.. بعد الانسحاب"الإسرائيلي"، وحيث كان الأهالي ينتظرون عودة أبنائهم، جرف السيّل رفاتهم إلى وادي غزة، فأعدموا ودفنوا في مقابر جماعية.

يروي الفنجري كيف كانت مستشفيات القطاع هدفًا دائمًا للقصف"الإسرائيلي"، بشكلٍ وحشي، ويروي أنّ القوات"الإسرائيلية" اقتحمت مستشفى خانيونس، فقتلت المرضى والجرحى والأطفال، وحتى القطط لم تنجّ من المذبحة.. ويقول إنّ المستشفيات في غزة أصبحت مهجورة، لأنّها صارت كالمصيدة بالنسبة إلى الأهالي. ولا أعتقد أنّ حركة حماس، في ذلك الوقت، كانت قد اتخذت من المستشفيات مراكز قيادية أو مخازن أسلحة بعد..!

 هذا نموذج عن الجرائم التي ارتُكبت في قطاع غزة، والذي أُحتلّ بعد قرار التأميم.. بعد تلك الجرائم كلها؛ خرج الناس يهتفون باسم من"تسبب بذلك".. !!

لو عدنا بالزمن إلى تلك الحقبة، هل كان يتجرأ أحد؟ أو بالأحرى هل كان يخطر ببال أحد أن يُهاجم عبد الناصر، لأنّ قراره "الساذج والمتهور" بالتأميم، كان سبب تلك المآسي كلها! كما يتبجح اليوم البعض، بتحميل حماس بعد عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023، أو تحميل حزب الله بعد قرار الإسناد في الثامن من تشرين أول/أكتوبر، أو بعد قرار منع الاستفراد بالجنوب في الثاني من آذار/مارس..؟!

الجواب الوحيد هو فتش عن النفط، فليست المسألة مجرد تقلب أزمنة واختيارات أجيال، هي معرفة العدو، ولم تكن تلك الأجيال قد تلوّث نخاعها الفكري بالنفط، والذي صنع لأجيال اليوم أعداءً من أنفسهم، وجعل الكيان مجرد رأيٍ آخر، قبل أن يتطور الأمر ويصبح هو الرأي الأول.. أمّا الحقوق والثوابت والأرض ووحدة الدّم والهدف والمصير، فهي مجرد رأيٍ آخر، ولا قيمة له مقابل قدرة العدو على الإجرام، والذي تغيّب جريمته وتُحمّل للضحايا.

لكنّ نواميس التاريخ تأبى إلّا أن تسير في مساراتها الأزلية، فالنصر معقود في جبهة الحق، ولو بعد حين، وما يجري اليوم يدلّ على أننا في رِكابه، وسيعيش هؤلاء الملوثون مع عار وقاحتهم، وسيعرفون أنّ الوقوف على الجانب الخطأ من التاريخ، ليس مجرد سوء تقدير، هو سوء وجهٍ وسوء مصير.. ولن تصبح فلسطين، بكل ما تكتنزه من عدالةٍ وكرامةٍ وشرفٍ وتضحيةٍ ومصير أمة، مجرد رأيٍ آخر مهما "تأسرلوا"..

الكلمات المفتاحية
مشاركة